مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

مأزق المعنى اللسانيات الإدراكية وعصر الخوارزميات

لنتخيل نموذجاً لغوياً يكتب مقالاً عن الحبّ دون أن يعرف خفقان القلب، ويصف الزمن بأنه يجري أو ينفد دون أن يملك جسداً يختبر الانتظار. هذه المفارقة، التي تبدو مشكلة تقنية تتعلق بقدرات الذكاء الاصطناعي في ظاهرها؛ تمس في حقيقتها جوهر ما أسّسته اللسانيات الإدراكية منذ عقود: أن المعنى نشاطٌ متجسّدٌ يتشكل من خبرة الجسد في العالم ومن تراكم تفاعل الخبرات الحسية والانفعالية التي تمنح اللغة كثافتها الدلالية؛ وليس بنية مجرّدة قائمة بذاتها. فكيف يتأتى لآلةٍ لا جسد لها أن تفهم الاستعارة، أو أن تُنتج خطاباً يبدو -للقارئ البشري على الأقل- مفهوماً ومتماسكاً ومؤثراً؟ يضعنا هذا السؤال، نحن الذين نعيش في عصر الخوارزميات، أمام مفارقة مزدوجة: فإما أن نُسلّم بأن الفهم الإنساني نفسه كان دوماً، في عمقه، عملية حسابية لم نكن نُحسن تسميتها، أو أن نُقرّ بأن ما تُنتجه الخوارزميات ليس فهماً على الإطلاق، بل محاكاةً بارعة تُخفي غياب المعنى وراء فصاحة الصياغة.
***
لم تنشأ اللسانيات الإدراكية، في ثمانينات القرن العشرين؛ بوصفها اتجاهاً لسانياً جديداً فحسب؛ وإنما باعتبارها مراجعة جذرية لعدد من المسلّمات التي رسّختها اللسانيات التوليدية. فإذا كانت الفرضية التشومسكية قد نظرت إلى اللغة باعتبارها ملكةً ذهنيةً مستقلة نسبياً عن بقية الأنظمة الإدراكية؛ فإن اللسانيين الإدراكيين أعادوا وصل اللغة بالإدراك والجسد والخبرة المعيشية. ذهب جورج لايكوف ومارك جونسون إلى أن المعنى لا يُستمد من بنية صورية مجرّدة، بل من خبرة الجسد الحسّية-الحركية في تفاعله مع العالم، ومن ثم فإن الاستعارات التصورية، مثل تصور الزمن مورداً يُنفق أو طريقاً يُقطع؛ ليست زخارف بلاغية؛ بل آليات إدراكية تنظّم التفكير نفسه من خلال إسقاط الخبرة المحسوسة على المجالات المجردة. وفي الاتجاه ذاته، أعاد رونالد لانغاکر تفسير البنية النحوية بوصفها امتداداً لعمليات التصور والإدراك، بينما بيّن جيل فوكونييه ومارك تيرنر، عبر نظرية المزج التصوري، أن إنتاج المعنى يقوم على دمج فضاءات ذهنية متعددة تُنشئ بنيات دلالية جديدة لا تختزل إلى مجموع عناصرها.
في المقابل، يطرح الذكاء الاصطناعي التوليدي تصوراً مختلفاً لإنتاج المعنى: فالنماذج اللغوية الكبيرة لا تنطلق من خبرة حسية أو تفاعل جسدي مباشر مع العالم؛ وإنما تتعلم من أنماط هائلة من البيانات اللغوية، مستثمرةً العلاقات الإحصائية والتوزيعية بين المفردات والتراكيب داخل فضاءات تمثيلية عالية الأبعاد. ومن هنا تنشأ المفارقة التي يتأسس عليها هذا المقال: فإذا كانت اللسانيات الإدراكية تجعل التجسد شرطاً لإمكان المعنى؛ فإن النماذج اللغوية تُظهر قدرةً عمليةً على إنتاج خطاب مترابط واستعارات دقيقة واستدلالات لغوية معقدة من دون ذلك النمط من الخبرة الذي عُدّ طويلاً أساساً للفهم. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال: كيف تنتج الآلة اللغة؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل التجسد شرطٌ ضروري للمعنى، أم أن نجاح النماذج اللغوية يفرض إعادة النظر في مفهوم التجسد ذاته، وفي العلاقة بين الإدراك واللغة والتمثيل؟
***
تكمن المفارقة الأعمق في أن النماذج اللغوية الكبيرة، حين تُسأل عن معنى (قلبٌ مكسور)، تُجيب إجابة تبدو سليمة تماماً: تشرح الحزن وتذكر الفقدان وقد تستحضر سياقات أدبية مشابهة. غير أن هذه الإجابة، على دقتها الظاهرة، لا تنبع من خبرةٍ حسّية بانكسارٍ ما، بل من كثافة تكرار العبارة في جوار كلمات معينة عبر مليارات النصوص. هنا يصطدم مبدآن متعارضان، وهما: مبدأ التجسيد الذي يرى أن لا معنى دون جسدٍ يتألم ويتعب ويلمس، ومبدأ التجريد الإحصائي الذي يرى أن التكرار والتجاور كافيان لإنتاج خطابٍ يبدو -للمستقبل البشري- مفهوماً تماماً. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس هل تُخطئ الآلة؟ بل هل يكفي أن يبدو الخطاب مفهوماً لنقول إنه يحمل معنى؟ أم أن المعنى الحقيقي يقتضي، كما تشترط اللسانيات الإدراكية، مُدرِكاً يحمل تاريخاً جسدياً يُسقطه على الكلام؟ إن صحّ هذا الاشتراط، فإن عصر الخوارزميات لا يُنتج لغةً بالمعنى الدقيق، بل يُنتج هيكلها الخارجي فارغاً من المُحرّك الذي ولّدها أصلاً عند الإنسان.
ثمّة مثالٌ صار شبه أسطوري في حقل المعالجة الحاسوبية للغة: يُمثّل هذا المثال جوهر تقنية التضمين اللغوي في نموذج (Word2Vec)، حيث تُحوَّل الكلمات إلى متجهات (Vectors) في فضاء رياضي دلالي، وتكشف العملية الحسابية (ملك - رجل + امرأة = ملكة) عن قدرة الذكاء الاصطناعي على استخلاص العلاقات المنطقية والجندرية بين المفاهيم عبر قياس المسافات والاتجاهات الهندسية لهذه المتجهات. غير أن نظرية المزج التصوري عند فوكونييه وتيرنر تقول شيئاً أدقّ من ذلك: المزج ليس عملية جمعٍ وطرحٍ بين عناصر متكافئة، بل تفاعلٌ بين فضاءين ذهنيين مختلفين يُنتج بنية ناشئة لا تُختزَل إلى مدخلاتها -كما يحدث حين نمزج فضاء (البيت) وفضاء (السفينة) لنفهم استعارة (سفينة الأسرة). وهنا يكمن الفارق الجوهري: ما تفعله الخوارزمية ليس مزجاً بهذا المعنى، بل استثماراً لانتظامٍ خطّي موجودٍ مسبقاً في توزّع الكلمات داخل فضاءٍ مُدرَّب على مليارات الجمل. النتيجة قد تتطابق ظاهرياً مع ناتج المزج الإدراكي، لكن الطريق إليها مختلفٌ جذرياً: مسار إحصائي محض في الآلة، ومسار تخيّلي-تجسيدي عند الإنسان. والسؤال الذي يفرضه هذا التطابق الظاهري ليس تطابقاً تقنياً بل هو تطابق فلسفي. إذا تطابقت النتيجة مع اختلاف الطريق، فهل لا يزال الطريق -أي الجسد والخبرة- شرطاً ضرورياً للمعنى، أم أنه كان دوماً شرطاً كافياً وليس ضرورياً، يمكن للإحصاء أن يستبدله دون أن يفقد الخطاب قيمته؟
***
حين يقرأ متكلّمٌ جملة (طلب الحساب وغادر)، فإنه لا يستحضر معنى كلمة (حساب) بمعزل عن سياقها، بل يستحضر إطاراً إدراكياً كاملاً -بالمعنى الذي أسّسه تشارلز فيلمور وطوّره فوكونييه- يتضمّن النادل والقائمة والطاولة وحتى توقّع الإكرامية، دون أن يُذكر شيء من هذا في النص. الإطار هنا بنيةٌ ثقافية-إدراكية كامنة، يستحضرها المتكلم دفعة واحدة من خبرته المتراكمة بالعالم، وليس من الجملة نفسها. وفي عصر الخوارزميات، يبدو أن آلية الانتباه تُحقّق أمراً مشابهاً: فهي تُرجّح صلة كل كلمة بأخرى ضمن نافذة سياق محدودة، وتمنح (الحساب) وزناً إحصائياً أعلى مع (النادل) منه مع (الرياضيات). لكن الفارق هنا أدقّ من فارقي المحورين السابقين: فالإطار الإدراكي بنيةٌ كُلّية تُستحضَر مرة واحدة، بينما نافذة السياق حسابٌ تراكميٌّ لأوزان جزئية متغيّرة عبر كل كلمة جديدة، لا تُستحضَر بل يُعاد حسابها باستمرار. وهذا يعني أن التشابه الذي بدا في المحورين السابقين بين النتيجة الظاهرة والجوهر المختلف يبدأ هنا بالتصدّع: فحتى الأداء الظاهري للنموذج يتعثّر كلما اتسع السياق المطلوب عن حدود نافذته، في حين يظل الإطار الإدراكي عند الإنسان ثابتاً ومتاحاً كاملاً وإن طال الكلام. وكأن الخوارزمية، في محاولتها محاكاة الإطار، أعادت اختراع الذاكرة قصيرة المدى لا الإدراك الكلّي.
***
أمام هذا التصدّع المتنامي بين المحاور الثلاثة، يصعب الاستمرار في التعامل مع السؤال بصفته سؤالاً تقنياً بحتاً، يُحَلّ بمزيدٍ من البيانات أو بمعمارياتٍ حاسوبية أكثر تطوراً. فما رصدناه ليس قصوراً عارضاً سيختفي مع الجيل القادم من النماذج، بل أثراً لحدٍّ بنيوي: أن الخوارزمية تُحاكي ناتج الإدراك دون أن تملك آلته.
وهذا يقودنا إلى موقفٍ ربما يبدو متشدداً لكنه ضروري: ما تُنتجه هذه النماذج ليس فهماً بالمعنى الذي تشترطه اللسانيات الإدراكية، بل هو تقليدٌ بالغ البراعة لأثر الفهم، وهو تقليدٌ تتسع فجوته كلما اتسع السياق المطلوب أو تعمّقت طبقات الاستعارة، كما رأينا في تعثّر نافذة السياق أمام شمولية الإطار الإدراكي. ومع ذلك، يبقى من السذاجة أن نُطمئن أنفسنا بهذا الحكم وحده، فثمة ما يُحرجنا فيه: فإذا كان المعنى الحقيقي يقتضي جسداً وخبرة كما تشترط اللسانيات الإدراكية؛ فلماذا يبدو الناتج الخوارزمي، في كثير من المواضع، أكثر تماسكاً واتساقاً من خطاب إنسانيٍّ مرتجل؟ ربما لأن الفهم نفسه -حتى عند الإنسان- ليس عملية واحدة متجانسة، بل طبقات متعددة، بعضها يقتضي الجسد فعلاً كإدراك الألم أو الفرح، وبعضها لا يتجاوز كونه انتظاماً تركيبياً يمكن للإحصاء أن يُحاكيه دون خسارة جوهرية. وهذا الافتراض، إن صحّ، لا يُبرّئ الخوارزمية بل يُعقّد سؤالنا الأصلي: فلسنا أمام حدٍّ واحدٍ فاصل بين الإدراك والحساب، بل أمام طيفٍ من المعاني، بعضها يستعصي على الآلة فعلاً، وبعضها كنّا نظنّه إدراكياً وهو في عمقه حسابيٌّ منذ الأصل.
إذا كان الافتراض الأخير صحيحاً: أن المعنى طيفٌ وليس حداً فاصلاً، وأن بعض ما حسبناه إدراكاً جسدياً عميقاً هو في الجوهر انتظامٌ حسابيٌّ قديم لم نُحسن تسميته؛ فإن عصر الخوارزميات لا يُهدد اللسانيات الإدراكية بقدر ما يدفعها إلى مراجعة جوهرية: أيّ طبقات المعنى تقتضي الجسد فعلاً؟ وأيّها كانت محاكاةً تركيبية متقنة منذ أن بدأ الإنسان نفسه يكتسب لغته من محيطه عبر التكرار والتجاور قبل أن يُدرك الاستعارة إدراكاً واعياً؟ وهذا ليس سؤالاً أكاديمياً صرفاً، وإنما يحمل تبعات تلامس حياتنا اليومية مباشرة: في تعليم اللغة، إذ قد نحتاج إلى إعادة التفكير في أي طبقات الكفاءة اللغوية تحتاج خبرة جسدية فعلية لا يُعوّضها التكرار الآلي؟ وفي أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إذ يتوقف على هذا السؤال ما إذا كنّا نتعامل مع أداةٍ تُولّد نصاً أم مع كيانٍ يستحق أن نُسائله عن قصده! وفي فهمنا لذواتنا كمتكلمين، إذ يضعنا أمام احتمالٍ مزعج: أننا، في كثيرٍ من لحظات كلامنا اليومي العابر، أقرب إلى الآلة التي تُكرّر الأنساق المألوفة منّا إلى ذلك المُدرِك الذي يستحضر العالم كاملاً في كل كلمة. فإن كان (قلبٌ مكسور) قد بدأ، عند أول من قالها، استعارةً تنبت من ألمٍ حقيقي في الصدر، فإن مصيرها -كما هو مصير كل استعارةٍ تتكرر حتى تتحجّر- أن تصبح نسقاً جاهزاً يُستدعى دون أن يُستحضر الألم نفسه. وربما هذا، لا غياب الجسد عند الآلة؛ هو السؤال الأعمق الذي يفرضه علينا عصر الخوارزميات: ليس هل تفهم الآلة كما نفهم، بل كم من فهمنا نحن، في الأصل، كان يحتاج إلى جسدٍ، وكم منه كان دوماً صدى نسقٍ تكرّر حتى صار يُشبه الفهم؟

ذو صلة