في رحاب كلية الآداب بجامعة القاهرة كان تعارفهما، ثم تخرجهما معاً، ثم تعيين الزوج معيداً في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة عين شمس، وتعيين الزوجة معيدة في ذات القسم ولكن في جامعة القاهرة بعد نيلها الماجستير، قبل حصول الزوج على الدرجة العلمية برسالته الفريدة: (الأسس الجمالية في النقد العربي)، التي امتدحها الأستاذ محمد خلف الله، وعدّها تعدل الدكتوراه في الخارج، ونال بها جائزة الملك فيصل في الآداب عام 2000، وكان تفضيلها إياه على من تقدم لخطبتها، رغم معارضة الأب، من ناحية المستوى الاجتماعي، لولا تدخل أستاذتهما د. سهير القلماوي لدى الأسرة، ليتم هذا الزواج، ويثمر عن عدد من المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية والإسلامية عامة، والأدبية والنقدية خاصة.
الزوجة نبيلة إبراهيم سالم (1929 - 18يناير 2017م) أستاذة الأدب والنقد الحديث والأدب الشعبي بجامعة القاهرة، عُدتْ من أبرز أساتذة الأدب الشعبي والفولكلور في الجامعات المصرية والعربية، وكانت امتداداً طبيعياً لجيل من الأساتذة الكبار، فهي طالبة نجيبة للدكتورة سهير القلماوي، التي كانت بدورها تلميذة أنجب لعميد الأدب العربي طه حسين، ولا بدَّ أنها أخذت عن الدكتور المتميِّز عبدالحميد يونس، إنها وارثة ذلك الجيل المؤسِّس للدراسات الشعبية التي تحوَّلت بفضل جهودهم إلى عِلم يُعتدُّ به، وكيان يُنافِس غيرَه من العلوم الأدبية الأخرى التراثية، والتقليدية، والنخبوية.
حصلت على الدكتوراه من جامعة (جوتنجن) بألمانيا عام 1962م، عن أطروحتها باللغة الألمانية، ثم طبعتها بعنوان (سيرة الأميرة ذات الهمة: دراسة مقارنة) دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968، وهي تقوم في جوهرها على المقارنة بين الأدب الشعبي العربي والأدب الشعبي البيزنطي، وترصد العلاقة بين العرب والبيزنطيين من خلال السيرة الشعبية. ثم عادت الأستاذة إلى جامعتها، وبدأت رحلتها العلمية التي استمرت لأكثر من نصف قرن وبضع من سنوات تدريساً وتأليفاً وترجمة، فملأت الحياة الفكرية والأكاديمية والبحثية والاجتماعية عطاءً وعملاً حتى استحقَّت بجدارة جائزة الدولة التقديرية في العام 2014م في العلوم الاجتماعية.
استهلت نبيلة إبراهيم مشوارها العلمي والبحثي في ستينات القرن الماضي وامتد لنحو خمسة وخمسين عاماً، أنجزت خلاله أعمالاً رائدة وكتابات مرجعية وترجمات لكتب تعد من كلاسيكيات الدراسات الشعبية في العالم. وقد بدأت حياتها العلمية من الشِّعر وانتهت إلى النثر والأدب الشعبي، حيثُ كانت رسالتها في الماجستير في آداب القاهرة عن (روميات المتنبي) سنة 1954م، وقد وصف زوجُها الدكتور عز الدين إسماعيل تلك الرُّوميَّات في كتابه في الشعر العباسي، وفي إطار حديثه عن الصراع بين العرب والروم: (بأنها تشكِّلُ موضوعاً قائماً بذاته في تاريخ الشعر العربي لا لكثرة هذه الرُّوميَّات فحسب، بل لقيمتها التاريخية والفنية كذلك، فهي في مجموعها تحملُ نَفَساً ملحميّاً لولا فقدانها للشكل الملحمي)، وقد كانت تلك الرُّوميَّات بالنسبة إلى الباحثة الشابة مدخلاً إلى دراسة العلاقة مع الغرب.
وقد اهتمت نبيلة إبراهيم بقضايا المرأة في التراث الشعبي منذ دراستها في مرحلة الدكتوراه، حين وقفت على سيرة (الأميرة ذات الهمَّة)، ثم قدَّمت دراسات مبكرة في هذا الاتجاه منها: المرأة في الحكايات والخرافات الشعبية 1965م، واللغز في الأدب الشعبي1965، وأمُّنا الغولة 1969، وقد كتبت الكثير من المقالات والأبحاث التي نُشر معظمُها في مجلة (الفنون الشعبية المصرية)، ومجلة (فصول)، ومنها: قصص أسطوري عربي 1970، ومنشد الشعب 1970، والفولكلور في التراث الشعبي 1971، والحكايات الشعبية العربية 1971، والحكايات الشعبية في ضوء التفسير النفسي 1973، واليمين والشمال في التراث العربي 1977، والإنسان والزمان في التراث الشعبي 1978، والسيرة النبوية بين التاريخ والأدب الشعبي 1982، وعالمية التعبير الشعبي 1983، والقصص الشعبي: جمعُهُ، وتصنيفُه 1986، وخصوصية الإبداع الشعبي 1992، والتَّحاور الفني مع التراث 1994، والرمز والأُمثولة في التعبير الشعبي 1996.
أما الزوج فهو عز الدين إسماعيل عبدالغني، من مواليد القاهرة، (1929 - 2007)، تلقى تعليمه في القاهرة، حيث حصل على درجة الليسانس من قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1951، ثم الماجستير في جامعة عين شمس سنة 1954، والدكتوراه سنة 1959، ثم رُقِّي إلى درجة الأستاذية في الأدب والنقد سنة 1972. وقد تولَّى عمادة كلية الآداب بجامعة عين شمس في الفترة من 1980 إلى 1982، وعُين أستاذاً متفرغاً بقسم اللغة العربية في الكلية ذاتها بعد بلوغه الستين سنة 1989.
درَّس في جامعات عربية كثيرة منها جامعة أم درمان الإسلامية بالسودان، وجامعة بيروت العربية بلبنان، وجامعة محمد الخامس بالمغرب، وجامعة الملك سعود بالسعودية، وجامعة صنعاء باليمن، كما قام بزيارات علمية قصيرة إلى كلٍّ من الأردن، والعراق، والإمارات، والكويت، وتونس، وألمانيا، والبحرين.
وفي المناصب الإدارية عَمِل مديراً للمركز الثقافي العربي في (بون) بألمانيا الغربية (1964 - 1965م)، كما رأس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1982، وعُين أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة سنة 1984، ثم رئيساً لأكاديمية الفنون سنة 1985.
وأما عن عضوية الجمعيات الأدبية والثقافية، فقد كان عضواً في كل من جماعة الأمناء 1951، والجمعية الأدبية المصرية 1954، والجمعية الدولية لدراسة السَّرديات الشعبية 1980، والجمعية المصرية للنقد الأدبي 1988، وجمعية محبِّي الفنون الجميلة 1989، وأتيليه القاهرة الفني والثقافي 1991، واتحاد كُتّاب مصر، والمجمع اللغوي في دمشق، وغيرها.
ومن مشروعاته الكبيرة ذات الأثر العظيم، وهو المؤسِّسُ الرائدُ، أنَّه أسَّس مجلة (فصول) 1980، وترأس تحريرها حتى 1991م، وهي من أهم المجلات النقدية العربية، وأسَّس (جمعية النقد الأدبي) 1988، ومجلة (إبداع) 1983، ومجلة (عالم الكتب)1984، ومجلة (القاهرة)1985، وأسس (المعرض الدّولي لكتاب الطفل)، و(المعرض الدائم للكتاب) (1984).
وأمَّا عن مشروعه النقدي والأكاديمي والإبداعي، فإنَّ له عدداً من الكتب التي صارت علامات بارزة في الدَّرس العلمي والكتابات الأكاديمية، فما تكاد تخلو رسالة علمية من الإحالات المتعددة إليها في مشرق الوطن العربي ومغربه، لما تمتاز به كتاباته من رصانة في الطرح، ومنهج علمي منضبط في التناول، ولغة مميزة واضحة خالية من التقعُّر أو الغموض في البيان.
ترك الزوج عز الدين إسماعيل للمكتبة العربية المؤلفات الآتية: الأسس الجمالية في النقد العربي، قضايا الإنسان في الأدب المسرحي، الشعر العباسي: الرؤية والفن، الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، التفسير النفسي للأدب، المصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي، الفن والإنسان. وديوان شعر بعنوان: دمعة للأسى.. دمعة للفرح، بالإضافة إلى مسرحية شعرية بعنوان: محاكمة رجل مجهول، وفي ميدان الترجمة: رحلة إلى الهند، للروائي الإنجليزي إدوارد مورغان فورستر، والسفينة ديربنت، للروائي الطاجيكي يوري كريموف.
ومن التكريم والجوائز، جاءته: جائزة القلم الذهبي (يوغوسلافيا، 1984)، وجائزة مؤسسة التقدم العلمي (الكويت، 1984)، وجائزة الدولة التقديرية (مصر، 1985)، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى (مصر، 1990)، وجائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب (المملكة العربية السعودية، 2000).
رحل الزوج في (2007) وبعده بسنوات رحلت الزوجة في (2017)، ولما أحسَّتْ بدنو أجلها قامت بإهداء مكتبتها الخاصة ومكتبة زوجها إلى دار الكتب والوثائق القومية المصرية.