إن قراءة تاريخ وتطور المجموعات والمتاحف الخاصة بمعزل عن سياق تطور المجتمعات الحاضنة لها اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، هي قراءة مخلة وغير مكتملة. ومن أجل فهم ودعم التجربة العربية الناشئة في هذا المجال، علينا أن نقرأ ونفهم أبعاد هذا التاريخ وسردياته، لا بهدف استنساخها، بل للوصول إلى تجربة أكثر نضجاً وعمقاً في خدمة ثقافتنا ومجتمعاتنا.
إن نشأة فكرة الاقتناء، بصورتها الحديثة، لم تكن تحمل في طياتها ذلك القدر من الوعي الأخلاقي بجمع كل ما هو قيم ومؤثر وذو دلالة تاريخية أو مجتمعية. بل إن كثيراً من المجموعات المتحفية الشهيرة التي نعرفها اليوم تشكلت في سياقات استعمارية ارتبطت باكتشاف الشعوب الأخرى والسيطرة عليها واستغلال ثرواتها المادية والثقافية. وقد جرى ذلك في وقت لم تكن فيه القوانين والمعاهدات الدولية المعنية بحماية التراث قد تبلورت بعد، كما لم يكن الوعي العام بقيمة هذا الإرث وضرورة الحفاظ عليه قد ترسخ لدى المجتمعات التي فقدت أجزاء منه.
لقد نشأت معظم المجموعات المتحفية الأوروبية الكبرى من مجموعات خاصة امتلكها أثرياء ونبلاء خلال عصور الاستعمار وما سبقها. فقد أصيب هؤلاء بولع استكشاف الشرق والشرق الأقصى، وجمع كل ما بدا لهم غريباً أو نادراً أو مختلفاً عما ألفوه في ثقافاتهم. فتنافسوا فيما بينهم، ومن خلال وكلائهم وشبكاتهم، في الجمع والتنقيب والكشف ونقل ما يقع تحت أيديهم من مقتنيات وآثار وتحف إلى قصورهم ومجموعاتهم الخاصة.
ولم تكن عملية الجمع آنذاك تهدف إلى حفظ المعرفة أو صون الذاكرة، بقدر ما كانت تعبيراً عن الرغبة في التملك والاستئثار والمباهاة بما يُقتنى من نفائس وكنوز. ولم تكن الأنظمة الرسمية والاستعمارية بعيدة عن هذا السياق، بل شاركت فيه بصورة أكثر عنفاً، من خلال اقتلاع أجزاء من مواقع تاريخية وأثرية، أو نقل معالم كاملة من مواضعها الأصلية إلى متاحف وعواصم أخرى.
غير أن التاريخ يعلمنا أن كثيراً من الظواهر التي تنشأ بصورة حادة أو إشكالية لا تبقى أسيرة ظروف نشأتها الأولى. فمع تطور المجتمعات الأوروبية، نشأ اهتمام معرفي متزايد بما تم جمعه من مقتنيات، وظهرت أجيال من الباحثين والمؤرخين والمتخصصين الذين أسسوا مناهج علمية لدراستها وتوثيقها وفهمها. وعلى امتداد عقود طويلة، تحولت تلك المجموعات من مجرد كنوز مكدسة في خزائن خاصة إلى مقتنيات ذات قيمة معرفية وثقافية تتجاوز قيمتها المادية، وأسهمت في إعادة تعريف مفهوم القطعة المتحفية والمتحف ذاته.
وتزامن هذا التطور المعرفي مع تطور اجتماعي وسياسي أوسع، منح المواطنين حقوقاً وحريات متزايدة، لم يكن الحق في المعرفة والوصول إلى الثقافة بمنأى عنها. وهكذا تحولت مجموعات خاصة كانت حكراً على أفراد محدودين إلى مجموعات متاحة للعامة، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية ومن الملكية الثقافية المشتركة للمجتمع.
إذا كان ذلك هو السياق التاريخي الذي تطورت في إطاره المجموعات والمتاحف الخاصة في أوروبا خلال القرون الماضية، فإن التجربة العربية المعاصرة تبدو أكثر حظاً في كثير من جوانبها. فهي تنشأ في سياق ثقافي أكثر وعياً بأهمية التوثيق والحفظ، وتسعى في جوهرها إلى جمع وصون ما يرتبط بتاريخ مجتمعاتنا وهويتها وتحولاتها، وكل ما يستحق أن يُنقل إلى الأجيال القادمة. كما أن كثيراً من هذه المبادرات انطلق من شعور بالمسؤولية تجاه ذاكرة الوطن، ثقافته وعاداته التي أخذت تتوارى مع تسارع التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة. ولا يعني ذلك غياب متعة الاقتناء أو شغف الجمع، بل إن هذه المتعة تظل جزءاً أصيلاً من التجربة، لكنها تقترن اليوم برغبة في الفهم والدراسة والتحقيق والتوثيق. غير أن نضج هذه التجربة يظل رهناً باستكمال أضلاع مثلثها الأساسي: الجمع والحفظ والدراسة، ثم الإتاحة. فالإتاحة ليست مجرد خطوة تالية للاقتناء، بل هي في جوهرها الفعل الأكثر أخلاقية في هذه العملية كلها، إذ تسمو فيها منفعة المجتمع على نشوة التملك الفردية، ويتحول المقتنى من ملكية خاصة إلى قيمة عامة، ولو ظل من الناحية القانونية مملوكاً لفرد أو جهة بعينها.
ويبقى أن نشير إلى أن التجربة المعاصرة، مثلها مثل غيرها من التجارب الإنسانية، لا تخلو من تحدياتها الخاصة. ولعل أكثر ما يثير التساؤل في هذا السياق هو تأثير منطق السوق والاقتصاد الرأسمالي على عالم جمع المقتنيات، ولا سيما الفنية منها. فحين يُختزل العمل الفني في قيمته السوقية، ويصبح موضوعاً للاستثمار والمضاربة، تتراجع أحياناً قيمته الثقافية والمعرفية لصالح قيمته المالية. وهو مسار قد يتعارض مع الفلسفة الأعمق للاقتناء بوصفه فعلاً يهدف إلى الحفظ والفهم ونقل المعرفة. ومع ذلك، فإن التجربة كفيلة بفرز مساراتها وتصحيح اختلالاتها بمرور الزمن، ولعل المستقبل يحمل لنا نموذجاً عربياً أكثر نضجاً وتوازناً في فهم العلاقة بين الملكية الخاصة والمنفعة العامة، وبين شغف الاقتناء وواجب الإتاحة.