مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

نظمي لوقا.. درس بليغ في أدب التسامح

كان أول تعرفي إلى الدكتور نظمي لوقا (1920 – 1987م) من خلال كتابه الرائد والممتع (محمد في حياته الخاصة)، ولشد ما كان انبهاري بأسلوبه الأدبي الرائق اليسير، وبمعلوماته الغزيرة الدقيقة، وبسماحته الدينية التي لا يعلوها سقف ولا تحدها حدود، كونه مسيحياً يكتب عن الإسلام وعن نبي الإسلام.
والأديب الدكتور نظمي لوقا الذي ولد في محافظة البحيرة بمصر، وحفظ القرآن الكريم مبكراً، ونال الشهادة الثانوية من الإسكندرية، ثم درس الفلسفة بجامعة القاهرة، له باع طويل مع الكتابات الدينية، لا سيما التي تتعلق بالإسلام ورجاله وتاريخه، والتي بدأها بكتابه المهم (محمد.. الرسالة والرسول) الصادر عن دار الكتب الحديثة في العام 1959م. وقد قدم لوقا من خلاله درساً بليغاً وشافياً لكل المتعصبين في مبادئ التسامح الديني والإنساني، حيث وجدناه يؤكد على أن ثمة بواعث كثيرة في صباه كانت دوماً تقرب بينه وبين رسالة النبي محمد، ولم يكن هو يستطيع أن يتنكر لهذا الحب الفطري المنزه عن الأهواء والميول، هذا الحب الذي لم يكن بينه وبين الحق ستر أو حجاب.
ولقد تتابعت كتب نظمي لوقا في الإسلاميات، فكتب (أبو بكر حواري محمد)، و(عمرو بن العاص)، و(أنا والإسلام)، و(الألوهية ومحاكمة العقل)، و(وامحمداه).. ولكنه -في الوقت نفسه- لم يتخل قط عما درسه وتخصص فيه أكاديمياً وهو دراسة الفلسفة ومباحثها، لذا فقد ألف عدة كتب مهمة في هذا المجال تعد مرجعاً لا غنى عنه لكل الباحثين المتخصصين، نذكر منها: (الحقيقة عند فلاسفة المسلمين)، و(نحو مفهوم إسلامي)، و(فرويد يحدثك عن الجنس).. هذا فضلاً عن الكتب الفلسفية المترجمة مثل: (عالمنا المجنون) لبرتراند رسل، و(العقل والمعايير) لأندريه لالند.
ولا تقل ترجمات نظمي لوقا عذوبة وروعة عن كتبه الدينية والفلسفية، فلقد تعرفت إلى رائعة جوته (آلام فرتر) من خلال ترجمته الرصينة السلسة الشاعرية. واستمتعت بالرواية القصيرة الفاتنة (الليالي البيضاء) لكاتب روسيا العظيم دستويفسكي، كما كان انبهاري كبيراً بترجمته لرواية الكاتب الفرنسي أندريه جيد (سيمفونية الرعاة). ولا أنسى أبداً ترجمته للكتاب الخطير (الأدب الأمريكي) لويجر. وقد استمتعنا جميعاً معه عبر أثير إذاعة البرنامج الثقافي عندما قدم ترجمات درامية لعدد من أهم وأجمل نصوص المسرح العالمي.
ومن المفاجآت التي قد لا يعرفها الكثيرون، أن نظمي لوقا كان سبّاقاً في كتابة شعر التفعيلة، لذا فهو يعد بحق أحد رواد هذا الفن الحديث وإن لم يطرح اسمه من قبل التاريخ الأدبي، حيث كتب القصيدة الحديثة قبل نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور، وقد جاءت قصائده الأولى، وبخاصة في ديوانيه (أشباح المقبرة) عام 1939 و(كنت وحدي) عام 1940 معتمدة على الشكل القصصي والدرامي ومتجاوزة -بشكل كبير- نمطية القصيدة التقليدية، بل إن الأكثر مفاجأة تلك الإشارات الأولى لقصيدة النثر التي لمسناها في بعض قصائده التي نشرها في مجلة الثقافة فترة الستينات، وإن كان قد اختلس بعض الوقت من الشعر كي يذهب إلى السرد ليقدم روايتيه (الابنة الحائرة) و(عذراء كفر الشيخ).. وإننا لنعزو ذلك الأمر إلى ثقافته الفرنسية الواسعة واطلاعه على الآداب الأوروبية، فقد كانت عاملاً مهماً في اكتشافه لهذا اللون من الشعر الحداثي.
ولقد أدرك لوقا -ومنذ وعيه الباكر- أن الأديان جميعاً تصب في مصب واحد وتنطوي تحت قيمة إنسانية واحدة، لذا فقد لخص آراءه الفلسفية والإنسانية في قوله: «إن كنت قد أنصفت الإسلام في مؤلفاتي، فليس معنى ذلك أني تخليت عن مسيحيتي، بل جاء هذا من منطلق الإخلاص للمسيحية والتمسك بجوهرها وأخلاقها».
ونجد أن كاتبنا كما قدم كتاباً عن نبي الإسلام، فقد قدم أيضا كتاباً عن النبي عيسى سماه (على مائدة المسيح) عدّد فيه نقاط التسامح التي يتسم بها السيد المسيح والتي تتطابق تمام التطابق مع رسالة النبي محمد، ومع مبادئ الإسلام ككل. ثم حاول بعدها أن يعمق هذا المفهوم الإنساني فقدم لنا كتابه البديع (التقاء المسيحية والإسلام) أشار فيه إلى أن المسيحية هي دين القلب الإنساني، وذلك لأن دعوتها لم تقتصر على التوحيد فحسب، وإنما جعلت المعشوق الأعلى والأسمى الذي يتجه إلى قلب كل إنسان هو الله عز وجل، بينما كان الإسلام هو دين العقل والقلب على السواء، لذا فهو يتجه بمبادئه وأفكاره إلى الناس جميعاً من دون تحيز أو تعصب أو لون.
وعلى هذا الأساس، فإن درس التسامح الذي رسخه نظمي لوقا وأوقف عليه كل حياته ومعظم كتاباته لم يضع سدى، فرغم أصوات التعصب والظلامية التي انبرت له محاولة أن تقتل مشروعه التنويري وتعطل مسيرته الإنسانية الشّفافة، ظهر جيل آخر من المثقفين المستنيرين ممن آمنوا بفكر نظمي لوقا، فاتخذوه خطاً يسيرون عليه، ثم سرعان ما تحول هذا الخط إلى تيار لا نزال نحتاجه حتى هذه اللحظة في إحكام وتقويم علاقتنا مع الآخر المختلف معنا في كل شيء.
ولأن نظمي لوقا كان يتمتع بالصفة الأهم التي من المفترض أن يتمتع بها أي كاتب أو مفكر، وهي صفة الصدق في القول والفعل، فقد عاش حياته مرتاح الضمير.. صافي النفس.. هادئ البال.. واثق الخطى. لم يشغله مدح الناس أو ذمهم، أو تسلط الأضواء عليه أو إعراضها عنه.. كان همه الأول والأهم هو فتح ثغرة في الجدار الصلب كي يمر النور للأجيال اللاحقة.. لقد كان بحق راهباً في محراب الكلمة والفكر والإنسانية.
الكتاب: تلال الزعتر
المؤلف: أحمد خميس
الناشر: مرفأ للثقافة والنشر، بيروت، 2026.
عمل أدبي يستند إلى منعطفات حاسمة من تاريخنا العربي الحديث، ليناقش من خلالها تباين العلاقات الإنسانية باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية التي تنشأ فيها.
تتحرك الرواية في فضاء زمني يمتد منذ ثلاثينات القرن الماضي مع تبلور الملامح الأولى للقومية العربية واتخاذها شكلاً حزبيّاً ومؤسساتيّاً، مروراً بحوادث ومجازر مفصلية تركت ندوباً عميقة في الذاكرة الجمعية، من مأساة (تل الزعتر) إلى أحداث مدينة حماة، وصولاً إلى واقع الجولان السوري المحتل، ومحاولات ترويض الوجدان هناك.
وفي موازاة ذلك، تعيد الرواية مساءلة مواقف بعض التيارات كالمتصوفة، الذين حاولوا إيهام الكثيرين بوقوفهم على الحياد، في وقت كان للواقع فيه رأي آخر.
الكتاب: أوهام المترجمين.. الأخطاء الشائعة في عالم الترجمة
المؤلف: حسين تقي سنبلي
الناشر: دار قناديل للنشر والتوزيع، بغداد، 2026.
تكاثرتِ الأخطاءُ اللُّغوية في الأعوام الأخيرة تكاثراً صار الباحث معه لا يحتاج إلى طويل عناءٍ لاستحضارها. وحين يتولى أمرَ الترجمة من ليس أهلاً لها، فإنّها تجرُّ في أذيالها آثاراً سلبيَّةً وأخطاءً شائعة. فمترجمو القصص -وبعضها من الروائع العالميّة- صاروا يحملون لواءَ إشاعة الأخطاء وإفساد سلائق الناس. وهذا كتابٌ يركِّز على الأخطاء الشائعة التي تتداولها ألسنةُ المترجمين وأقلامهم، يذكر فيها المؤلِّف الصحيحَ بعد أن يثبت الخطأ، مع بيان ذلك.

ذو صلة