بداية، لعله من البديهي قول إن هواية اقتناء الأشياء القيمة وحفظها في مكان يليق بها تليد (يعزى إقامة أول متحف في التاريخ لعام 350 ق.م، في مدينة (أور) البابلية على يد الأميرة إينيغالدي-نانا ابنة الملك نبونيد). والمعروف أن كلمة (ميوزيوم) المنتشرة عالمياً اليوم، يونانية الأصل وتعني مكاناً مخصصاً لإلهات الأساطير اليونانية. ويعتبر ما بين العصر السادس عشر والسابع عشر الميلادي بداية التعامل مع الكلمة بمفهوم يومنا. ويرجع الفضل في ذلك إلى طبقات ارستقراطية وحاكمة ونبيلة اعتنت بجمع وحفظ المقتنيات. وعربياً كما هو معروف تعني كلمة (متحف) المشتقة من الفعل (أتحف)، مكان حفظ أو عرض التحف أو المقتنيات. ويحمد للطبقات المذكورة آنفاً دورها في قيام المتاحف العامة عبر التبرعات والهبات. ففي بريطانيا مثلاً شكلت مقتنيات السير هانس سلويين (سميت عليه محطة أنفاق وغيرها في لندن وخارجها) نواة قيام (المتحف البريطاني) الذي فتحت أبوابه للجمهور عام 1759م. وهو أول متحف يغطي تاريخ العالم وحضاراته وفيه ما يفوق 8 ملايين قطعة أثرية.
وبالإضافة لفترة التأسيس الحديثة (بين العصر السادس عشر والسابع عشر الميلادي)، برز في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين في الولايات المتحدة دور أصحاب الحرف والمهن الأثرياء، حيث بدأ عرض المقتنيات الخاصة للعامة. ويعتبر (متحف إزبيلا ستيورات قاردنر، بوسطن) و(ذا فريك كوليكشن، نيويورك) من أهم معالمها. أما في القرن العشرين فقد ظهر المهتمون بالفن الحديث، مثل: قريترود إستين، ألبرت بارنيس وبيقي ققينهيم. وفي القرن الحالي حدث الانتشار العالمي الواسع إذ تقول (قائمة لآري) المتخصصة في سوق الفن والمقتنيات إن: «72٪ من دور المعارض الخاصة القائمة الآن بنيت بعد عام 2000م، والمدهش، أن العشرة التي تصدرت القائمة أنشئت بعد التاريخ المذكور». ومن أبرزها: (سام لونق بوروس- برلين) و(متحف براندهورست- ميونخ)، (متحف كريستال بريدجس للفن الأمريكي- بتونفيلا)، (ميسو سومية- مكسيكو سيتي)، (مقتنيات إنهوتم- روما دينيو)، و(متحف زيفنق للفن- نانجنق). وتمثل هذه المتاحف، على التوالي: ألمانيا، الولايات المتحدة، المكسيك، البرازيل والصين.
أما في الدول العربية فتشير الإحصاءات إلى أكثر من 1000 متحف، تأتي الكويت والسعودية في صدارتها. ويعتبر (متحف الشيخ فيصل بن قاسم الثاني) في قطر من الأكبر عالمياً (أقيم عام 1998م، ويضم نحو 30,000 قطعة نادرة تشمل المخطوطات، الفن الإسلامي، السيارات القديمة وغيرها). وفي السعودية يبرز (متحف المدينة المنورة) الذي يوثق تاريخ وتراث المدينة ويعرض السيرة النبوية ونفائس من التراث الإسلامي. وكذلك (متحف الطيبات) لمؤسسه عبدالرؤوف حسن خليل عام 1987م والذي يضم نحو 20,000 قطعة نادرة. ومن بين المتاحف الأخرى (متحف بيت الزبير) في عُمان وهو يحتوي على وثائق، أزياء شعبية، أسلحة تقليدية وغيرها.
مستقبل المتاحف
من غرائب الصدف، نجد أن موضوع الرقمنة تناولته ديل إيجي مؤسسة (إيجي للاستشارات الفنية)، في لندن والمتخصصة في تقديم استشارات وإقامة معارض وبيع تحف وأعمال فنية لفنانين مستشرقين وعرب لسفارات دول وأسر حاكمة بجانب أرستقراطيين في الدول العربية في مقدمة حوار عن رقمنة (متحف فكتوريا وألبرت). وكان ذلك مع الدكتور ألن بورق، مدير المتحف تقول إيجي (مجلة العالم الإسلامي- لندن، 1997م): «تخيل أنك طالب في جدة، كوالالمبور أو الخرطوم، ليس لديك متحف محلي به مجموعة كبيرة من الفنون الإسلامية، بداهة سوف تكون قادراً على الدخول الي متحف فكتوريا وألبرت، عبر شبكة الإنترنت الواسعة وتطلب أي شيء من فخاريات إزنيك إلي سجاد فارس... هذه سوف تكون طريقة عظيمة لتقديم الفنون الإسلامية». محتوى مقدمة هذه الخبيرة والعارفة بثقافة المنطقة العربية والتراث الإسلامي ليس قاصراً على المتحف المذكور ولا المتاحف والمؤسسات العامة، بل يشمل المتاحف الخاصة ومثيلاتها. وبالرغم من الفوائد الجمة التي ترجى من الرقمنة لزيارة المتاحف والاستفادة منها سواء كانت مجانية أو بثمن، يبقى لزيارة المتاحف ورؤية ما فيها عن قرب بعده وأثره.
دور الشراكات
للشراكات مساهمات معتبرة في تسيير وتطوير برامج المتاحف بما في ذلك الثقافية والسياحية، وهي تسعي في ذلك لتحقيق انتشار واسع. في هذا الصدد يذكر موقع (ميوزيوم نكست) الرقمي، شراكة بين (متحف اللوفر) الفرنسي الشهير وموقع (إير بي إن بي) للتسويق الرقمي الخاص بخدمات السفر والسياحة، كمثال لهذه الشراكات. وبالعودة لما ورد عن رقمنة متحف (فكتوريا وألبرت)، نجد أن المتحف يثمن دورها ويشجعه لتحقيق أهدافه وتطوير برامجه. وينشر المتحف عبر موقعه الرقمي: (الشراكات ضرورية لمتحف فكتوريا وألبرت، نحن نمنح فرص ثرة ومتنوعة مصممة خصيصاً وبشكل استثنائي، بما ذلك الشراكات المتعددة رفيعة المستوى، رعاية معارضنا ذات الدرجة الأولى عالمياً، وعضوية شراكة سنوية). ختاماً، يمكن القول إن هذا النوع من الشراكات سيفتح آفاقاً واسعة في عصر الذكاء الاصطناعي الماثل وسوف تكون لمتاحف السعودية عامة جاذبيتها بحكم مكانتها عربياً، وإسلامياً وعالمياً. وبخاصة أن الثقافة والسياحة في صميم (رؤية 2030).