مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

المتحف الخاص استئناف إبداع التحفة

يقتضي تناول مسألة المتاحف الخاصة، هذه الظاهرة التي باتت تتنامى في كثير من أصقاع العالَم، بما في ذلك البلاد العربية، تمريرها على محك الذاكرة بعد إعادة اختبار الصلة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية. فلا مراء في أن نقاطاً كثيرة تتقاسمها المتاحف العمومية، بوصفها تعبيراً عن ذاكرة قومية (جماعية) مع المتاحف الخاصة باعتبارها تعبيراً عن ذاكرة فردية، لكن في حين تعكس المتاحف العمومية رؤية المؤسسة التي تشرف عليها، وهي رؤية لا تقف عند حدود المحلي لكونها تدرج هذا الأخير ضمن تفصيل مؤسساتي وأكاديمي للتاريخ حيث كل حضارة أو كل حقبة تاريخية يكون لها متحف مختص، فإن المتحف الخاص يعكس في الجملة رؤية صاحبه حتى لكأنه إنشاء فني. وغالباً ما تكون هذه الرؤية توثيقية وجمالية في الوقت نفسه.
لكن لا يعني ذلك أن الجمَّاع بما هو فرد، ينشط ذاكرته ضد الذاكرة الجماعية، فعلى نحو ما بين عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس Maurice Halbwachs فإن ذكريات الأفراد لا تتكون أو تُحفظ بمعزل عن المجتمع، بل تتشكل داخل الأطر الاجتماعية التي ينتمي إليها الإنسان، مثل: الأسرة والطبقة والمجتمع والأمة. ومن ثم فإن الإنسان لا يتذكر وحده، فذكرياته تتشكل وتُعاد صياغتها باستمرار داخل الجماعات التي ينتمي إليها، ولذلك فإن الذاكرة الفردية مرتبطة دائماً بالذاكرة الجماعية للمجتمع. فالمتاحف الخاصة، كما المتاحف العمومية تحول الذاكرة إلى مؤسسة، ولنا أن نورد في هذا السياق ما يقوله المؤرخ الفرنسي بيير نورا: «تنشأ أماكن الذاكرة من الإحساس بأن الذاكرة العفوية لم تعد موجودة».
والمتاحف الخاصة متعددة الاتجاهات، فمنها ما يحتوي على آثار وأدوات من محيط محلي تسنى لصاحب المتحف، الجمَّاع، collector أن يحصلها على سبيل الهبة أو يقتنيها، ومنها آثار وأشياء متفرقة من أصقاع مختلفة من العالَم جمعها صاحبها طيلة مسيرته وأسفاره حول العالَم، فيكون المتحف عندئذ بمثابة السيرة الذاتية، ومنها أعمال لفنان بعينه رأى صاحبها أو ورثته حفظها في متحف خاص به، ومنها متاحف شديدة التخصص كأن تكون وقفا على نباتات بعينها أو على حيوانات معينة.
يبدو المتحف الخاص كاتالوجاً أكثر منه خزانات للحفظ، ففضلاً عن كونه يتضمن آثاراً فنية، فإنه يتضمن أيضاً أغراضاً أخرى لم يكن يُنظر إليها في زمن إنتاجها على أنها آثار فنية. فهذه الأغراض تتوزع إلى أدوات كانت في أحقاب سابقة من مفردات الحياة اليومية في مجالات الطبخ، أو الزينة، أو الصيد، أو لعب الأطفال... لكن كفت منذ أمد عن الاضطلاع بوظائفها التي كانت قد نُذرت لها. وما أن دخلت إلى المتحف حتى اكتست قيمة الأثر الفني، فأضحت (تحفاً). يُضاف إلى ذلك أن صاحب المتحف وحافظ محتوياته كثيراً ما يُدرج أغراضه الشخصية الحميمة ضمن معروضات المتحف ليس فقط لصلته الحميمة النوستالجية بها -وفي هذا هو يشترك مع الفنانين التشكيليين الذي يتمثَلُ بعضهم متعلقاتِه الشخصيةَ رسماً أو تصويراً فيحولها إلى مفردات فنية، فالذي يبعث متحفاً خاصاً لا يُحصَر فقط في صفة (هاوي جمع الأعمال الفنية)- وإنما هو فنان من طراز آخر، ولذلك فإن المتحف الخاص يغدو بمثابة المرجع الذي يحدد (علامة) التحفة الفنية. والواقع أن هاوي الجمع هو نفسه ذو ثقافة متحفية على نحو ما يقول أورهان باموق «البيت الحقيقي لهواة الجمع هو متحفهم الخاص»، وأمارة ذلك أنه لا يجمع تحفه في مخزن وإنما في فضاء معماري متميز، سواء أكان دارة قديمة مشيدة بحسب مواصفات العمارة العربية الإسلامية التقليدية أو كان من نمط حديث بحسب المواصفات التقنية العلمية للتهوية وللإضاءة. وبعبارة أخرى، فإن المتحف الخاص هو ضرب من كاتالوج، ولكنه ليس كتالوجاً مطبوعاً على الورق وإنما هو مصمم في المكان.
والدافع إلى بعث المتحف الخاص يحصل عندما تكف مجموعة الآثار والتحف التي في حوزة الشخص عن أن تكون شأناً فردياً، فتنتقل إلى المجال العام حيث يتحول شغف الجمَّاع الفرد إلى وسيط لحفظ الذاكرة الجماعية وإتاحتها للجمهور. ربما يكون أحد مغانم ذلك هو أن المتحف الخاص يتميز بمرونة أكبر من المؤسسات العمومية، الأمر الذي يمكنه من المحافظة على الأعمال الفنية والعناصر التراثية المهمشة، وعرضها وإتاحتها للجمهور في وقت أسرع. وهو ما يدعو إلى الاستخلاص كون المتحف الخاص ربما اضطلع بوظائف، منها: نشر الوعي لدى المنتسبين إلى نفس المنطقة بأهمية تراثهم المحلي، الارتقاء بمنطقة محصورة في المكان جغرافياً، وقد تكون منسية أو مهمَشة، إلى مستوى قومي أو حتى عالمي.
تعزيزاً للوعي بالآصرة التي تشد فكرة المتحف إلى الإبداعي الفني، يمكن التنويه بمتحف سلفادور دالي الذي صممه بنفسه مجسماً فيه نزعته السوريالية، فقد قال إن متحفه «أكبر عمل سريالي» أنجزه. فعلى خلاف المتاحف التقليدية، لم يشأ دالي أن يكون المكان مجرد معرض للوحات، بل أراده أن يكون سيرة ذاتية وفضاء يجسد خياله ورؤيته للعالَم. على هذا الأساس يمكن القول إن المتاحف الخاصة بما هي رؤية وليست فقط أسلوب تذكر، إنما هي إذ تحفظ الماضي فلأجل تشكيل المستقبل. ولعل هذا ما تختزله عبارة أورهان باموق «المستقبل نتاج متاحف صغيرة واقتصادية تخاطب إنسانيتنا».
رغماً أن الأمر لا يتعلق حصراً بالمقارنة، فإن السياق يمليها نسبياً، فنخلص عندئذ إلى أنه إذا كان المتحف العمومي يحفظ ما تعتبره الجماعة جديراً بالتذكر، فإن المتحف الخاص يحفظ ما يراه فرد واحد جديراً بأن يصبح ذاكرة جماعية. وهو ما يعني الانتقال من الذاكرة الشخصية إلى القيمة الثقافية المشتركة. فالزائر يكتشف ما تشبهت به عين الجمَّاع وذائقته واختياراته وليس فقط المعروض.

ذو صلة