مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

سعد بن رويشد كاتب الملك عبدالعزيز

منذ أن عرفته وفي كل مرة ألقاه فيها كان يتملكني شعور طاغٍ بأنني أقف في حضرة التاريخ السعودي وأمجاده الخالدة، وعبق مؤسس هذه البلاد جلالة المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، كيف لا والرجل كان أحد رجاله والكاتب الخاص لجلالته، أمضى في خدمته وعمله هذا ما يقارب (20) عاماً حتى وفاة الملك عبدالعزيز، وعاصر البدايات الأولى لنهضة البلاد وتشكيل أجهزتها المختلفة، وخط بقلمه الكثير من توجيهات وتعليمات الملك المؤسس، وأحاط بتجربته الإدارية في إدارة أرجاء البلاد وحفظ أمنها واستقرارها وتنميتها وتطويرها والحفاظ على مكتسباتها المتعددة.
إنه سعد بن عبدالعزيز الرويشد رحمه الله. وتعود معرفتي الأولى به إلى مدينة الطائف، في إحدى فعاليات برامج التنشيط السياحي عام 1410هـ، وكنت وقتها أحد أعضاء اللجنة الإعلامية للبرنامج، ولمعرفتي بشخصية الرجل سابقاً من خلال كلمته التي كان يلقيها سنوياً بعد نشرة الأخبار الرئيسة بالتلفزيون السعودي بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، وهو ما شجعني لأهتبل هذه الفرصة وأتقدم له وأعرفه بشخصي وعملي الصحفي، وأطلب منه السماح لي بزيارته بداره لإجراء حوار صحفي معه عن رحلته ومسيرته العملية وأبرز ذكرياته مع الملك عبدالعزيز، خصوصاً والمملكة كانت آنذاك تستعد للاحتفال بذكرى مئوية التأسيس، فرحب بي بكل أريحية، وكلف أحد مرافقيه بتزويدي بعنوان منزله، ومنذ ذلك الحين أصبحت لا أنقطع عن زيارته بداره بحي قروى بالطائف، مع قدومه في صيف كل عام، وحتى سنواته الأخيرة التي عانى فيها من المرض، وسفره للاستشفاء بالخارج، وانقطاعه عن زيارة الطائف عدة سنوات حتى وفاته رحمه الله.
لقد أتاحت لي هذه الزيارات المتكررة الفرصة للتعرف عليه عن قرب، والتزود مما تختزنه ذاكرته من ذكريات عن سيرة الملك عبدالعزيز وتعامله مع الآخرين ومع أهل بيته، وأحوال الرياض قديماً وطبيعتها وظروفها وبعض شخصياها المعروفة، وقد وفقني الله ونقلت شيئاً من ذلك في عدة حوارات صحفية ببعض الصحف والمجلات التي كنت أعمل بها ونشرت في مناسبات وطنية مختلفة.
المولد والنشأة
سعد بن رويشد من مواليد الرياض في شهر ذي القعدة 1331هـ، وتلقى دراسته الأولى في أحد كتاتيب الرياض القديمة، وتحديداً في حي دخنة بمسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ودرس على يدي الشيخ محمد بن مصيبيح القرآن الكريم، وحفظه خلال عام ونصف، ثم درس النحو والتوحيد والأصول الثلاثة وعلم الفرائض على يد فضيلة الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، ثم التحق للعمل في بداية حياته بمالية الرياض، ونظراً لما يمتاز به من حسن الخط وجماله فقد تم نقل عمله إلى ديوان الخاصية الملكية برفقة زميله ابن شاهين منذ عام 1353هـ، وبطلب من عبدالرحمن الطبيشي رئيس الخاصية الملكية آنذاك، ليتشرف بالعمل مع الملك المؤسس طيب الله ثراه، كاتباً في ديوان جلالته، وحظي بمرافقته له في حله وسفره، واستمر في عمله هذا حتى تقدم بطلب إحالته على التقاعد عام 1373هـ بعد وفاة الملك عبدالعزيز.
مؤرخ وباحث ومثقف
كان سعد بن رويشد مثقفاً واسع الاطلاع محباً للأدب والشعر ومرجعاً في تاريخ المملكة وحروب وفتوحات الملك عبدالعزيز، وله عدد من الكتابات والمقالات الاجتماعية والتاريخية الموسعة في بعض الصحف المحلية، وشارك ببحث في مؤتمر الملك عبدالعزيز الذي أقامته دارة الملك عبدالعزيز تحت عنوان (لمحات من تاريخ الملك عبدالعزيز)، كما سبق له أن قام بتوثيق أسماء الشخصيات التي رافقت الملك عبدالعزيز في فتح الرياض.
وبتوجيهات من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله كان الشيخ سعد يلقي كلمة سنوية عقب نشرة الأخبار الرئيسة بالتلفزيون بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني بعنوان (تهنئة بمناسبة اليوم الوطني)، ويلقيها بلسان عربي فصيح لا يشوبه خطأ نحوي أو صرفي، واستمر بإلقائها لمدة عشر سنوات، وفيها يتناول شيئاً من ذكرياته عن الفتوحات والمواقف البطولية والسياسية والإنسانية للملك عبدالعزيز غفر الله له، ومن ثم يتوّجها في الختام بشيء من قصائد الشاعر محمد بن عثيمين التي قالها في الملك عبدالعزيز، وكان قبل ذلك قد بذل مجهوداً كبيراً في جمع هذه القصائد وتحقيقها وشرح ألفاظها وإخراجها في كتابه النادر والمرجعي عن هذه الشخصية والموسوم بـ(العقد الثمين من شعر محمد بن عثيمين)، وهو كتاب يقع في (581) صفحة، وقد طُبع خمس طبعات، وأضاف في طبعته الأخيرة عدداً آخر من القصائد التي عثر عليها، كما أوضح في هذا الكتاب مدى إعجابه بهذا الشاعر الكبير، ولخص الدافع الذي حثه على ذلك في ثلاثة أمور، وهي: الأول: كون هذا الشاعر من أبناء المملكة العربية السعودية، والثاني: لأنه عالم وشاعر ومتفوق على غيره في الشعر العربي الفصيح، والثالث: لأنه من المحبين والمخلصين للدعوة السلفية التي قام بها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب التي أماتت البدع والخرافات في البلاد السعودية كلها، كما كان له صالون أدبي ثقافي يقام في داره بالرياض مساء كل يوم جمعة، ويؤمه عدد كبير من أصدقائه من الأدباء والمثقفين والكتاب.
رجل كريم مضياف
ومنذ عرفت هذا الرجل وهو كريم مضياف، وكانت أبواب داره مفتوحة على مصراعيها طوال اليوم، ومنذ الصباح الباكر لاستقبال محبيه وزواره. وكان حريصاً على أن يشعر كل من يقدم عليه ببشاشته وأبوته الحانية، ولا أنسى أنه كان يبادر ضيوفه وزواره منذ جلوسهم بكأس من اللبن البارد الذي يقدمه مع التمر الفاخر والمميز، وكان في حديثه العذب وبحة صوته ما يثري الحضور بالاستفسارات والتساؤلات عن قضايا الساعة الراهنة، ويستجلي الآراء حولها، ولا ينسى خلال حديثه أن يذكّر ببعض مواقف ومآثر الملك عبدالعزيز وقوة شخصيته وقصة توحيد البلاد، وما وصلت إليه بعد ذلك من تطور ونعم وخيرات لا يتصورها عقل، وبخاصة أولئك الذين عايشوا المراحل الأولى من توحيد أرجاء المملكة العربية السعودية وظروفها الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
من صفات الملك عبد العزيز
وقد تأثر سعد الرويشد بأخلاق وصفات الملك عبدالعزيز غفر الله لهما، ومن أهمها حرصه الكبير على التقيد بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وأداء الصلوات في أوقاتها، وكان يذكر ضيوفه وزواره بأهم تلك الصفات التي لم تشغل جلالته برغم هموم الحكم والسياسة وإدارة شؤون البلاد من أدائها، ويذكرنا دوماً بأن جلالته كان عابداً يقوم الليل قارئاً للقرآن مصلياً مسبحاً متعبداً مقيماً أو مسافراً، راعياً لأسرته، باراً بوالده، ويقوم في صباح كل يوم بزيارته وتقبيل يده، ويجلس والده إذا أقبل عليه وهو في مجلسه في صدر المجلس، ويجلس هو على الأرض تأدباً واحتراماً، وكان الشيخ سعد الرويشد يكرر دائماً هذه الأبيات من شعر ابن عثيمين عن جلالته رحمه الله التي يقول فيها:
فجئت بالسيف والقرآن معتزماً
تمضي بسيفك ما أمضاه قرآن
حتى انجلى الظلم والأظلام وارتفعت
للدين في الأرض أعلام وأركان
خبيئة الله في الوقت أظهرها
وللمهيمن في تأخيرها شأن
مساهمات اقتصادية وخيرية
كان لسعد الرويشد أيضاً دعمه ومساهماته الاقتصادية، فهو من أوائل المساهمين في تأسيس شركة كهرباء الرياض، وشركة الغاز والتصنيع، وشركة مطابع الرياض، وشركة المجوعة السعودية للاستثمار الصناعي، وشركة الطائف للاستثمار السياحي.. وغيرها، كما كان العضو المنتدب لمجلة الدعوة الإسلامية عند تأسيسها على يد مفتي السعودية آنذاك الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، كما عرف عنه رحمه الله سعيه الحثيث لإصلاح ذات البين، وحبه لأعمال البر والخير وبناء المساجد.
وفاته رحمه الله
بتاريخ 27 صفر 1435هـ توفي رحمه الله بعد معاناة مع المرض عن عمر ناهز (104) أعوام، وقد شهد الصلاة عليه وتوديعه لمستقره الأخير جمع غفير من أصحاب السمو الملكي الأمراء والمعالي الوزراء وكبار المسؤولين.

ذو صلة