مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

المتاحف الخاصة نشأتها ودورها وأهميتها

يُعرف المتحف الخاص بأنه منشأة ثقافية لحفظ وعرض وإبراز التراث الثقافي والحضاري للإبداع الإنساني ومنجزاته في مختلف المجالات عبر العصور التاريخية المختلفة، يمتلكها فرد أو مجموعة أو مؤسسات وجهات غير حكومية.
تعود فكرة المتاحف الخاصة إلى فترة تاريخيه ترجع إلى زمن العصور التاريخية القديمة، وربما إلى عصر ما قبل الميلاد، حيث تؤكد الأدلة والشواهد العلمية اهتمام الإنسان بجمع واقتناء التحف والكنوز الثمينة في العديد من الحضارات الإنسانية القديمة حول العالم.
لا يمكن الحديث عن المتاحف الخاصة دون الإشارة هنا ولو بشكل مختصر لأهمية ودور الجمع والاقتناء عبر العصور التاريخية للتحف النادرة والمقتنيات التاريخية والأعمال الفنية والمخطوطات وغيرها، فقد كانت تلك القطع المتحفية التي جمعت من قبل جامعي التحف من الأثرياء والملوك وهواة الجمع هي التي شكلت النواة الأولى لبدايات المتاحف وظهورها في مختلف دول العالم، حتى أن بعضها كانت هي الأساس في تأسيس بعض من المتاحف العالمية المشهورة في العصر الحديث (متحف اللوفر، المتحف البريطاني). ولعل من المناسب هنا ذكر بعض الأمثلة للجمع والاقتناء عبر العصور التاريخية المختلفة في سياق هذا الإطار التاريخي لظهور المتاحف الخاصة:
- ذكر في المصادر ذات الصلة بالعصور القديمة أن الملك بطليموس الأول وهو أحد ملوك البطالمة في القرن 3 ق.م كان يقتني مجموعات كبيرة من التحف والأواني والتيجان والصور الفنية والقطع الذهبية والفضية، ونشأ من خلال تلك المقتنيات في عهده متحف الإسكندرية والذي يُعد أقدم متحف عرف تاريخياً.
- وشهدت العصور الوسطى (15 - 16م) اهتمام المؤسسات الدينية (الكنائس) في أوروبا بالجمع والاقتناء للعديد من الأعمال الفنية وتذكار القديسين والقديسات والتماثيل الدينية وعرضها داخل مبانيها.
- كما أن لعصر النهضة الأوروبية جزءاً كبيراً من هذا الاهتمام، حيث مثلت الكنوز المتحفية الخاصة، (على سبيل المثال) لعائلة مدتشي التي عاشت بفلورنسا في إيطاليا أهم المقتنيات التي عرضت آنذاك فيما يعرف بمتحف قصر (UFFZI) والذي أصبح يعد واحداً من أهم متاحف ذلك العصر.
- خلال العصر الحديث، ومع بدايات القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين؛ ازداد الاهتمام بشكل أوسع بالتحف وجمعها واقتنائها، نتيجة عوامل عدة، منها: اقتصادية، تتمثل في القيمة المادية والاستثمارية لهذه القطع؛ وعلمية، من خلال الاهتمام المتزايد بأعمال التنقيب الآثاري والاهتمام العلمي والبحثي في مجال دراسات التراث الحضاري والثقافي والمتاحف في الجامعات، بالإضافة إلى الانتشار المتزايد للمتاحف على مستوى العالم؛ وسياحياً أيضاً تُعد هذه الممتلكات الثقافية للمتاحف الخاصة عناصر مهمة في الوجهات السياحية للسائحين المهتمين بالتراث الثقافي للشعوب والمجتمعات، كما هي مورد مهم من موارد السياحة الثقافية في العصر الحديث.
لقد شهدت المتاحف الخاصة، بما تبرزه وتعرضه من موروثات للشعوب والمجتمعات على مر التاريخ؛ اهتماماً وتطوراً كبيراً وملحوظاً في العديد من الدول، حتى أصبح ينظر إليها على أنها رافد مهم للمتاحف العامة، وواحدة من أهم المؤسسات الثقافية التي تمثل مصدراً للبحث والدراسة في مجالات التراث والحضارة والتاريخ والفنون والآثار والعلوم، هذا إلى جانب تعزيز الهوية والانتماء الوطني، إضافة إلى الدور الذي تقدمه معرفياً وتعليمياً وثقافياً للمجتمع.
تشكل المتاحف الخاصة في بلدان العالم العربي أحد الركائز الأساسية للحفاظ على تراثها الثقافي والعادات والتقاليد في ظل التغيرات والمعطيات الحديثة التي تعيشها اليوم، مما يسهم في حماية إرثها التاريخي والحضاري من الضياع والاندثار وبُعد الأجيال القادمة عنه.
والمملكة العربية السعودية ليست بعيدة عن الاهتمام بهذه المؤسسات المتحفية الخاصة، إذ تنظر إليها وتعدها أحد عناصر موارد التراث والثقافة في المجتمع السعودي، وتعتبرها من المؤسسات المجتمعية التي تقوم بوظائف متعددة، وأنها شريك فاعل ضمن منظومة المتاحف بشكل عام في المملكة، وتعمل وزارة الثقافة ضمن مستهدفاتها في رؤية المملكة (2030) لقطاع المتاحف من خلال الهيئة العامة للمتاحف على كل ما من شأنه الارتقاء والتطوير لهذه المتاحف الخاصة وتأهيل أصحابها والعاملين فيها للتمكين من القيام بمتطلبات متاحفهم إدارياً وفنياً، وحفاظاً لمقتنياتها والعناية بها وعرضها وفقاً للمعايير المتحفية الحديثة، وقدرتها على المشاركات الفاعلة في القطاع السياحي والمشهد الثقافي، وتعزيز دورها التعليمي والمعرفي، وبخاصة أن هناك ازدياداً وانتشاراً لهذه المتاحف على خريطة المملكة العربية السعودية، حيث يبلغ عدد المتاحف الخاصة ما يقارب (121) متحفاً مرخصاً موزعة في مختلف مناطق المملكة.
لهذه المتاحف فرص مستقلة واعدة، وفق هذه التحولات الكبيرة التي تشهدها المملكة في قطاع المتاحف ودورها المهم ضمن مستهدفات وزارة الثقافة التي تسعى إلى تعزيز مواردها الثقافية لتشكل عناصر ذات أهمية في منظومة النمو السياحي، وأيضاً ما يعرف بالاقتصاد الثقافي، حيث يمكن للمتاحف الخاصة أن تكون جزءاً من هذا المنظور الذي سيحقق لها مستقبلاً زاهراً والرفع من مستوى جودة التجربة المتحفية التي يبحث عنها زوار هذه المتاحف.
كل هذا يمكن أن يتحقق من خلال استفادة ملاك هذه المنشآت الثقافية للبرامج التدريبية وورش العمل والملتقيات العلمية المختلفة التي تنظمها هيئة المتاحف بالشراكة مع الجامعات بهدف تطوير الكفاءات البشرية في جميع مجالات العمل المتحفي، من إدارة للمتاحف والصون والحفظ والترميم والعرض للقطع المتحفية، وإدارة الزوار، واستخدام التقنيات الرقمية الحديثة، مما يمكنها للتحول إلى مؤسسات ذات قيمة مضافة للمعرفة والاقتصاد الثقافي والسياحي للمملكة العربية السعودية، إلى جانب كونها حاضنة للمقتنيات التاريخية والتراثية والفنية والمحافظة عليها.

أمثلة للمتاحف الخاصة في المملكة:

محافظة جدة
مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة
الرياض
متحف القصر
مكة المكرمة
متحف القهوة السعودية
القطيف
متحف الخط الحضاري
عسير
متحف الضحى التراثي
أبها
متحف القط العسيري

ذو صلة