تعقيباً على البحث المنشور في المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلد 20 العدد 1، 2026م بعنوان: (تحقيق موضع مسجد العظام في محافظة العلا شمال غرب المملكة العربية السعودية استناداً إلى المصادر التاريخية والدراسات الأثرية)، ص: 130-149، بقلم: محمد بن شبيب السبيعي، قسم الآثار جامعة الملك سعود. أود الإفادة بالآتي:
أولاً: وقبل كل شيء أود أن أوضح هنا أنه لا يوجد مسجدٌ اسمه مسجد العظام، سواء في العلا (المدينة الرئيسة حالياً في المحافظة) أو في قرح (المدينة الرئيسة قبلها بالمنطقة، التي اندثرت في القرن 6هـ /12م الواقعة جنوب العلا بنحو 18 كيلاً)، فهذا الاسم لم يرد ذكره حسب علمي، عند أي من الكتاب المسلمين المتقدمين الذين عاصروا قرح، مدينة وادي القرى في العصر الإسلامي، مثل المقدسي من أهل القرن 4هـ/10م، أو المتأخرين الذين عاصروا العلا، مثل ابن بطوطة (زار العلا 726هـ / 1326م)، وبالتالي لا يوجد في العلا ولا في قرح مسجدٌ اسمه مسجد العظام، ولا يجوز أن نأخذ كلام العامة أو نفر من الناس الذين لا يعلمون، ونؤصله كتابياً بنشر بحث علمي عنه.
ثانياً: جاء في ملخص البحث ما يأتي:
(تحتضن محافظة العلا مجموعة من مواقع التاريخ الإسلامي المرتبطة بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام، يأتي من بين أهم تلك المواقع ما يسمى بمسجد العظام الذي أدى به النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلاة فيه أثناء غزوة تبوك، ويعد هذا المسجد أحد المساجد النبوية التي كانت معروفة لدى السكان والأهالي لمئات السنين حيث اتخذوه مسجداً رئيساً لهم).
وأقول:
كل ما جاء في هذه الفقرة غير صحيح، فمحافظة العلا ليس فيها موقع إسلامي مرتبط بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- سوى موقع واحد وهو المابيات، الذي تم تحقيقه من كاتب هذه السطور، بأنه موضع قرح مدينة وادي القرى، وليس فيها أو في العلا مسجد نبوي باسم مسجد العظام، وإنه كما يقول الباحث، كان معروفاً للسكان والأهالي لمئات السنين، فهذا الكلام لا دليل عليه أبداً.
ثالثاً: في المقدمة يقول الكاتب ما نصَّه: تتميز محافظة العلا الواقعة في شمال غرب المملكة العربية السعودية باحتضانها مجموعة من المساجد التاريخية والمعالم الإسلامية التي تحكي تاريخ المنطقة خلال العصر الإسلامي المبكر، ومن أهمها مسجد العظام الذي صلّى فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم اتخذه الناس بعد ذلك مسجداً يؤدون فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة (ابن هشام 1955 ج2: 530 - 531).
وهذا كله غير صحيح، وابن هشام بريء مما نسب إليه، فهذا الكلام لم يرد عنده.
وكتب الباحث أيضاً في ص 131 ما نصه:
(نقل عدد من المؤرخين وكتّاب سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وغزواته مجموعة من الروايات التاريخية التي تفيد بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أدى الصلاة في عدة مساجد تقع بين تبوك والمدينة المنورة، وذلك عندما خرج إلى غزوة تبوك، من بينها مسجد العظام في محافظة العلا).
وهذا الكلام أيضاً غير صحيح، لأنه لا يوجد أحد من المؤرخين أو كتّاب السيرة نقل أو ذكر أن من بين هذه المساجد التي صلى فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- مسجد العظام بمحافظة العلا.
وفي الحديث الصحيح، يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
وذلك لمن نسب إليه عليه الصلاة والسلام قولاً أو فعلاً لم يقله ولم يفعله.
وكتب الباحث عنواناً في ص 131 هو: (مسجد العظام والروايات المرتبطة به)، فكتب تحت الرواية الخامسة، ص137 ما نصَّه:
(يشير المقدسي إلى أن مسجد العظام كان قائماً في النصف الثاني من القرن 4هـ / 10م، ويقع داخل مدينة قرح).
وهذا أيضاً غير صحيح، فالمقدسي مثل ابن هشام بريء مما نسب إليه، لم يرد في روايته مسجد العظام أبداً.
وفي ص 138 يقول الباحث: إنه شاع عند أهل البلدة (العلا)، أن هذا المسجد (مسجد الجمعة) هو المسجد الذي صلى فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- وحدد مكان مصلاه بعظم.
وفي ص140 يقول الباحث أيضاً:
(إن السبب في إطلاق اسم مسجد العظام على جامع البلدة القديمة هو الرواية غير الصحيحة المنتشرة بين السكان بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بالمنطقة في أثناء غزوة خيبر وتوضأ من مياه عين تدعل، ثم صلى في الموضع الذي أطلق عليه اسم مسجد العظام لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حدد محرابه بعظم شاة).
وأقول ما ذكره الباحث، أن هناك رواية منتشرة بين السكان، فالواقع أنها ليست رواية بل هي خرافة معروفة على نطاق ضيق، في ظني عند أقل من 5% من السكان وهي غير ذات بال، ولم يهتم بها أحد. ومفادها أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- توضأ من عين تدعل وصلى في مسجد الصخرة وقيل في مسجد الجمعة. هذه المعلومة فقط التي سمعتها كخرافة، أما مجيئه -صلى الله عليه وسلم- من خيبر وأنه حدد مصلاه عليه السلام بعظم، فلم أسمع بها أبداً.
وبعد التعقيب على ما ورد في الملخص والمقدمة وبعض ما تلاهما، سنتناول ما ورد في خاتمة البحث.
وفيها يقول الباحث إن مجموعة من المصادر الإسلامية المبكرة، اعتنت بذكر المساجد التي صلى فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد تتبع الباحث كما يقول، أقدم الروايات التاريخية في تلك المصادر حول مسجد العظام، الذي يعد أحد أهم المعالم الإسلامية في محافظة العلا.
ونقف عند هذه العبارة، وهي أن مسجد العظام يعد أحد أهم المعالم أي البارزة والظاهرة للعيان، وطبعاً ليس لدينا في موقع قرح مسجد قائم وظاهر للعيان، كما أنه لا يوجد في العلا مسجد يعرف بمسجد العظام.
ويقول الباحث، إن الدراسة توصلت إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في مسجد صعيد قرح، وأن هذا المسجد أصبح لاحقاً يعرف بمسجد العظام، ولم يقدم الباحث أي دليل على هذا الكلام.
وفي الفقرة قبل الأخيرة يقول: أكدت الدراسة أن مسجد العظام في قرح ولكنه مازال مطموراً تحت الرمال والصخور.
وهذا يتناقض مع ما ذكره الباحث أعلاه في السطر الثالث من الخاتمة، أن هذا المسجد يعد أحد أهم المعالم الإسلامية في محافظة العلا، أي أنه واضح وبارز وظاهر للعيان.
ويقول الباحث:
( أشـــار البحث إلى أن مسجد العظام كان معروفاً للناس منذ فترة صدر الإسلام في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-).
وقبل سطرين فقط يقول: توصلت الدراسة إلى أنه لم يكن معروفاً بل عرف لاحقاً.
على أية حال، لا يوجد أي دليل لدى الباحث على أنه معروف سابقاً أو لاحقاً.
وفي نهاية الخاتمة يقول الباحث:
(ختاماً يعد مسجد العظام أحد أهم مواقع التاريخ الإسلامي بالمملكة).
والسؤال: كيف يكون أحد أهم مواقع التاريخ الإسلامي، وهو بحسب ما يقول الباحث مازال مطموراً تحت الرمال والصخور؟
ورد في البحث مراراً وتكراراً بل وإصراراً من الباحث، أن أهل العلا يطلقون اسم مسجد العظام على مسجد الجمعة في البلدة القديمة، وأنه قد شاع عندهم أنه المسجد الذي صلى فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحدد مكان مصلاه بعظم.
وهذا أمر خطير فالرسول -صلى الله عليه وسلم- حذر من الكذب عليه. أهل العلا عندهم مثل يقول: (إذا كذبت فأسند)، وهو ما يتفق مع البحث العلمي تماماً الذي يستند للتوثيق، والباحث لم يستند إلى مصدر معتمد فيما نسب لأهل العلا، والواقع أن هذا الاسم (مسجد العظام) لم يظهر إلى السطح إلا في زمن الهيئة الملكية لمحافظة العلا (2017م)، وبروز المرشدين السياحيين وأكثرهم ليسوا من أهل البلدة القديمة، وفي ظني أن الباحث استند إليهم وإلى ما نشر في الجرائد التي تتغذى من معلوماتهم السطحية.
والحقيقة التي لا لبس فيها ولا غموض، أن أهل العلا الذين عاشوا في البلدة القديمة -وأنا أحدهم- بريؤون مما نسب إليهم، بأنهم أطلقوا اسم مسجد العظام على مسجد الجمعة، فقد عشت في هذه البلدة عدد سنين، وتخرجت من الجامعة وعملت مديراً للمدرسة المتوسطة، وأنا ما زلت ساكناً بها، وعاصرت والدي ومن هم في جيله، وصليت معهم في هذا المسجد المعروف باسم مسجد الجمعة، ولم نسمع باسم مسجد العظام، كما رجعت إلى عدد من الوثائق التي تركتها لنا الأجيال السابقة، ممن عاشوا في البلدة القديمة، فلم أجد وثيقة واحدة ورد فيها اسم (مسجد العظام)، بل ورد ذكر هذا المسجد (الجمعة) باسم الجامع القِبْلي، الجامع الكبير، جامع القضاة أو مسجد القضاة.
وواضح أن الاسم الأخير نسبة إلى عشيرة القضاة، التي تولى أفرادها من بيت الإمام مهمة الإمامة والخطبة في هذا المسجد، بينما تولت أسرة الريس فيما يبدو، وهي من عشيرة القضاة، مهمة الأذان، علماً أن المؤذن الذي عاصرته في النصف الثاني من السبعينات الهجرية لم يكن من بيت الريس، بل هو سالم بن عبدالرحمن الإمام رحمه الله.
وبالإضافة إلى الوثائق وما ذكر أعلاه، فقد تم في هذا المسجد حدث تاريخي مهم، وهو اجتماع كبار أهل البلدة ومشايخها مع الرجل الذي أرسله الملك عبدالعزيز على رأس جيش، والاتفاق على انضمام العلا سلمياً إلى الحكم السعودي في 25 جمادى الآخرة 1344هـ / 10 يناير 1926م، ولم يذكر المسجد باسم مسجد العظام وإنما سجل باسم جامع البلدة، ولو كان معروفاً بجامع العظام الذي صلى فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكان أولى تسجيله باسم جامع العظام وليس باسم جامع البلدة.
وبذلك يتضح لنا جلياً أن اسم مسجد العظام لم يكن معروفاً من قبل على الصفة التي وردت في البحث، بل ظهر وبرز إلى التداول على ألسنة المرشدين السياحيين. حتى وإن سجل باسم مسجد العظام في قائمة المساجد التاريخية، التي أمر سمو ولي العهد بترميمها وتطويرها، فإن هذا الاسم إن كان صحيحاً قد سجل في هذه القائمة، فإن هذه التسمية غير صحيحة وخلاف الحقيقة والتاريخ، ولا يُعتد بها أبداً لأنها لم ترد في أي مصدر من المصادر الإسلامية المعتمدة.
وختاماً، فإنني أؤكد هنا أنه لا يوجد في مدينة العلا ولا في مدينة قرح، مسجد باسم مسجد العظام.
وأما المكان الذي صلى فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلَّم مكان مصلاه بعظم وأحجار، فإنه في مدينة قرح المعروفة باسم وادي القرى جنوب العلا. ولسنا مطالبين بتبرير خطأ إطلاق اسم مسجد العظام على مسجد الجمعة بالعلا، بربط تحديد مصلاه عليه الصلاة والسلام في قرح بعظم وأحجار.
والله الموفق وهو أعلم بالصواب