مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

متحف آرمات عمان سؤال الاستدامة في تجربتي الخاصة

أؤمن تماماً أن المتاحف الخاصة، القائمة على دعم ملاكها بصفة شخصية، تمثل اليوم أحد أبرز أشكال الحراك الثقافي الفردي في العالم العربي، حيث يصير الشغف بجمع المقتنيات فضاءً يحفظ الذاكرة ويروي تفاصيل الحياة القديمة... وتكتسب تجربتي أهميتها من قدرتها على صون تراث الخط العربي واللوحات الإعلانية بعيداً عن البيروقراطية، لتصبح شاهداً على التحولات الاجتماعية والثقافية التي عاشتها المجتمعات عبر العقود الماضيات! كما أنني أؤدي دوراً متزايداً في تعزيز الوعي وربط الأجيال بتاريخها البصري، ومن هنا برز (متحف آرمات عمان) كنموذج يختزل آمال هذا الحراك وهواجسه، ويسلط الضوء على آليات الانتقال بهذه التجربة من الأطر الفردية إلى آفاق الاستدامة الجماعية... وتكمن ميزة فضائي المستقل في مرونته العالية وقدرته على تجاوز الجمود التقليدي، مما يجعلني قادراً على محاكاة الوجدان الشعبي بيسر، وتقديم رواية تاريخية بديلة وموازية للروايات الرسمية الجافة.
في قاع المدينة، حيث تتنفس عمان التاريخ من مسام أدراجها القديمة، ينبثق فردوسي البصري الذي يتجاوز حدود الأزمنة؛ إنه (متحف آرمات عمان)، ذاكرتي المعلقة على جدران المستقبل، والنافذة الشاعرية التي نطل منها على ماضينا؛ يوم كانت الحروف تغزل باليد والعرق، واللوحات التجارية قصائد حب ترسم بالدهان والخشب! قريباً من ساحة فيصل، يقف الزائر مذهولاً أمام سحر التفاصيل، حيث جعلت اللوحات الإعلانية القديمة كائنات تنبض بالحياة، وتروي قصص باعة وأطباء ومثقفين مشوا فوق هذه الأرض وتركوا بصماتهم... هذا المعلم ولد من رحم شغف صوفي عميق؛ ولقد نشأت وفي عيني عشق جارف للخط العربي وصون الذاكرة البصرية للمدينة... ويعبر هذا الشغف عن رغبتي العارمة في مقاومة التشويه الذي يطال وجه العاصمة المعماري، ومحاولتي استعادة الأناقة الكلاسيكية التي ميزت شوارعها القديمة.
تتجلى المعضلة الأولى التي تواجه حراكي في تحديات التمويل والصيانة؛ فالعمل الفني واللوجستي الجبار يعتمد كلياً على تمويلي الشخصي وجهدي الذاتي المستمر، وهو ما يفرض علي أعباءً مالية تتزايد مع الوقت... فاللوحات المصنوعة من معدن النحاس والحديد والبلاستيك تحتاج إلى عمليات ترميم دقيقة ومستمرة لحمايتها من التلف والصدأ والطقس المتغير، وهي تقنيات مكلفة تتطلب مواد خاصة وخبرات نادرة تكاد تنقرض! ويتشابك هذا التحدي مع ضعف الدعم المؤسسي؛ إذ يظل متحفي بحاجة إلى تكامل أكبر مع الخطط الرسمية، بهدف إدراجه ضمن المسارات السياحية الوطنية، وتجاوز التعاطي الإعلامي الموسمي نحو رؤية تنظر إليه كبنية تحتية ثقافية أساسية. إن غياب هذه الشراكات الإستراتيجية الحقيقية يهدد مكاني بالتوقف القسري رغم قيمته الوطنية.
علاوة على ذلك، تبرز قضايا التوثيق والتصنيف كأحد التعقيدات الفنية داخل هذا الفضاء؛ فالمكان يضم مئات اللوحات التي تؤرخ لعقود الخمسينات والستينات والسبعينات، وتوثيقي لتاريخ كل لافتة وجهتها والخطاط الذي خطها؛ أمثال الكبار: طبال، وكيال، والسادات، وسبانخ، وفضل، وغيرهم... يتطلب جهداً أكاديمياً يفتقر إلى الكوادر المتخصصة، مما يجعل التصنيف معتمداً على اجتهادي الشخصي كمؤسس. كما أن ضيق المساحة يقيد قدرتي على تحقيق عرض متحفي متكامل يخضع للمعايير العلمية من حيث توزيع الإضاءة، والمسار البصري الانسيابي، والبطاقات التعريفية الشارحة لكل لوحة لها زمنها الخاص الذي أوصلها لتصبح وثيقة بصرية لا تقدر بثمن! هذا النقص اللوجستي يعيق إبرازي للبعد الأنثروبولوجي لكل قطعة، ويحرم الباحثين من دراسة التحولات اللغوية والتسويقية التي طرأت على المجتمع.
أما الهاجس الأكبر الذي يهدد مسيرة هذه الفضاءات، فهو تحدي الاستمرارية وضمان صموده أمام التحولات الاقتصادية؛ فالمتحف بالنسبة لي ليس مجرد جدران تعرض مقتنيات، بل هو قطعة من قلبي وتجسيد لهويتي والولد البار لأحلامي التي ألوذ بها كلما ضاقت بي جدران العالم المادي! هذا الارتباط يطرح سؤالاً مصيرياً حول أهمية مأسسة هذه الثروة وتحويلها من نطاق مبادراتي الشخصية إلى مظلة مؤسسية مستدامة، مثل الأوقاف الثقافية أو المؤسسات الأهلية المدعومة بصناديق تنموية ثابتة. وبدون هذا التحول المؤسسي، سيبقى مصير هذه الكنوز البصرية معلقاً بظروفي الشخصية، وهو ما يعرض الهوية الجمعية لخطر الفقدان برحيل جيل الرواد والمؤسسين الأوائل.
إن متحف آرمات عمان هو أكثر من مجرد مساحة عرض؛ إنه قصيدة حب كتبتها بحروف من النور لمدينتي؛ فقد نبت عودي في أزقة (مخيم الوحدات)، فخرجت أحمل في روحي بسط اليد، وابتسامة دافئة أستقبل بها الرواد، وأنا الرجل الذي يمشي وفي جيبه مفتاح المدينة المفقود، غازلاً من عرق الصابرين ضوءاً، ومعلقاً قلبي آية من الشغف فوق جدران المحو والنسيان، مساهماً بترحابي في رفع سوية الذائقة للزائرين قبل المعروضات نفسها... لتبقى حروف المكان مضيئة وشاهدة على أن الجمال لا يموت، لكنني أضع المؤسسات والقطاع الخاص أمام مسؤولية تاريخية لإنقاذ هذا الإرث، والعمل على توفير بيئة تدعم تحويل المبادرات الفردية إلى مؤسسات وطنية مستدامة لتبقى حية في ذاكرة الأجيال، وصيانة هذا التاريخ الجمالي العريق من الضياع ليكون منارة تضيء دروب المستقبل لكل محبي الفنون والأصالة العمانية.

ذو صلة