مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

تحويل البيت الغدامسي إلى متحف افتراضي

تُمثّل المتاحف الخاصة القائمة على الدعم الأهلي والاهتمام الفردي المباشر أحد أبرز الروافد الثقافية صوناً للهوية والتراث الشعبي بعيداً عن التدخلات الحكومية. وفي هذه المقالة لن نتحدث عن المتاحف الليبية الخاصة التي هي بحاجة إلى تقنيات حديثة لحمايتها وتأدية دورها عبر الفضاء الرقمي، بحيث تكون متاحة للجميع، بل سوف نقدم تصوراً عن كيفية تحويل المتاحف الخاصة إلى متاحف افتراضية في ظل عالم الرقمنة، واستخدام الوسائل الحديثة للحفظ والعرض بطرق تفاعلية، ومثالنا على ذلك البيت الغدامسي.
والواقع أن لمدينة غدامس الليبية خصوصية تاريخية وحضارية بموقعها المميز وشهرتها بأنها مدينة لانطلاق القوافل، ومن ثم فقد أصبحت غدامس مثالاً رائعاً لممارسات الإنسان التقليدية في استخدام الأراضي، والتفاعل الإنساني مع البيئة، بما تميز به موقعها وتراثها المعماري المحلي المتوارث عبر أجيال. وهنا تبرز تجربة أهالي مدينة غدامس التاريخية كنموذج فريد ومتقدم للسياحة الثقافية، حيث هُجرت المدينة القديمة طواعية منذ عام 1982، وتحولت إلى مزار سياحي أو متحف مفتوح بأسوارها ومزارعها وأزقتها وساحاتها ومساجدها وبيوتها، وكلها تعكس تركيبة اجتماعية متجانسة أدت إلى المحافظة عليها والحرص على ترميمها وبقائها ومقاومتها للزمن بواسطة سكانها (الغدامسيين)، لذا صارت إحدى مدن التراث العالمي في قائمة اليونسكو منذ نوفمبر 1986.
وعندما فُتحت السياحة في ليبيا أصبحت قبلة للسياح، لكن بعدها المكاني وموقعها في جنوب غرب ليبيا في منطقة صحراوية، وصعوبة الوصول إليها أحياناً، يجعل تحويل بيوتها إلى متاحف رقمية عملاً ضرورياً للغاية. وسوف نركز على البيوت الطينية/الحجرية العتيقة المكونة من ثلاثة طوابق، حيث الدور العلوي أوسع من السفلي لأنه يمتد فوق أزقة الشارع، بينما تمثل الأسطح المتصلة فضاءً حراً للتواصل الاجتماعي النسائي. وما تزال تلك البيوت في ملكية أصحابها الأصليين، وبجهودهم تحولت إلى فضاءات مأهولة تحفظ الذاكرة والتاريخ في تلك المدينة من الاندثار بما عرضه من مقتنيات مميزة ووثائق تعبر عن حياة السكان، إضافة إلى عمارتها وما تحويه من تميز يعكس بعض العادات الاجتماعية والحالة الاقتصادية لملاكها.
يتميز البيت الغدامسي التقليدي بغرفة التمانحت أو صالة المعيشة بالطابق الثاني، والتي تشكل متحفاً عائلياً قائماً بذاته بما يحويه من زخارف وتفاصيل تعكس حياة الغدامسيين على مدى قرون. تمثلت في جدران بيضاء مزدحمة بالمرايا النحاسية الدائرية لتعكس الإضاءة وتوحي بالاتساع، بجانب الصحون المعدنية اللامعة التي تعد مؤشراً على الحالة المادية للأسرة. كما تتزين بالأطباق السعفية الغدامسية الملونة المزينة بالصوف، والمراوح ذات الزخارف النباتية، والحصائر الهندسية، إضافة إلى الكوات والأرفف المحاطة بإطارات جبسية بارزة تُستخدم لحفظ الأواني الفخارية والنحاسية. وتتولى المرأة الغدامسية المسؤولية الكاملة عن التصميم الداخلي والديكور في هذا الفن الزخرفي المعروف محلياً باسم أكلف، حيث يسيطر اللون الأحمر على الجدران مع تداخلات للأصفر والأخضر والأزرق تعبيراً عن الهروب من رتابة ألوان رمال الصحراء، وتُستمد هذه الألوان من الطبيعة كمسحوق صخر الزنجفور كمادة صبغية أساسية تُذاب في مادة لاصقة وصفار البيض وتُنفذ بفرش يدوية، كما تُزين الغرفة بالصناعات الجلدية ذات اللون البني المحمر والأزياء التقليدية المصنعة من الجلد الغدامسي التي تعكس الهوية الثقافية للمدينة.
ومما تقدّم، فإن البيت الغدامسي بكل عناصره المعمارية والتراثية، بات جديراً بأن يُنقل إلى العالم عبر تحويله إلى متاحف رقمية خاصة وافتراضية ذكية، وفقاً لرؤية استشرافية تأخذ بالاعتبار آليات الرقمنة وشراكات التعليم والسياحة. وتكتسب هذه الخطوة إلحاحاً شديداً مع تسارع عجلة التحول الرقمي العالمي، وفي ظل ما تواجه المتاحف الأهلية والمنزلية من تحديات الاستدامة، ومخاطر التلف الفيزيائي بفعل الرطوبة وعوامل الزمن.
ولتحقيق هذا الفضاء الافتراضي، يتوجب تطويع جملة من التقنيات الرائدة، وفي مقدمتها تقنية المسح الليزري والتصوير الفوتوغرامتري، التي تتيح بناء نسخة رقمية ثلاثية الأبعاد للبيت وحجراته، وتوثق عناصره الزخرفية بدقة، مما يسمح للزائر بالولوج والتحرك داخل دهاليزه عبر نظارات الواقع الافتراضي (VR)، ويتكامل ذلك مع وظائف الواقع المعزز (AR) ورموز الاستجابة السريعة (QR Code) عبر تطبيقات الهواتف، إذ يكفي أن يوجه الزائر شاشته نحو أي قطعة تراثية لتظهر له فوراً بطاقة ذكية متعددة اللغات تروي قصة القطعة، مدعومة بمواد بصرية وصوتية تضمن أعلى درجات التفاعلية والجاذبية. إن هذا التحول يفرض بالضرورة توثيق التراث الثقافي بشقيه المادي وغير المادي، وهو لن يتأتى إلا بتبني الأرشفة الإلكترونية الذكية التي تحمي الذاكرة والتاريخ الاجتماعي واليومي لعائلات غدامس، ويعيد إحياء المكان رقمياً بكامل أبعاده الإنسانية.
وتحتاج المتاحف الافتراضية إلى الاستدامة عبر الشراكات الذكية، وأن تتحول المتاحف الخاصة من مبادرات فردية إلى مؤسسات مستدامة رقمياً عبر ربطها أكاديمياً بالجامعات لتصبح مراجع علمية ومختبرات بحثية، وربطها سياحياً بإدراجها ضمن الخرائط السياحية العالمية لجذب الدعم والترويج الدولي، وربطها اقتصادياً بتفعيل الدفع الإلكتروني لشراء التذاكر وتسويق الحرف اليدوية لتوفير تمويل ذاتي يدعم ترميم البيوت واقعياً. وهذا يجعل التراث الغدامسي عابراً للقارات ومتاحاً للعالم بلمسة زر واحدة.

ذو صلة