هناك في تاريخ الموسيقى قفزات لا تُحصى، تعتمدُ رمية القدر للنرد على العبقرية المختارة. ولأنها موسيقية فكأن وثبتها إلى أسفل، إلى العمق. هذا ما أشعره في كل حين أُصغي فيه إلى السيمفونية الثالثة لبيتهوفن.
كان الروسي تشايكوفسكي لا يميل إلى بيتهوفن بفعل الروع الذي يثيره في نفسه. كان لا يحب أن يرتاع من إله على ذُرى القمم، على حد تعبيره. كان يحب موتسارت، فهو ملاذ آمن. أحد النقاد المعاصرين هاجم بيتهوفن لأنه انتزع الاستسلام إلى الجمال، الذي تمتعت به الموسيقى (الكلاسيكية) على يد رائديها: هايدن وموتسارت. تشكى الناقد من أن بيتهوفن أقحمها في بحران المآزق الروحية للذات الفردية. جمال التوازن والانسجام لم يعد قائماً على يد هذا الموسيقي الحرون، الذي لا تهدأ موجته على شاطئ.
كل هذا بدأ مع السيمفونية الثالثة التي عزفها بيتهوفن عام 1805. ثمة فيلم كرّس لحكاية بيتهوفن مع هذه السيمفونية أنتجته البي بي سي للمخرج سايمون سيلان جونز 2003، تحت عنوان (اليوم الذي غيّر الموسيقى إلى الأبد)، ومتوفر في اليوتيوب. العبارة وردت على لسان هايدن، حين سمع عزف بيتهوفن ذلك العام.
في 1802 لم يكن الموسيقي الذي لم تهدأ في روحه التعارضات يوماً، وهو على حافة الصمم، وتناوب الأمراض، وفقدان الرضا عن الواقع، على قناعة بأعماله. أراد تحليقاً جديداً، وهو يتأمل بإعجاب ما أحدثته الثورة الفرنسية التي تعِدُ البشرية بالعدل والإخاء والمساواة، مجسدة في شخص فتاها (نابليون).
وضع عمله وسط هذه الأهواء، وأهداه إلى نابليون. وحين أعلن نابليون نفسه إمبراطوراً، وسقط من علياء مُثله إلى حضيض السلطة، ارتاع بيتهوفن وشطب الإهداء بغضب، وأبدله بعبارة (السيمفونية البطولية، احتفاء بذكرى رجل عظيم). لقد أرجع البطولة الرخيصة للسعي للسيادة إلى بطولة السعي للمُثُل. لقد علّق بيتهوفن أمله على مِشجب فوقع. وانسحب، مدعوماً بالصمم الذي أطبق على أذنه، إلى داخله انسحاب الحلزون. لقد كان في صغره موتسارت عصره، وفي الكِبرِ شيكسبيره. ولم يُطمّعه ذلك بالشهرة، والملاذ الأرضية، وصفوة المجتمع الارستقراطي. كان بالأحرى لا يُحسن ذلك حتى لو رغب، بفعل طبع خشن، سريع إلى الغضب، عصيٍّ على الرضا. وبفعل ذلك لم يحقق حباً سوياً لامرأة، على الرغم من توفرهن، ورغم حاجته المُلحة لذلك. لقد خدم البشرية ولكنه لم يفهم البشر.
بيتهوفن (أنجز للفنانين حق إعادة ابتكار أنفسهم)، على حدّ تعبير رولان بارت. وكانت السيمفونية الثالثة شاهد هذا الإنجاز. كانت جسراً بين مرحلتين، وفاتحة للمرحلة (الرومانتيكية). لم تعد مقطوعة في أمسية ترفيهية، بل مسعى فنياً بالغ الجدية. وعلى المستمع لكي يمتص رحيقها أن يبذل جهداً في درسها وتأملها.
في (الثالثة) لم يغير بيتهوفن من بناء السيمفونية (الكلاسيكية). أبقى على الحركات الأربع: متسارعة، بطيئة، حركة راقصة ثم أخيرة متسارعة. هذا ما كان يفعله هايدن وموتسارت. ولكنه، بحكم احتكاكه الكلي إلى (الضرورة الداخلية)، لا إلى العرف الفني المحافظ خارجها، ضاعف من امتداد السيمفونية الزمني. كانت لا تتجاوز الخمسة والعشرين دقيقة، فجعلها تتجاوز الخمسين دقيقة وأكثر. كانت كاللوحة الكلاسيكية، تعتبر التوازن سرَّ الجمال. ولكن بيتهوفن تجاوز ذلك إلى ما يُمليه عليه الداخل. وداخله درامي، متعارض، ملتبس ومحتدم. ولك أن تتصور الاستجابة الإيقاعية، اللحنية والهارمونية كيف ستكون.
توقظك في مطلع الحركة الأولى المتسارعة Allegro نغمتان حادتان، وعبر (بناء السوناتا) الصارم: (لحن ثم لحن مختلف، ثم تداخل بينهما يصعّد من دراما السياق الموسيقي، ثم التوصل إلى حل)، تتدفق الحركة وكأنها تجسد مُجاهَدةً، ثم إصراراً، ثم انتصاراً مُحتّماً. في الحركة الثانية البطيئة جداً Adagio نُصغي إلى مسيرة جنائزية حزينة لوداع بطل. وفي الثالثة المُداعِبة scherzo نرى بيتهوفن يكسر حدةَ التوتر التي ألمت بنا في الحركتين السابقتين. في الحركة الرابعة المتسارعة يدخل علينا اللحن بمزاج بطولي. شلال من التدفق على الوتريات، يعتمد لحناً يمكن ترديده على اللسان، يتصاعد بهمة من يريد أن يأخذ بيديك إلى الأعالي، حيث الإشراق المجيد.
إذا لم يكن بين يديك هذا العمل، فما أيسر أن تذهب إلى مأدبة You Tube المجانية، وتنتخب عزفاً من بين عشرات العروض، وتصغي! المهم أن تلاحق السيمفونية بالثواني، لا بالدقائق. وتتوقف حيث تشاء من أجل أن تستعيد حركة لحن، أو آلة موسيقية، أو لحظة تحول في المزاج البيتهوفني القُلّب.