مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

الأوراق المتساقطة في مديح الكتابة والعقل البشري

تمضي الحياة، ويحاول الكاتب أن يعبُر هذا الزحام من الحروف والكلمات الجليلة. بهاءٌ يصعب على من لا يعرفه أن يقاومه، وسحرٌ يأخذك إلى عوالم لا تشبه سواها. إنها رحلة صعبة، فقد سبقك فيها السابقون، وتركوا خلفهم آثاراً لا تزال حاضرة في الذاكرة. وياله من تحدٍّ غريب: لديك الحروف المعدودة، والتي تبلغ ثمانية وعشرين حرفاً فقط، وعليك أن تصنع منها عالماً لا حدود له.
إنها الحروف ذاتها التي كانت في مخيلة امرئ القيس، وفتنت البحتري، وفجّرها المتنبي، وكثيرون مروا في عالم اللغة والبلاغة، فأشعلوا فيها النيران والحرائق، وأطلقوا من حروفها طيوراً لم تعرف الأقفاص. بقيت كلماتهم قصائد في فم الزمان، وبقيت آثارهم شاهدة على قدرة الإنسان على أن يمنح الأشياء حياة أخرى، وأن يحول الحروف المحدودة إلى معنى لا ينتهي.
وعندما يصنع من هذه الموارد المحدودة آلاف الكلمات والقصائد والعبارات الخالدة التي لا تشبه سواها؛ فهذا هو الدليل الأوضح على مقدرة العقل البشري الهائلة.
قوة الكاتب تكمن في كونه صدى نفسه وثقافته وبيئته، لا مستورداً عوالمه من أماكن أخرى خارج إطاره الثقافي والاجتماعي. فالكاتب الحقيقي لا يكرر العالم، وإنما يعيد اكتشافه بطريقته، ويرى الأشياء القديمة بعين جديدة، فيمنحها اسماً آخر وصوتاً آخر وذاكرة أخرى.
في الكتابة يبحث الإنسان عن صوته، فإذا وجده وجد الطريق، ولم تعد تلك الجسور تخيفه، ولا تلك القلاع تمنعه من ولوج قصور اللغة ومغاني الإبداع. إنها رحلة عقل وروح قبل أن تكون رحلة قلم وورقة وكتاب. رحلة طويلة، تتساقط فيها الأوراق، لكن بعضها يبقى، لأن فيه شيئاً من صاحبه، شيئاً من روحه، وشيئاً من الزمن الذي عبره.
يقاس إبداع الأديب بمقدرته على تفجير اللغة وإضافة الكثير إلى قاموسها، حتى تصبح كلماته نافذة على إطلالة جديدة في عالم اللغة. لقد ترك شكسبير في اللغة الإنجليزية أثراً هائلاً، وأضاف إليها من تعبيراته وصوره ما تجاوز عصره، ثم جاء صمويل جونسون ليجمع جانباً واسعاً من ثراء تلك اللغة في معجمه الشهير، فيمنح الكلمات سياقها وتعريفاتها وشواهدها. وهكذا لا يكتفي العقل البشري باستخدام اللغة، بل يوسعها ويعيد تشكيلها ويحفظ أثرها، جيلاً بعد جيل.
إنها اللغة التي اعتدناها، لكنها تكاد تكون واحدة من أهم اختراعات العقل البشري. أن نفهم بعضنا بعضاً بواسطة هذه الرموز، وأن نحول الأصوات إلى معانٍ، والمعاني إلى كلمات، والكلمات إلى ذاكرة مشتركة، كما يكتشف نعوم تشومسكي في دراساته للغة والعقل.
وربما لهذا تبدو الكتابة في جوهرها أكثر من مجرد ترتيب للكلمات، إنها محاولة الإنسان لأن يفهم نفسه والعالم، وأن يترك، وسط الأوراق المتساقطة، ورقة واحدة لا تسقط، بل تبقى في الذاكرة، دليلاً على مقدرة عقل الإنسان، وخلود الكاتب.
الأوراق المتساقطة في مديح الكتابة والعقل البشري

ذو صلة