مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

متحف البراءة في إسطنبول الذاكرة الفردية بوصفها مشروعاً

يُعد متحف البراءة في مدينة إسطنبول الذي أنشأه الأديب التركي أورهان باموق الحاصل على جائزة نوبل للأدب لعام 2006، بعد عقود طويلة من الجمع الشغوف والمتنوع للمقتنيات، ومحاولة استكشاف ما تختزنه الأشياء من حكايات وذكريات.
محاولة غير تقليدية لتوظيف روايته الشهيرة (متحف البراء)، بوصفها نقطة انطلاق لاستكشاف مدينة إسطنبول كما عرفها الكاتب في سنوات شبابه.
فبعد الانتهاء من الرواية يمكن لقارئ الرواية ختم التذكرة المطبوعة في الرواية لدى شباك التذاكر في المتحف واستبدالها ببطاقة دخول لزيارة المتحف، وقد صممت هذه التذكرة لتكون جزءاً من التجربة الفنية والأدبية التي أرادها باموق، حيث تتجاوز الرواية حدود النص المكتوب لتتصل بالمتحف الواقعي الذي أنشأه في إسطنبول، وهكذا فعند تقديم التذكرة الموجودة في نهاية الرواية إلى موظف المتحف وختمها، يحصل القارئ على فرصة لدخول المتحف مما يخلق رابطاً مباشراً بين عالم الرواية المتخيل والمكان الحقيقي الذي يجسد أحداثها وشخصياتها ومقتنياتها.
تحكى الرواية قصة حب بين (كمال) الابن المتعلم البالغ من العمر 30 عاماً لعائلة (بصمجي) الثرية العاملة في مجال النسيج، و(فُسون) المساعدة الجميلة البالغة من العمر 18 عاماً من عائلة (كسكين) الفقيرة.
عند نشر الرواية سرعان ما لاقت رواجاً واسعاً وشهرة كبيرة حتى إن حقوق الترجمة الخاصة بها بيعت قبل نشرها، وأدرجت ضمن أفضل الكتب عام 2009 لصحيفة نيويورك تايمز.
ذكر باموق أنه بدأ يجمع مقتنيات المتحف الأولية قبل كتابة الرواية، وأنه كتب الرواية وهو يتأمل هذه المقتنيات.
في علاقة كمال وفُسون الشخصيتين الرئيستين في متحف البراءة؛ يجمع كمال مقتنيات، مثل: حذاء فُسون الأصفر، وأحد أقراطها بعد رحيلها.
يتكون المتحف من ثلاثة وثمانين صندوق عرض، يمثل كل واحد منها فصلاً من الفصول الثلاثة والثمانين التي تتألف منها رواية متحف البراءة.
تُعرض في تلك الصناديق مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأشياء المرتبطة بالرواية وبالأحداث والشخصيات التي تظهر فيها، فهناك مقتنيات استخدمها أبطال الرواية أو تركوها خلفهم، وتحولت إلى شواهد مادية على حياتهم وذكرياتهم.
وتشمل المعروضات عدداً كبيراً من الأدوات والأشياء اليومية، بدءاً من أعقاب السجائر والأقراط، وصولاً إلى مختلف المقتنيات والمواد التي ورد ذكرها في الرواية أو ارتبطت بعالمها.
يحكي باموق عن فلسفته في اقتناء محتويات المتحف قائلاً:
«العالم يعج بالأشياء التي يمكن أن توضع في روايتي ومتحفي، ولكن انفعالي لم يكن انفعال جامع مجموعة أو جامع أشياء يريد عمل سلسلة؛ بل انفعال فنان روائي يريد أن يجعل من هذا الشيء جزءاً من رواية ومتحف».
يستقبل المتحف زواره بعرض مؤثر يضم 423 عقب سيجارة دخنتها بطلة الرواية فُسون، فقد قام كمال أو بالأحرى أورهان باموق بالاحتفاظ بكل عقب سيجارة كانت تدخنه فُسون، ورتبها على الجدار وفق تواريخها مع تدوين المشاعر والانطباعات التي كان يحملها كل يوم على حدة.
وفى أرجاء المتحف تأتي المعروضات داخل صناديق وخزائن نظمت بعناية، استخدمها أبطال الرواية أو ارتدوها أو سمعوها أو شاهدوها أو جمعوها أو حتى تخيلوها.
وقد جمعت هذه الأشياء وعُرضت بعناية لتجسيد أجواء الحكاية وإضفاء طابعاً ملموساً على الشخصيات والأحداث التي كانت في الأصل جزءاً من عالم روائي متخيل.
وهكذا يجد الزائر نفسه أمام عالم الرواية وقد تجسد مادياً في صورة مقتنيات وأشياء ملموسة.
وباختصار يعرض أورهان باموق في المتحف الذي يحمل الاسم نفسه لروايته (متحف البراءة) مجموعة كبيرة من الأشياء والمقتنيات التي جمعها واحتفظ بها على مدار حياته.
وقد صُمم المتحف بحيث تُعرض فيه الأشياء والصور والرموز الواردة في الرواية في محاولة لخلق أجواء تتوافق مع عالمها السردي وتمنح الزائر إحساساً بأنه يعيش داخل أحداثها.
وفى الوقت نفسه لا ينظر إلى المتحف بوصفه متحفاً روائياً أو تخيلياً فحسب، بل ينظر إليه أيضاً باعتباره متحفاً مصغراً يوثق جوانب من الحياة اليومية في إسطنبول خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فالمعروضات لا تعكس فقط قصة كمال وفُسون بل تقدم كذلك صورة عن العادات الاجتماعية والثقافة المادية وأنماط المعيشة والذوق العام في تلك الفترة.
ويبدو أن الفكرة الأساسية التي قامت عليها تجربة المتحف هي السعي إلى تمكين المتاحف من رواية قصص الأفراد العاديين، بالثراء والعمق والقوة نفسها التي تروي بها الروايات الأدبية حكايات شخصياتها. فبدلاً من التركيز على الأحداث الكبرى والشخصيات التاريخية الشهيرة، أراد باموق أن يبرهن على أن حياة إنسان واحد وذكرياته ومشاعره ومقتنياته اليومية يمكن أن تكون موضوعاً لمتحف كامل، تماماً كم يمكن أن تكون موضوعاً لرواية عظيمة.
مع مرور الوقت تحول مشروع المتحف بأكمله إلى تأمل عميق في الذاكرة والحب والزمن، وإلى محاولة نادرة للإمساك باللحظات الهاربة قبل أن تبتلعها الأيام.
هنا لا تعرض الأشياء بوصفها مقتنيات بل بوصفها أوعية للذكريات تحفظ ما يتساقط من العمر وتمنح الماضي فرصة أخرى للبقاء.
حنين الصايغ:
لا أكتب رواية واحدة بل أقدم أنماطاً
مختلفة من النساء

ذو صلة