مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

حين يهاجر المفهوم الجندر بين النشأة الغربية والسياق العربي

شهد العالم العربي في العقود الأخيرة انفتاحاً متسارعاً على مفاهيم فكرية واجتماعية متعددة، من بينها مفهوم (النوع الاجتماعي) أو (الجندر)، والذي حظي باهتمام متزايد في الخطاب التنموي والنسوي والأكاديمي، وقد دخل هذا المفهوم إلى الثقافة العربية محمولاً على موجات العولمة المعرفية والمؤسسات الدولية، لكنه لم يلقَ استقبالاً موحداً، بل أثار تباينات واسعة في الفهم والموقف بين من رحّب به باعتباره أداة لفهم علاقات القوة والتمييز بين الجنسين، وبين من رفضه بوصفه أيديولوجيا دخيلة على المنظومة القيمية والدينية العربية.
وفي الأصل، نشأ مفهوم الجندر في الغرب للتمييز بين (الجنس) بوصفه واقعاً بيولوجياً، و(النوع الاجتماعي) كنتاج اجتماعي وثقافي يُشكّل الأدوار والتوقعات والسلوكيات بناءً على الانتماء الجنسي وقد ساهمت الحركات النسوية في الغرب لا سيما الأخيرة في تطوير هذا المفهوم وتوظيفه في نقد البنى الذكورية القائمة وفتح نقاشات حول الهوية والمعايير المفروضة اجتماعياً على كل من الرجال والنساء، لكن هذا المفهوم حين انتقل إلى العالم العربي، اصطدم بسياقات ثقافية ودينية مختلفة جذرياً عن تلك التي نشأ فيها.
وقد كان أول حضور فعلي للجندر في العالم العربي من خلال برامج التنمية التي أطلقتها منظمات دولية، حيث تم إدراجه ضمن سياسات (تمكين المرأة) و(تحقيق المساواة الجندرية)، ومع الوقت تسلل المفهوم إلى بعض المراكز الأكاديمية وإلى أدبيات علم الاجتماع والدراسات النسوية، لكن هذا الحضور لم يكن دائماً محل اتفاق بل ظهرت أربعة توجهات رئيسية في التعامل معه: التوجه الأول هو التوجه الليبرالي التنموي، الذي يتبنى الجندر كمفهوم وأداة تحليلية لفهم الفجوات الاجتماعية بين الجنسين ويرتكز هذا التيار على مبادئ المساواة وحقوق الإنسان، ويسعى إلى إدماج النساء في مختلف مجالات الحياة العامة من خلال إصلاح السياسات والقوانين، مستنداً في كثير من الأحيان إلى خطاب المؤسسات الدولية.
أما التوجه الثاني، فهو التوجه المحافظ أو الإسلامي الذي يتحفظ على المفهوم الغربي للجندر باعتباره لا يراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمعات العربية وهذا التيار يميز بين المساواة والتماثل، ويرى أن العدالة بين الجنسين يجب أن تتم في إطار من التكامل بين الأدوار مع الحفاظ على الفروقات الفطرية والوظيفية بين الذكر والأنثى ومن هذا المنطلق يرفض هذا التيار بعض التطبيقات المتطرفة لمفهوم الجندر التي تهدف إلى إلغاء الفروق البيولوجية أو اعتبارها مجرد بناء اجتماعي، وبين هذين الاتجاهين يظهر التوجه النسوي الراديكالي العربي الذي يتبنى موقفاً نقدياً حاداً من البنى الذكورية، ويطالب بتفكيك الأدوار الاجتماعية المفروضة وإعادة تأويل التراث الديني والثقافي من منظور نسوي تحرري، هذا التيار تأثر إلى حد كبير بنظريات ما بعد الحداثة والتقاطع بين الجندر والطبقة والعرق، وهو يركز على تحرير مفهوم الجندر ذاته من الثنائيات التقليدية معتبراً أن الهوية الجندرية متغيرة وقابلة لإعادة التشكيل.
أما التوجه الرابع، فهو التوجه الأكاديمي البحثي الذي يتعامل مع الجندر بوصفه مفهوماً تحليلياً يمكن توظيفه في دراسة الأدب واللغة، التعليم والتاريخ، الأنثروبولوجيا دون التورط في الانحيازات السياسية أو الأيديولوجية يهتم هذا التوجه بكيفية إنتاج الهوية الجندرية في الخطاب والمؤسسات والأنظمة الرمزية، ويهدف إلى توسيع آفاق الفهم الاجتماعي والثقافي.
ورغم تعدد هذه التوجهات، فإن الجدل حول مفهوم الجندر لا يزال قائماً ويتجدد مع كل محاولة لإدخاله في السياسات العامة أو المناهج التعليمية أو الخطابات الإعلامية، ويُعزى هذا الجدل إلى شعور عام لدى شرائح من المجتمع بأن هناك محاولات لفرض قيم غريبة تحت مسمى التنمية أو التقدم.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة طرح مفهوم النوع الاجتماعي بطريقة أكثر اتزاناً، تراعي الخصوصيات الثقافية والدينية، وتستفيد في الوقت نفسه من الأدوات التحليلية التي يوفرها. إن إنتاج فهم عربي أصيل للجندر (النوع الاجتماعي) لا يعني الانغلاق أو الرفض التام كما لا يعني القبول التام والتبعية الفكرية، بل يتطلب قراءة نقدية مزدوجة من قراءة للتراث الثقافي والاجتماعي من جهة، وقراءة للمفاهيم الحديثة ومآلاتها من جهة أخرى، وبهذا يمكن تأسيس مقاربة عربية للجندر تتسم بالتوازن، وتعزز العدالة الاجتماعية دون التفريط في الثوابت أو الانجرار وراء نماذج مفروضة خارجياً، وسيغلق الباب على الظهور الشاذ لبعض النماذج التي تظهر بين فترة وأخرى ضد كل القيم الدينية أو الاجتماعية أو مظاهر مجتمعية ، إن العالم العربي بما يملكه من تنوع ثقافي وديني وفكري، قادر على تطوير رؤية خاصة به لمفهوم الجندر، رؤية تتجاوز الثنائية السطحية بين الرفض المطلق والقبول غير النقدي، وتسهم في إثراء النقاش العالمي حول العدالة الجندرية والهوية والإنصاف.

ذو صلة