مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

صون وتثمين التراث غير المادي التجربة المتحفية المغربية

يقارب هذا المقال الصلات المتشكلة بين التراث الثقافي غير المادي والسيرورات المرتبطة بإنشاء المتاحف ومأسستها في المغرب، بالتركيز على ثلاثة مداخل مفاهيميّة أساسية هي: الصون والتثمين من جهة، والتحويل من جهة ثانية.
ويتكرّس هذا المنظور في دراسة التراث الثقافي غير المادي ضمن الانتقال من النظر إلى التعبيرات الثقافيّة بوصفها مُنتجات صامتة أو أشياء جامدة إلى فهمها كسيرورة تتشكل داخلها هذه الممارسات الحيّة، كما عبّرت عن ذلك ببراعة شيارا بورتولوتا (Chiara Bortolota).
تجربة المتاحف العمومية بالمغرب
لا يتجاوز عدد المتاحف العمومية والخاصة في المغرب 80 متحفاً في المجمل. (المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 2021: 25)، تتمركز هذه المتاحف في المدن الكبرى. وبينما تدير المؤسسة الوطنية للمتاحف 21 متحفاً؛ هناك متاحف أخرى، تابعة إما لمؤسسات خاصّة أو عائلات بعينها، وأخرى يملكها أفراد. ويبلغ عددها حوالي 66 متحفاً وفق إحصاء سنة 2017. (مجلة الإحصائيات الثقافية، 2013 - 2015، عدد 2,2017).
تم إحداث المؤسسة الوطنية للمتاحف بصفة قانونية سنة 2011. وهي مُؤسسة رسمية متخصصة في إدارة المتاحف العموميّة وتدبيرها على المستوى المركزي. ويكشف الدليل الرسمي للمؤسسة، منطقاً تصنيفيّاً يرتكز على عنصرين أساسيين هما: طبيعة المعروضات المتحفيّة، وما يرتبط بها من وظائف فنيّة وتراثية. ثانيّاً: التركيز على الطابع التخصصي: (أثري، تاريخي، إثنوغرافي...).
التراث غير المادّي في المتاحف.. الصون والتثمين والتحويل
ساهم التعريف الذي وضعته منظمة اليونيسكو في سنة 2003 في إدماج التراث الثقافي غير المادي في صلب تعريف التّراث. حيث تشتمل العناصر غير الماديّة، على الممارسات والتصوّرات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات -وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافيّة- التي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحياناً الأفراد؛ جزءاً من تراثها الثقافي. (اليونيسكو، اتفاقية حماية التراث غير المادي، المادة:2,2003). ومع ذلك، يبقى هذا التعريف محدوداً في تقديمه لعناصر الثقافة والتراث غير المادي. (Giguère، 2006 : 107)
يتجلى ذلك في الطابع العلائقي بين المنتجات الماديّة والمعارف والممارسات المرتبطة بها في كثير من الأحيان. وفي المغرب، يكتسي هذا المنظور المفاهيمي أهمية بالغة؛ إذ إن عناصر التّراث ليست مُرتبطة، فقط بالآثار المكتوبة، وليست منفصلة عن التعبيرات الشفوية على مستوى التمثلات والممارسات في كثير من الأحيان. وثانياً، حيث، يرتبط عدد من المجالات المصنفة ضمن التراث غير المادي، مثل الأداءات الفنيّة الحركيّة المرتبطة بالفنون الفرجويّة: (الموسيقى، الرقص، الغناء، الألعاب التراثيّة والاستعراضية، الحلْقة...)، أو أشكال التعبير الشفوي: (الحكايات المأثورة، الأمثال، الأشعار والحِكم...)، والمهارات والمعارف المتصلة بالحرف التقليدية؛ في كثير من الأحيان بالمنتجات المادّية، وبتقاليد شفويّة مُترسخة في الممارسات الاجتماعيّة والطقوس ونقل المعارف وتلقينها عبر الأجيال.
وعلى هذا النحو، وفي قلب العمليات المرتبطة بالتحويل؛ يتيح المتحف مختبراً إثنوغرافيا لإعادة تشكيل العلاقة بين العناصر المادية وغير الماديّة في فهم التراث. ذلك أن اللقى والأشياء الأثريّة والمنتجات المادية المعروضة في المتاحف، تتضمن بدورها عناصر مُتأصّلة (مرتبطة بالمعاني التي منحها لها مُنتجوها) مرتبطة بتعبيرات غير ماديّة. فعدد من اللقى المتحفية، ليست عُنصراً تمثيلياً جوهريّاً للتراث، إلا لكونها، (من بين عناصر أخرى ذات أهمية)؛ ترتبط بشبكة من المعارف الشفويّة والتلقينيّة المنقولة. ووفق هذا المعنى، ترتبط المنتجات الماديّة التي تُقدم وفق الرؤى التُراثية الجامدة، بوصفها موجودات (صامتة) بإشكاليّة نقلها عن هويتها الأصلية الحيّة والمركبة، ليس بفعل الامتدادات الحضاريّة والتاريخية وحسب، ولكن بواسطة تمركز جزء من الآثار الماديّة حول المعاني الاجتماعية والرمزية التي تمنحها معاني مختلفة.
ولكي نوضّح هذه الصلة يكفي أن نعرض ثلاثة أمثلة مقتضبة. إذ إن تحوّل التعبيرات الثقافيّة إلى تراث متحفي ينقلها إلى الاستخدام الجامد والمختزل ويغير من وظائفها ومعانيها الأوليّة. (Skounti، 2010) تظهر، على سبيل المثال، الأبواب الخشبية المعروضة في متحف دار سي سعيد في مراكش، بوصفها معماراً ماديّاً خالصاً، بينما لا يمكن أن يختزل الباب في الوظيفة المعمارية والفنية (القيمة الجماليّة، الحماية، الزخرفة، المواد المستخدمة، التقنيات والمعارف الموظفة)؛ ولكن في كون ارتباط هذا المعمار المحلّي، في عدد من المناطق مثل الأطلس وواحات الجنوب الشرفي؛ بعدد من المعاني الاجتماعية والرمزية (الأهميّة الرمزية للعتبة، علاقة الأشكال الهندسيّة والأشكال بالحفظ من العيْن والحسد في التمثلات المحليّة (انظر Skounti، 2011). لذلك، يعزل العرض المتحفي التقليدي، المنتجات الثقافيّة الحيّة، ليس عن التمثيلات المحليّة وحسب، لكن يُبقيها ممثلة في عناصر جامدة.
أما المثال الثاني، فيرتبط بالقطع الفنيّة الخزفية والفخارية المعروضة في المتحف الوطني للخزف بمدينة آسفي. يتوفّر المتحف على رصيد وافر من اللقى والقطع الخزفية متعددة الأشكال والزخارف. وتحيل مؤشرات العرض المرتبطة بهذه التّحف، إلى تاريخ هذه الصناعة والأبعاد الجمالية والتراثيّة المرتبطة بها (يشير الدليل مثلاً إلى اللقى الأثرية المستخرجة من مواقع أثريّة)، وإلى جزء من هويتها غير الماديّة (بالإشارة إلى الذاكرة الحرفيّة التي تنسب إلى المعلّم بوجمْعة العمّالي إرث تأسيس نواة إشعاعيّة رياديّة للحرفة بالمنطقة، ولكن، تغيب بصورة صريحة بعض العناصر التمثيلية المتصلة بالمعارف والمهارات (لأن المصنوعات الخزفيّة هي جزء من تراث حِرفي ومهاري مرتبط بتقاليد مشتركة بين فئة الحرفيين)، والممارسات (سواء المرتبطة بعالم الحرفيين أو بالاستخدام الوظيفي للخزف في الحياة اليوميّة)، أو المعاني المتصلة بها (ترتبط مثلاً بالتصنيف الاجتماعي للأفراد والمجموعات، وعلامةً للانتماء الهوياتي لمجموعة حرفية...)، والتعبيرات الثقافيّة المرتبطة باستمرار تداوله (لأن جزءاً أساسياً من تلقين المعارف وطرق نقلها مرتبط بتقاليد شفويّة، وبطقوس مُصاحبة للمارسات الحرفية).
أما المثال الثالث فيظهر بحالة إثنوغرافيّة وشفويّة بالغة الدلالة. إذ ساهم تكريس ساحة جامعْ لفْنا بمراكش ضمن كنوز التراث الشفوي غير المادّي للإنسانيّة سنة 2001 من قبل اليونيسكو؛ بمسار اعتباريّ لوضع التراث الثقافي المغربي ضمن الخريطة الثقافية العالميّة. وقد تعزّز هذا المسار مع تأسيس متحف جامع الفْنا للتراث غير المادي بمراكش في البناية السابقة لبنك المغرب في نفس الساحة المذكورة، في فبراير 2023 بشراكة بين المؤسسة الوطنية للمتاحف ومنظمة الإيسيسكو. وقد تم تقديمه باعتباره أول متحف مخصص للتراث الثقافي غير المادي في المغرب.
يمثّل المتحف حالة إثنوغرافية متعددة الدلالات. إذ تظهر السّاحة كفضاء ثقافي كثيف، بوصفها أولاً: مكاناً إثنوغرافيّاً للأداءات الفرجويّة الشفوية (الحلْقة، الحكي الأدائي، الموسيقى المؤداة، الألعاب الاستعراضيّة، عروض التداوي الشعبي وترويض الأفاعي، العرافة وقراءة الطّالع...) وثانياً: مركزاً اجتماعياً تمثيلياً لتدفّق الحياة اليوميّة الحضريّة، تندمج فيه السّاحة (فضاء ثقافي، ومكان للتعبير الشفوي وغير المادي) في قلب الحياة اليوميّة للسّوق والأمكنة التاريخيّة العتيقة والمقدّسة.
وبعبارة أخرى، تمثل السّاحة ضمن هذه الديناميّة مسرحاً حضريّاً حيّاً. يتجلّى هذا الطابع الدرامي في: أولاً: الفسيفساء الصوتيّة المنبعثة من فضاءات الساحة. وثانياً: في التفاعلات اليومية بين المؤدين والجمهور، وثالثاً: في قدرة الفاعلين، بمن فيهم الزّوار والمؤدّون، على تحويل الساحة إلى مسرح لعبيّ مفتوح. (انظر: بشأن جامع لفْنا Schmitt 2017).
غير أن المفارقة التي تنطوي عليها مغامرة تحويل هذه التعبيرات الشفوية الحيّة، بوصفها مُقاومة للتغيير ومنخرطة في تحولاته قسْراً؛ تثير عدداً من المشكلات المُرتبطة بالإمساك بدينامية التعبير الشفوي عبر تثبيت هذه الأشكال التعبيريّة، بواسطة الصّور الماديّة للسّاحة، والوثائق التأريخيّة، والأعمال الفنيّة المستوحاة من الساحة، والتسجيلات المرئيّة للعروض، وأزياء المؤدّين والحكواتيين في أزمنة مُحددة.
وعلى هذا النحو، يعكس هذا التحول نحو المتحف، التوتّرات بين حفظ الذاكرة الشفويّة وعناصرها الماديّة، وبين التمثيل الكلّي للأداءات التي تمثلها الأشكال التعبيريّة، وبين السّاحة بوصفها دراما اجتماعيّة وحضريّة حيّة؛ وبين المتحف بكونه واجهة مؤسسيّة للسياسات التراثية.
يطرح معنى التّحويل أهميّة خاصّة في هذا المقال: حيث تميل الرؤى المتحفيّة إلى النزعة التشيئيّة. حيث تساءلنا عن التوترات الناتجة عن إمكانيّة تحويل أشكال التعبير الشفوي والممارسات والمعارف الحيّة إلى الحفظ والصّون في الملفّات الأرشيفيّة والتسجيلات المرئيّة دون إضفاء طابع الجمود عليها. ونرى، أنه بواسطة، عمليّات الصون والتثمين، (وليس الحفظ وفق المنظور التراثي التقليدي) يمكن نزْع طابع التشيؤ على التعبيرات الثقافية التي تتملكها الجماعات، بما يعني توفير الإطار المؤسسي، لضمان استدامة الممارسات والمعارف الحيّة وإعادة نقلها وتداولها بين الأجيال، بينما يوفر الإطار المفاهيمي المرتبط بالتثمين، بالحفاظ على الموقع الاعتباري الذي يشغله التراث الثقافي غير المادي وكيفيّة جعله مُتاحاً، مرئياً ومُتداولاً لدى العموم.

ذو صلة