لم تتضافر التوصيات والتأكيدات نحو تعظيم أهمية شيء ما، مثلما حصل في مسألة استثمار الوقت وتنظيمه وترتيب مراحله، بما يُفضي في المحصلة النهائية إلى جني الثمرة ورص المكتسبات، حتى في السياق الديني وردت الآيات والأحاديث التي تحث على العناية بالوقت، لكيلا يحل الندم على ضياع الزمن.
أستحضر هذا وأنا أمام واقع أراقبه في محيط أسرتي وأقاربي، مثلما ألمسه في أحاديث الأصدقاء والزملاء، وفيما يُنشر ويُكتب. هذا الواقع يتلخص في عبارة (أجيال السرعة)، التي لا وقت لديها.
مظاهر كثيرة وسمات عديدة تصف حالة الجيل الجديد، الذي تفتقت أعين أصحابه على الشاشات الضوئية، فسلبتهم رؤية ما سواها، إلا أن أبرز سمات هذا الجيل فقدانهم الصبر جراء إدمان السرعة، كل ما يريدونه يصلهم بسرعة، يأكلون بسرعة، ويتواصلون بسرعة، وينتجون متطلبات دراستهم بسرعة عبر تطبيقات التقنية الحديثة. جيل مصاب بالسرعة، والسرعة تحمل الخطر بين طياتها، وإن بدا أنها اختصرت الوقت وقللت الجهد.
أتساءل: كيف سينجز هذا الجيل أعماله فيما لو اختفت التقنية؟! كيف ستكون حياته دون تطبيقات الخدمة السريعة؟! هذا التساؤل لا يعني أننا ضد التقنية أو ضد ما ينتجه عقل الإنسان بما يحقق يسر وسهولة ورفاهية حياته؛ وإنما نسعى إلى تقنين منتجات التقنية الرقمية وتنظيمها والحد من تغولها.
وعلى هذا جاء ملف (المجلة العربية) لهذا العدد، مناقشاً ثقافة الوقت المرتبطة بالضرورة بثقافة العمل والإنتاج، ومحاولة قراءة واقع الجيل الجديد بصورة مركزة، مع استحضار واقع هاتين الثقافتين لدى الأمم الأخرى.
والحق أن فلسفة الوقت تتجاوز حدود المُدرك والمحسوس إلى ما هو أبعد، من حيث نضح الفكرة، ومنح التأمل وقته الكافي؛ إذ لا يمكن أن تُنجز المشاريع الكبرى في ظل ومضة سرعة، لن يستقيم فيها معنى يمكن أن يُعوّل عليه، فأهلاً بكم ووقتاً ممتعاً مع ثقافة الوقت.