ليس كل ما يختزنه الإنسان من ماضيه محفوظاً في الكتب؛ فثمة ذاكرة أخرى تسير مع الناس وتنتقل من جيل إلى جيل في حياتهم اليومية، وتبرز صورة الزي الشعبي ليكون أكثر صور هذه الذاكرة حضوراً، إذ ظل شاهداً على مكانة الإنسان وبيئته عبر القرون، مبرزاً خصوصية المجتمع الذي نشأ فيه. وحين نتأمل تفاصيل الأزياء الشعبية في عالمنا العربي نجد خريطة واسعة من الألوان والأشكال والتطريزات، كما أن التنوع يشمل الخامات، فما بين الصحراء والجبال اختلاف ترك أثره في لباس الإنسان، كما أسهمت التجارة والهجرات والتواصل بين الشعوب في انتقال الأقمشة والزخارف وأساليب الحياكة؛ لتتشكل منظومة غنية من الأزياء التي تحمل في تفاصيلها آثار الجغرافيا والتاريخ والعادات.
من هنا يأتي ملف (المجلة العربية) ليقترب من عالم الأزياء الشعبية العربية، ويتأمل جمالها ودلالاتها، فالرداء الشعبي لم يكن مجرد استجابة للحاجة إلى اللباس، بل أصبح لغة لها مفرداتها ودلالاتها، فكل ما يحمله اللباس من لون أو زخرفة أو خامة أو طريقة ارتداء يشير إلى بيئة بعينها أو مناسبة أو مكانة اجتماعية، مما يعزز كونه وثيقة ثقافية تقرأ من خلالها جوانب من حياة الناس وذاكرتهم.
ومع تغير أنماط الحياة وانتشار الأزياء الحديثة انتقل الكثير من الأزياء الشعبية من استخدامها اليومي إلى اقتصارها على المناسبات والاحتفالات، وهذا لا يعني نهاية حقبة الزي الشعبي بل انتقاله إلى مرحلة جديدة يكون معها مصدراً للإلهام والتجديد. وهنا يبرز سؤال: كيف نحافظ على الموروث دون أن نجمده، وكيف نطوره دون أن نُفقِده أصالته؟
وفي المملكة العربية السعودية تتسع هذه الصورة وتتعدد أبعادها؛ فالتنوع الجغرافي لمناطقها أوجد ثراءً كبيراً في أزيائها التقليدية، وجعل لكل منطقة ملامحها الخاصة؛ فجاء تأسيس (هيئة الأزياء)، تحت مظلة وزارة الثقافة عام 2020، ليشكل خطوة رائدة في حفظ تراث الأزياء السعودية، وتعزيز حضوره بوصفه ركناً من أركان الثقافة والهوية الوطنية. ويكمن دور الهيئة في وضع الخطط للمحافظة على الأصول الثقافية لقطاع الأزياء وتفعيلها وإدارتها وصيانتها، إلى جانب جمع البيانات والمعلومات المتعلقة بالقطاع وتوثيقها وحفظها وأرشفتها، مستفيدة من تنوع العادات والتقاليد والأزياء بين مناطق المملكة. وبذلك تؤدي الهيئة دوراً مهماً في صون ذاكرة الأزياء السعودية وإبقاء هذا الموروث حياً وقابلاً للتجدد والاستلهام في التصميم المعاصر.
ويتكامل هذا الدور مع مبادرة وزارة الثقافة بإطلاق (جائزة الأزياء) ضمن (الجوائز الثقافية الوطنية)، التي تحتفي بالأزياء بوصفها مجالاً من مجالات الإبداع الثقافي، وتدعم المبدعين والمصممين، وتعزز الصلة بين التراث والتصميم المعاصر، بما يسهم في ترسيخ حضور الأزياء السعودية محلياً وعالمياً، والحفاظ على أصالتها مع فتح آفاق التجديد والابتكار.