تتداخل البلاغة العربية مع العلوم الإنسانية مثل علم النفس والاجتماع والسياسة والتكنولوجيا والآداب وغيرها، وتتسع مجالاتها لتشمل أنواع الخطاب كافة، ومختلف أنشطة التواصل الإنساني، فهي تسعى إلى جذب المتلقي والتأثير فيه، كما تقوم بوظائف اجتماعية تصدر عن ثقافة المجتمع وأعرافه، وتوجه السلوكات وتؤثر في المواقف، وهي بذلك (تخلع على الأشياء والأفكار معاني وقيماً تعلو وتقوى بحسب ما تستعمل من وسائل إقناعية وطرق حجاجية ترشد وتقنع وتوجه)، فهي تؤدي وظيفة فاعلة في رسم صورة الحياة الاجتماعية.
ولم تعد البلاغة تقتصر على بلاغة النص المكتوب في الأجناس الأدبية، بل أصبحت مكوّناً مهماً في التأثير على المتابعين في مختلف وسائل التواصل، ومن هنا تنبثق أهمية البلاغة في الخطاب الإعلامي، ولا سيما البلاغة الرقمية، فقد أدى التطور التكنولوجي المتسارع الذي تشهده وسائل الإعلام والتواصل الحديثة إلى ظهور الصورة الرقمية التي تسهم في إبلاغ الرسالة الإعلامية بسرعة أكبر وفاعلية أعمق، فقد أصبحت الصورة في وسائل الإعلام اليوم تجذب المتابع وتشده أكثر من الكلمة والنص، وأمام هذا التسارع التقني أثبتت الصورة الإعلامية ريادتها على النص اللغوي، وقدرتها على إبهار المتابع وجذبه، حيث يستأثر الإعلام بالسيادة، وتبرز اللغة البصرية كأحد أساليب الإقناع والإمتاع، بل أقواها تأثيراً وأبلغها رسالةً، وربما أصبح للغة البصرية سحر يفوق سحر الكلمة، إذ تُعد الصورة المرئية شكلاً من أشكال الخطاب اللغوي الذي يمكن دراسته بلاغياً.
ويسعى هذا المقال إلى إبراز بلاغة الصورة الرقمية في الخطاب الإعلامي المعاصر، ومدى تأثيرها على جمهور المتلقين والمخاطَبين، ويكشف عن دورها في تحليل الخطاب الإعلامي.
تقوم البلاغة الرقمية -في أحد محاورها- على الصورة الإعلامية وتوظيفها في الفضاء الافتراضي وتأويلها، وتتضمن البلاغةُ الرقمية بلاغة الرابط وبلاغة الصورة المتحركة، وهي تدرس العلامات اللغوية وغير اللغوية التي يوظفها الخطاب الإعلامي بهدف الإقناع، وتتنوع وظائف البلاغة الرقمية، فمنها الوظيفة البيانية ووظيفة الحجاج والوظيفة الأيديولوجية والوظيفة الانفعالية والوظيفة الجمالية، كما تتداخل البلاغة الرقمية مع بلاغات أخرى منها البلاغة المرئية التي تهتم بدراسة الصور دراسة سيمائية.
وقد جاء مصطلح البلاغة الرقمية مع انفتاح البلاغة على العلوم الأخرى ومنها الدراسات اللسانية الحديثة، واتساع البلاغة لتشمل جميع الخطابات الإعلامية والدينية والسياسية وغيرها، وليس فقط الخطابات الأدبية.
فقد نشأ مصطلح البلاغة الرقمية (Rhetoric Digital) عام 1989م في محاضرة ألقاها (ريتشارد لنهام)، ثم أخذ ينتشر انتشاراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة في مختلف المجالات مثل: مجال تأليف الوسائط المتعددة والكتابة الرقمية والدراسات العالمية الجديدة، ووسائل الإعلام الرقمية وغيرها.
ويرى (جيمس زابن الأمريكي 2005) أن البلاغة الرقمية تهتم بدراسة الوسائط الجديدة التي تدعم التواصل في المساحة الرقمية كما تمكّن من تحويل خطاب الإقناع القديم إلى خطاب رقمي جديد يشجع على التعبير عن الذات والمشاركة والإبداع.
بينما اهتمت الدراسات العربية -التي تناولت البلاغة الرقمية- بوسائل الإقناع والتأثير الرقمي كتحليل الهوية الرقمية والبلاغة البصرية في مكونات الإعلانات التجارية وقدرتها على التأثير على المتلقي، وشرح أنواع الصيغ البلاغية كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز والمبالغة وغيرها من الأساليب البلاغية.
وتأتي أهمية الحديث عن بلاغة الصورة الرقمية التي أخذت تصبح في عصرنا جزءاً من خطاب مرئي مؤثر في وسائل التواصل والإعلام، فإذا كانت مرحلة الحداثة وما قبلها قد ارتبطت بأثر الكلمة وفاعليتها فإن ما بعد الحداثة اتخذت الصورة أداةً للتواصل والتأثير وإبلاغ الرسالة في جلّ خطاباتها ولا سيما الإعلامية والإعلانية.
فعصرنا هو عصر الصورة، التي تساعد على فهم الغموض الذي يعتري اللغة أحياناً، ولهذا فإنها تتحكم في الخطاب الإنساني كلغة وفكر وتصور وتخيل.
ونحن اليوم لا يمكننا أن ننكر أهمية الصورة الرقمية وفاعليتها كونها لغة خطاب فرضتها التقنية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي إضافة إلى وسائل الإعلام، فقد أصبحت الصورة الرقمية وسيلة اتصالية فاعلة ومؤثرة، بوصفها صناعة تحتل قطاعاً واسعاً من مجالات العلم والمعرفة والفن والثقافة.
فالخطاب الإعلامي المعاصر يوظّف الصورة الموحية مع الكلمة المعبرة لإخراج التصميم المتكامل بعناصره البسيطة ودلالاته الواسعة باعتبار الصورة لغة تعبيرية مكثفة، وأداة جاذبة شديدة التأثير، تخترق الحجب وتتسلل إلى المتلقي بخفة ويسر، وبأسلوب يتوافق مع تطلعات جيل اليوم الذي يميل إلى القراءة البصرية أكثر من قراءة النص المكتوب.
وإذا تناولنا الصورة في مجالها الإعلامي والإعلاني في وقتنا المعاصر، لوجدناها تشغل حيّزاً واسعاً في وسائل الإعلام المتنوعة كالصحف والمجلات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعية على اختلافها، فهي تبلغ ذروة بلاغتها وأعلى درجات تأثيرها في المتلقي، إذ إنها تعتمد على أبعاد اجتماعية وثقافية لديه مما يمهّد الطريق أمامها لتحقق استجابة سريعة.
هكذا يبدو خطاب الصورة، ولاسيما الإعلامي خطاباً فاعلاً مؤثراً، يستدعي الالتفات إلى بلاغة الصورة الرقمية وسحر المرئي مما نشاهده في وسائل الإعلام وعبر تكنولوجيا الاتصال، حيث توحي الصورة الرقمية بغزارة المعاني بأقل الأدوات، ليؤدي ذلك التصميم الاستعاري التفاعلي دوره المهم في الخطاب الإعلامي، ويحقق الهدف الذي ترنو إليه المؤسسات الإعلامية الرسمية، وهو غرس قيمها وترسيخها.
ونشير إلى أن الخطاب الإعلامي الرقمي يحتل اليوم مساحة واسعة من حياة الإنسان المعاصر بسبب سيطرة وسائل التواصل الإلكتروني، وهذا يتطلب مواكبة ذلك الخطاب بالبحث والدراسة والقراءة النقدية الجمالية في سماته البلاغية، ولا سيما الصورة الرقمية التي تعد أحد مكونات البلاغة الرقمية.