مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

مطربون وموسيقيون معممون

في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر نشأت في مصر -وهي تؤثر وتتأثر بمحيطها العربي الواسع- مدرسة مميزة في الطرب والموسيقى.. مدرسة ذات خصوصية.. أسسها مطربون وموسيقيون معممون تأثروا بموروثهم الديني والثقافي والحضاري الأصيل، فواءموا بين جماليات الإنشاد الديني وتجويده، وبين انطلاقة الطرب وعذوبته، كما استحدثوا مجموعة (إحيائية) من التجديدات في الأداء والتلحين في آنٍ، وانفتحوا على المؤثرات الغربية الوافدة. أنجبوا تلامذة محترفين ومحبين، وهواة حملوا (مشعلهم الفني)، ساروا على دربهم إلى يومنا هذا، فمن هم هؤلاء الرواد، وكيف تسنى لهم إنشاء (مدرسة الطرب العربية الحديثة)؟.

انتقل رائد المدرسة القومية في الموسيقى العربية من قريته بمدينة (قنا) في صعيد مصر إلى القاهرة. تعلم في الأزهر الشريف، وتخرج فيه. يعد الشيخ محمد عبدالرحيم المعروف بـ(المسلوب) الذي عمر طويلاً (1798-1928م) أول من أسس (مدرسة غنائية مصرية عربية الطابع والأداء)، وتزعم وضع لبناتها. ابتكر موسيقى لها طابعها الشرقي والتجديدي في آن. فمن جوانب تجديده وعبقريته الموسيقية تطويره القوالب الغنائية بخاصة (الطقطوقة)، فعمد إلى تغيير ملامحها الفنية، وأضاف بصمته الخاصة على (الدور) الذي يغنى بواسطة المطرب ومجموعته معاً، وسماه بـ(المطلع) بدلاً من المذاهب في (الطقطوقة).
أصبح لـ(الدور) شأنه ومكانته الكبيرة.. تأليفاً وتلحيناً وأداء. كما يرجع للشيخ (المسلوب) الفضل في تقريب موسيقاه للشعب، وجعل للمصريين غناءهم وموسيقاهم الآلية. وكان قائد الموسيقات العسكرية الأميرلاي (عميد) محمد ذاكر بك قد دون عنه أول موسيقى مصرية تعزفها فرقة عسكرية هي فرقة (الحرس الخديوي).
لما تبارى مطربو مصر والعصر في إحياء المناسبات الخديوية الخاصة، كان المسلوب يبزهم جميعاً. أبدع الشيخ (المسلوب) في تلحين مجموعة من الموشحات والأدوار الفذة منها: (أفراح وصالك في مجلس الأنس الهنيء)، (العفو يا سيد الملاح)، و(البدر روح في سماه).‏ وممن تتلمذ علي يديه الشيوخ: (محمد الشلشموني)، و(عبده الحامولي)، و(خليل محرم)، و(محمد عثمان).
يعد الشيخ (محمد الشلشموني) واحداً من أشهر فناني مدرسة الشيخ (المسلوب) ورائداً من رواد فن الموشحات، شأنه شأن الشيخ (محمد عثمان) (1855-1900م). كان الشلشموني (مكفوف البصر)، لكنه تمتع، شأن الكثيرين أمثاله، بحس فني مرهف، وصوت عذب صداح، وعبقرية في الطرب والأداء والتلحين. يرجع إليه الفضل في اكتشاف الشيخ (يوسف المنيلاوي)، والشيخ (سلامة حجازي). حظي ( الشلشلموني) بشهرة كبيرة، ففي آخر حياته توجه إلى حفل يحييه (عبده الحامولي) الذي اضطر إلى التوقف عن الغناء بسبب إقبال الجمهور على الشيخ. ترك (الحامولي) تخته على الفور وقصد (الشلشموني)، وقبل يده اعترافاً بفضله ومكانته.
ولد عبده الحامولي (1845-1901م) في القاهرة في فترة كانت تمثل (منارة أدبية وفنية وثقافية واجتماعية وسياسية). شب الحامولي على حب الغناء، فتعلم وحفظ الكثير من الموشحات التي وردت إلى القاهرة من حلب عن طريق شاكر أفندي الحلبي. ودفعته براعته لإصلاح وتهذيب ما حفظه من موشحات وأدوار قديمة، فأبدع في هذا إبداعاً فريداً. كان يعمد إلى أخذ الدور القديم فيصقله ويثقفه فيخرج طرياً.. أكثر طرباً، وأعمق تأثيراً، وأكثر جمالاً.
كثـرت تنقلات الحامولي، فسافر إلى البلاد العربية، ووصل إلى القسطنطينية حيث تعلم ما لم يكن يعرفه من إيقاعات ومقامات كـ(النهاوند الكبير)، و(الحجاز كار)، و(العجم). فواصل إبداع أدوار متميزة مستنداً على صوت متفرد بجماله، وأعجوبة في حلاوته وطلاوته وسحره وتأثيره. يذكر أن مساحة صوت الحامولي كانت ضخمة جداً حتى شاع أن عازف القانون كثيراً ما كان يتوقف عن العزف لأن طبقة (عبده) تجاوزت بالعلو أعلى وتر من أوتار القانون.
لاقى الحامولي من الشهرة والمجد ما لم يلقه أحد من فناني زمانه. وإبان حكم الخديوي (إسماعيل) المعجب بالغرب، ونهضة أوروبا، والمنفتح على الفنون، كانت المطربة ذائعة الصيت (سكينة سليم) (1830-1897م) المعروفة بـ(ألمظ) تغني في (الحرملك)، فيسمعها الرجال من وراء حجاب. أحبها الشيخ الحامولي ومن ثم تزوجا.
انتشرت أغاني الحامولي، عن الحب والهجر والخصام والحنين إلى المحبوب، ومن أشهر أدواره: (الله يصون دولة حسنك) من مقام (حجاز كار) وإيقاع وحدة كبيرة، (كادني الهوى) مقام نهاوند إيقاع (مصمودي كبير)، (متع حياتك بالأحباب) مقام (هزام) إيقاع (مصمودي كبير). ولعل كثيرين يؤرخون لميلاد الأغنية المصرية العربية الأصيلة بالحامولي، ومن جاء بعده، وحاكوه، وساروا على دربه.
أما الشيخ (خليل محرم) فحفظ القران الكريم صغيراً، وشغل وظيفة (كبير المقرئين) بالقاهرة. اهتم بالإنشاد الديني والتواشيح، واشتهر بذلك. وكانت التواشيح الدينية تؤدى في المساجد والموالد. حافظ الشيخ وغيره من المنشدين المرموقين على مميزات فن التواشيح الدينية ومنها: تكريس المقامات العربية، وحرية الارتجال، والوصول إلى عامة الناس ونيل إعجابهم واحترامهم والقدرة على تعليم أجيال جديدة. وممن تتلمذ على يديه الشيخ (يوسف المنيلاوي).
الشيخ (يوسف خفاجى المنيلاوي) (1850-1911م) ولد بمنيل الروضة بالقاهرة. تمتع بصوت رخيم جميل، وظـفه في الإنشاد الديني، ونبغ فيه بعدما تأثر بسماعه للشيخ (المسلوب)، والشيخ (خليل محرم). وذاعت شهرة المنيلاوي كمنشد ومطرب، وملحن للقصائد، وكان ملء الأنظار والأسماع. وقام بأداء أدوار لـ(محمد عثمان)، و(عبده الحامولي)، وكان قد عاصرهما. سافر المنيلاوي إلى (الأستانة) فأحرز هناك نجاحاً كبيراً مماثلاً لنجاحه في بر مصر وأعجب به السلطان (عبدالحميد) فقربه إليه، كما منحه النياشين.
من أهم أدوار المنيلاوي: (جددي يا نفس حظك)، و(من قبل ما أهوى الجمال) ، و(كنت فين والحب فين)، و(الجمال في الملاح صدف)، و(فؤادي أمره عجب)، و(إلا في سبيل الله)، و(الله يعلم أن النفس)، و(لا جزى الله دمع عيني)، وقصيدة (سلطان العاشقين). كانت أشهر أغانيه (البلبل)، وإذا طلب منه غناؤها، اشترط على أصحاب الحفل دفع 20 جنيهاً ذهبياً فوق قيمة عقده الذي غالباً 100 جنيه. وفي آخر حياته سجل المنيلاوي بعض أغانيه على إسطوانات لصالح شركتي (جرامفون)، و(عمر أفندي). ورحل المنيلاوي وقد أثرى عالم الطرب والموسيقى، وفي أسرته نبغت السيدة (إجلال المنيلاوي) من بطلات فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية.
كان الشيخ (علي القصبجي) والد الموسيقار الكبير (محمد القصبجي) قد عاصر (المنيلاوي)، و(محمد عثمان)، و(عبدالحي حلمي). اعتمد الشيخ علي مقرئاً للقرآن الكريم، وكان من أشهر منشدي عصره وله باع في تلحين الدور والموشح والموال والقصيدة. تميز بالعزف على العود، وهي المهارة التي نقلها لابنه محمد. كان الشيخ علي محبوباً من قرنائه، وكان يعطيهم ألحانه مجاناً. ومن الأدوار التي لحنها: (حياتي من بعد العازلين)، و(جمالك يا رشا زان جمالك)، و(الحب له في الناس أحكام).
في حي (رأس التين) ولد الشيخ (سلامة حجازي) (1852 -1917م)، والتحق بالكتاب، ووهب نداوة وقوة صوت، وسحر أداء، وعمل مؤذناً لمسجد (الأباصيري). اشترك في حفلات الإنشاد، مردداً الآهات الطويلة. وفي باكر عمره عشق العزف على (السلامية) واستوعب الكثير من الألحان، كما تعرف على الشيخ (الياسرجي) كبير منشدي (الإسكندرية) فأخذ على يديه أصول الطرب والإنشاد، وكان ولعاً بطريقة الشيخ (خليل محرم) في الإنشاد فحفظ عنه الكثير.
 بدأ حجازي كمذهبجي عند (الحامولي)، ثم كون تختاً موسيقياً جذب إليه ألباب أهل الإسكندرية، وغنى الجديد بالإضافة إلى إلباسه القديم ثوب الجديد فذاعت شهرته. واستحضره، في قصورهم وحفلاتهم، أهل القاهرة ليسمعوا طربه الساحر، فتحققت للشيخ سلامة النجومية، وصار سيد فنه.
تتضح جماليات مدرسة الشيخ سلامة في قصيدته (سمحت بإرسال الدموع محاجري) مقام هــزام، حيث بساطة اللحن والتخت (العود والقانون والناي والكمان)، وتركيز المقام، وعدم الخروج منه إلا في أضيق الحدود (من الهزام إلى الراست القريب)، والتركيز على الكلمات، والتنغيم الزخرفي، وإبراز مساحة صوت المطرب وسيطرته على الأداء، مع مقدمة موسيقية بسيطة، ولزم  قصيرة على نفس المقام، واسترسال اللحن، وتشابه جملها.. إلخ.
مع بواكير العمل المسرحي في مصر كانت مهارات الشيخ سلامة ونبوغه وتشجيع (الحامولي)، سبباً في حرص أصحاب المسرح كـ(إسكندر فرح الدمشقي) و(أبو خليل القباني)، وغيرهما على ضمه معهم. نجح (يوسف خياط) في إقناعه بالغناء بين فصول الروايات التي تقدمها فرقته، ثم انضم إلى جوقة (القرداحي)، وكون فرقة (جورج أبيض وسلامة حجازي)، وانتهى الأمر به إلى تشكيل جوقته الخاصة (1905م). فخطا بذلك خطوة جسورة لتأسيس (المسرح الغنائي المصري) الذي ارتبط باسمه، وكان (فتحاً) في عالم الحياة المسرحية المصرية. ولولا حجازي لما سمعنا عن (سيد درويش) فهو الذي قدمه للجمهور، وعزم على إنجاح مسيرته.
نالت روايات (حجازي) الأولى كـ(شهداء الغرام) المأخوذة عن (روميو وجولييت)، و(الرجاء بعد اليأس)، و(الأمير حسن) شهرة كبيرة. وكان قد قام بتمثيل الروايات المسرحية في دار الأوبرا وشارك فيها بألحانه وصوته ومنها: (هارون الرشيد، المظلوم، ليلى، القضاء والقدر). وقدم من ألحانه روايات: (أنيس الجليس، أبو الحسن، علي نور الدين، خليفة الصياد).
ويعتبر الشيخ حجازي رائداً لفن الأوبريت، فكان صوته يناسب هذا الفن، وهو من أوائل من لحنوا (المارشات، والسلامات الخديوية/الحماسية)، فغناها في مطلع الروايات. كما ابتكر الشيخ حجازي إلقاء المونولوجات النقدية في مختلف الموضوعات السياسية والاجتماعية والأخلاقية وكان يلقيها منفرداً بين فصول الرواية.
تعددت رحلات حجازي بين البلدان العربية وزار الشام وعرض -بنجاح كبير- روايته في دمشق، وعاد (1908) لمصر ليقدم مسرحية (صلاح الدين)، ويتبعها بـ(غانية الأندلس) وأعاد تمثيل (شهداء الغرام).
في حي (الحسين) بالقاهرة ولد شيخ القراء، وإمام المنشدين، ومعجزة الأداء والتلحين، الشيخ (على محمود) (1878-1946م). «كان الشيخ علي محمود سيد المنشدين للمدائح النبوية؛ وكأني بهذا الرجل يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب. فإذا شاء جرى به في نغمة العود أو الكمان، أو شدا به شدو الكروان. لقد وهبه الله ليناً في الصوت، وامتداداً في النفس» حسب وصف الأديب (محمد فهمي عبداللطيف).
كان الشيخ علي قد أصيب بحادث أودى ببصره. وحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ (أبو هاشم الشبراوي)، ثم جوده وأخذ قراءاته على الشيخ (مبروك حسنين)، وظل التجويد هو المدرسة الوحيدة التي تنجب عباقرة في الموسيقى العربية. فعلا شأنه، وذاع صيته قارئاً كبيراً في مسجد (الحسين). درس الموسيقى على يد الشيخ (إبراهيم المغربي)، وعرف ضروب التلحين والعزف وحفظ الموشحات، كما درسها على يد الشيخ (المسلوب) وحيد عصره وفريد دهره في الموسيقى. كما اطلع من الشيخ (عثمان الموصلي) على الموسيقى التركية وخصائصها.
وإذا كان الغناء العربي يحفل بمعاني الحب والغزل وذكر أوصاف الحبيب، فإن (الحبيب) في الغناء الصوفي تعني الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن أجمل ألحانه الدينية: (ته دلالاً)، و(لي من هواك)، و(أنا فيك ذو وله)، و(خطرت وقد خطرت)، و(كم أطال الوداد)، و(بربك يا من)، و(خلياني ولوعتي)، و(سل يا أخا البدر)، و(أدر ذكر من أهوى)، و(جدد الوصل).. إلخ. ولعل أجمل هذه الألحان وأروعها أداءً: (يا نسيم الصبا تحمل سلامي).
من أشهر النوابغ الذين اكتشفهم وأفادهم الشيخ علي القارئ العملاق صاحب الصوت الملائكي الشيخ (محمد رفعت)، والشيخ (كامل يوسف البهتيمي) القارئ والمنشد. كما ضمت بطانته ومدرسته: الشيخ العبقري (طه الفشني)، والشيخ (محمد الفيومي)، والشيخ (عبدالسميع بيومي)، وإمام الملحنين الشيخ (زكريا أحمد).
يعتبر الشيخ (أبو العلا محمد) (1878–1927م) من أكثر ملحني عصره -إلى جانب الشيخ سلامة حجازي- تقديماً للقصيدة الشعرية الفصحى. ولد في قرية (بني عدي) في منفلوط بمحافظة أسيوط. حفظ القرآن الكريم والتحق بالأزهر الشريف، واشتهر بين أقرانه بالصوت الحسن وإلقاء الشعر. ذاعت شهرته بين مشاهير الطرب قي عصره. بعد أن كانت تغنى مرتجلة حسبما يرى المطرب.. التزم الشيخ أبو العلا (الرائد الأول في تلحين القصيد) باللحن المخصص لها، مبرزاً دور الملحن. سجل بصوته نخبة من القصائد الشعرية الدينية والأغاني على إسطوانات. يعد الشيخ أبو العلا أحد الأساتذة الكبار لكوكب الشرق (أم كلثوم). فعلى محطة قطار السنبلاوين/الدقهلية كان لقاؤهما الشهير. شهدت المحطة لقاء الطفلة (أم كلثوم) ووالدها مع الشيخ (أبو العلا).. وكان ما كان من أثر للشيخ (أبو العلا) في مسيرة حياة (سيدة الغناء العربي).
لم يبخل الشيخ (أبو العلا) على (أم كلثوم) بفنه وخبرته، ولقنها مبادئ الموسيقى الشرقية، وارتقى بذائقتها وثقافتها، ووجهها لغناء القصائد الشعرية الفصحى التي كان رائد تلحينها، ومنها (أراك عصي الدمع) لـ(أبي فراس الحمداني). تغنت بلحنه في أول قصيدة تشدو بها لشاعر الشباب (أحمد رامي) وهي: (الصب تفضحه عيونه) (1924م). كما غنت قصيدة (وحقك أنت والمنى) (1926م) من أشعار الشاعر الشيخ (عبدالله الشبراوي) وتواصل العطاء الفني بينهما إلى أن عدت (أم كلثوم) أعظم إنجاز للشيخ (أبو العلا).
في (مدرسة الطرب العربية الحديثة) كان (أستاذ الأساتيذ). فبعلمه الغزير، و(مرجعيته) في المقامات الشرقية صار أساتذته من تلامذته. الشيخ (درويش الحريرى) (1881–1957) كان أستاذاً للشيخ (أبو العلا محمد) و(زكريا أحمد)، و(محمد عبدالوهاب). وهب ذاكرة قوية مكنته من حفظ القرآن الكريم ولما يبلغ التاسعة من عمره. نشأ (الحريري) محباً للموسيقى، شغوفاً بسماعها، يتمنى جاهداً أن يكون من أبنائها. تتلمذ على يد زميليه الشيخين: (علي محمود)، و(إسماعيل سكر)، وكانا يكبرانه في السن. فتعلم منهما ما في جعبتهما. لم يكتف بذلك، فهرع إلى (كامل الخلعي)، و(داود حسني)، و(محمود رحمي)، و(إبراهيم المغربي)، و(محمد عبدالرحيم المسلوب)، و(السيد محمود كحال الدمشقي)، يرتشف من مناهلهم، ويحفظ ما عندهم عن ظهر قلب. وكلما وجد ما ليس عنده سار إلى تعلمه، فاستطاع أن يبزهم جميعاً ويحملهم حملاً على الاعتراف له بالأستاذية. ومن عجب أن يتتلمذ عليه بعد ذلك أستاذاه (علي محمود)، و(إسماعيل سكر)، وكذلك طائفة كبيرة من الموسيقيين المحترفين والهواة، يتقدمهم: (حسن والي)، و(مصطفى رضا بك)، و(صفر بك علي)، و(حسن أنور)، والشيخ (أبو العلا محمد)، و(محمد عبدالوهاب)، والشيخ (زكريا أحمد)، والشيخ (إمام)، و(عبدالحليم نويرة)، وأخيراً وليس آخراً (أحمد صدقي) الذي نهل من أستاذه الشيء الكثير.
ولعل أعجب ما في (المسيرة الموسوعية) للشيخ (درويش) أنه لم يكن يعزف على آلة موسيقية، لكنه كان يصحح للجميع وضع أصابعهم على مخارج الأصوات. له ابتكاراته في التلحين، بل في وضع أوزان غير مطروقة، ولعله أول المصريين الذين لحنوا من مقام (حجاز كار كورد) في (حبي زرني ما تيسر)، كما ابتكر مقام (صبا الحجاز). وكانت كبار شخصيات الموسيقى العربية من الشرق والغرب، عرب ومستشرقون، ترجع إليه في شؤون المقامات، وغيرها.
وإذا كان حي (رأس التين بالإسكندرية) قد شرف بمولد الشيخ (سلامة حجازي)، فإن حي (كوم الدكة) قد نال أيضاً شرف ولادة فنان الشعب.. خالد الذكر (سيد درويش) (1892-1923م). كتب الكثير عنه، ونال ما نال من مكانة وشهرة -لا تفي سطور عجلى للوفاء بإيضاحها- لموهبته الفنية، وصياغته (التجديدية) في الألحان، وللفن العربي الأصيل. اشترك الشيخ (سيد) مع الفرق التمثيلية ممثلاً ومغنياً. سافر مرات إلى الشام، واكتسب المزيد من أصول الموسيقى العربية، إذ تتلمذ في حلب على يد الشيخ (عثمان الموصلي العراقي).
رسم الشيخ (سيد) لنفسه خطاً فنياً جديداً، فلحن معظم أدواره وأهازيجه وموشحاته الخالدة، باتت مادة فنية مقياساً ومعياراً لكل فنان ومتفنن عربي، التي عرفت الناس بمدرسته الإبداعية الجديدة.
اقتبس (درويش) من أقوال الزعيم (مصطفى كمال) بعض عباراته، وجعل منها مطلعاً للنشيد الوطني: (بلادي بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي)، كم لحن أيضاً نشيداً من نظم أديب العروبة والإسلام (مصطفى صادق الرافعي)، مطلعه: (بني مصر مكانكم تهيأ فهيا مهدوا للملك هيا خذوا شمس النهار حليا). كما لحن أناشيد وطنية أخرى. لذا يرى كثيرون أن ثورة 1919 كان لها زعيمان: (سعد زغلول باشا)، و(سيد درويش) الذي أجج الشعور بالكرامة الوطنية في نفوس المصريين.
كما عالج الشيخ (سيد) في أغانيه موضوعات اجتماعية وفئوية مست غالب شرائح المجتمع، فتغلغلت أعماله الفنية داخل طبقات الشعب وأمست على لسانه يشدو بها بحب وافتخار ليل نهار. من أدواره: (يا فؤادي ليه بتعشق، ويللي قوامك يعجبني، وفي شرع مين، والحبيب للهجر مايل، ضيعت مستقبل حياتي، أنا عشقت، عشقت حسنك.. إلخ). أما ألحانه من الموشحات فمنها: (يا ترى بعد البعاد، ويا صاحب السحر الحلال، ويا عذيب المرشف، ويا شادي الألحان، والعذارى المائسات، ويا غصين البان حرت، وحبي دعاني للوصال.. إلخ).
لم يكن أثر (درويش) في ميدان التمثيل والأوبرا العربية بأقل من أثره في ميدان الموسيقى والموشح والدور والطقطوقة والمونولوج الشعبي والأناشيد الوطنية وغيرها. فقد أضاف إلى هذه المآثر مأثرة جديدة وهي تلحين الأوبرا. لحن (أوبرا شهرزاد) (1920-1921)، وكان فتحاً جديداً في عالم الموسيقى العربية والألحان المسرحية، كما لحن أوبرا (العشرة الطيبة) لـ(محمد تيمور) ونظم أغانيها (بديع خيري)، وأوبرا (البروكة)، وفصلاً من أوبرا (كليوباترا وأنطونيو) وغيرها لفرقة (نجيب الريحاني) وفرقة (منيرة المهدية) وغيرهما، وبلغ مجموعها مائتي لحن، بالإضافة إلى الأدوار والموشحات والأناشيد الوطنية والمونولوجات. ويكفي الشيخ (سيد) أنه -حتى يومنا هذا- ما زال الناس يطربون لألحانه وأعماله، فهو ابن عصره، بل سبق عصره بتجديداته. ويرحل (سيد) شاباً (في العقد الثالث من عمره)، وهو في قمة تألقه الفني، تاركاً وراءه أثراً فنياً لن تمحوه الأيام والسنون.
لا يكاد يذكر (سيد درويش) حتى يقترن بـ(محمد علي إبراهيم القصبجي) (1892 - 1966م). كان يصغر (سيد) بتسعة وعشرين يوماً. حذا (القصبجي) حذو (درويش) في تجديد الموسيقى، وفي نكهة الطرب العربي، وتأثرا معاً بالتراث الموسيقي الأوروبي الكلاسيكي، وأدخلا التعبير في الغناء، وطورا اللوازم الموسيقية وجعلاها جزءاً مهماً في البناء الموسيقي. كما أدخل القصبجي (الهارمونيا)، و(البوليفونيا) على الموسيقى العربية من دون أن يشوه مزاجها أو يفقدها روحها وشخصيتها ونكهتها القومية. كما رسخ (1928م) الملامح النهائية للمونولوج في الغناء العربي.
تربي (محمد) متأثراً بأبيه (علي إبراهيم القصبجي) العواد الفذ، والمنشد المتمكن، والملحنً الذي غنى له زعيم الغناء والطرب (عبده الحامولي)، والشيخ (يوسف المنيلاوي)، و(سيد الصفطي)، و(صالح عبدالحي)، و(زكي مراد)، و(محمد السنباطي).. إلخ. نعم.. لقد غضب الأب من ابنه لما علم بإهماله درسه في الأزهر ليدرس العزف على العود، فكسر العود، لكن هيهات فقد أمسى (سيد عازفي العود في القرن العشرين)، ومع ذلك كان يخشى نشاز العود وهو في حضنه. لقد أتقن فنه، واتخذ علمه من منبعه الأول: (التجويد والموشحات).
ازدحم حول (محمد القصبجي) جيل كامل من عمالقة الموسيقى والطرب العربي في القرن العشرين، فكانت (أم كلثوم) تلميذته الكبرى. وتأثر به (رياض السنباطي) تأثراً واضحاً ، وبخاصة في الأفلام التي لحنا أغنياتهما معاً: (نشيد الأمل)، و(يا مجد)، و(ياللي صنعت الجميل)، و(قضيت حياتي)، و(افرح يا قلبي). وممن تتلمذ على (القصبجي)، ورعاهم في مرحلة من مراحلهم: (فتحية أحمد)، و(نجاة علي)، و(منيرة المهدية)، ثم (ليلى مراد)، و(نور الهدى)، و(سعاد محمد)، (أسمهان).. وصولاً لـ(محمد الموجي) الذي لحن سنة 1954 (نشيد الجلاء) لأم كلثوم.
بينما أحصي للقصبجي ثلاثمائة وستون أغنية، وكانت أهم التجديدات التي أحدثها القصبجي في الموسيقى العربية المعاصرة إنشاءه (المونولوج). والمونولوج مستوحى من الآريا في الأوبرا الإيطالية، حيث يقف البطل بين حدثين من أحداث الأوبرا، فيطلق العنان لعواطفه ويشكو لواعج قلبه.. وجدانياً وتأملياً وواقعياً. كلامها سردي وصفي وجداني، ولحنها لا تتكرر فيه المقاطع أو المذاهب، وقد لا تتكرر أي من الجمل الموسيقية. ولا يتضمن المونولوج مذهباً ولا أغصاناً متشابهة، وقد يتضمن مشاهد موسيقية متلاحقة مختلفة تفصلها لوازم.
كما طور (القصبجي) شكل الطقطوقة، خاصةً في الأغاني السينمائية التي غنتها (أسمهان) و(ليلى مراد). هذا إلى جانب ما لحنه للمسرح الغنائي: (المظلومة)، و(حرم المفتش)، و(كيد النسا)، و(نجمة الصباح)، وقد شاركه عبدالوهاب بثلاثة ألحان في المسرحية الأولى. توحي موسيقى (القصبجي) أنها مكتوبة لفرقة كبيرة، لا يقدر التخت الصغير على أعبائها التعبيرية والهارمونية. حتى قالت أم كلثوم فيه: (إنه موسيقي عالم سبق عصره).
أما أشد كبار الموسيقيين العرب تعصباً لعروبة موسيقاه، وأوضحهم في انتمائه المصري الأصيل فكان الشيخ (زكريا أحمد) (1961-1896). بعد الأزهر، أدخله والده مدرسة (ماهر باشا) بالقلعة، فطرد منها بسبب أنه لم يكف عن الغناء، طيلة يومه الأول. مراهقاً.. أخذت حياة الشيخ (زكريا) تتحول إلى التشرد، فخلع الجبة والقفطان، واختصم مع والده إلى أن طلب من الشيخ (درويش الحريري) تعليمه وتحفيظه القرآن الكريم. ظل في صحبة الشيخ (درويش) عشر سنوات، فحثه على الغناء في بطانة الشيخ (سيد محمود)، لكنه لم يلزمها غير أشهر عاد بعدها إلى فرقة (الحريري) الذي أجازه في حضور الحفلات وإحياء المآتم والأذكار. لكن لما التحق بفرقة الشيخ إسماعيل سكر للقراءة والإنشاد، وعظم صيته في القاهرة والأقاليم حتى استدعاه السلطان (محمد رشاد) إلى الأستانة لإحياء إحدى الحفلات الكبيرة.
في العام (1916)، اجتمع طلاب يهوون التمثيل منهم (حسين رياض)، و(حسن فايق)، فشكلوا فرقة ودعوا الشيخ (زكريا) لتلحين روايتهم: (فقراء نيويورك)، فلحنها مجاناً ثم انقطع عن هذا المجال إلى أن عاد إليه عام (1924). فلحن لمعظم الفرق المسرحية الشهيرة مثل فرق (علي الكسار)، و(نجيب الريحاني)، و(زكي عكاشة)، و(منيرة المهدية) وغيرها. جاءت مسرحيات الشيخ (زكريا) امتداداً لتراث (سيد درويش)، فتضمنت نقداً للأوضاع الاجتماعية، وحشداً للتصوير الوجداني للشخصيات والمشاعر. اشترك في تلحين أغنيات سبعة وثلاثين فيلماً، تضمنت إحدى وتسعين أغنية من ألحانه، اشتهر معظمها اشتهاراً كبيراً. ولقد ورث عن الشيخ (سيد درويش) أيضاً، تصوير (المشاهد الجماعية)، وامتد لاحقاً إلى الشيخ (سيد مكاوي) في الأوبريت الشهير (اللينة الكبيرة) وغيرها. تبدو أوج قدرة الشيخ (زكريا) على هذا التصوير في أحد مشاهد فيلم (ليلى بنت الفقراء)، حيث مشهد (مولد السيدة زينب)، فينشد (زكريا) وهو معمم، وحوله بطانته توشيحاً جميلاً.
في عام (1931) بدأ التلحين لأم كلثوم، فلحن لها تسعة أدوار أولها: (هو ده يخلص من الله)، وحتى دور (عادت ليالي الهنا) (1939). كما لحن لها الكثير من أغاني أفلامها مثل (الورد جميل)، و(غني لي شوي شوي)، و(ساجعات الطيور)، و(قول لطيفك). كما لحن لها في الأربعينيات عدداً من الأغاني الكلاسيكية الطويلة التي صارت علامات فارقة في تاريخها مثل: (الأهات)، و(أنا في انتظارك)، و(الأمل)، و(حبيبي يسعد أوقاته)، و(أهل الهوى)، و(حلم). ثم اختلف معها سنة 1947م ، حتى عام 1960م فلحن لها آخر روائعه (الهوى غلاب)، وتوفي في 15 فبراير 1961م.
إجمالاً.. يعد الشيخ (زكريا) من أغزر الموسيقيين العرب المحدثين تلحيناً.. كماً وكيفاً. إذ قدر عدد الأغنيات التي لحنها بنحو 1070 أغنية مما جعله يحظى بشهرة واسعة. وأول من غنى له (صالح عبدالحي)، و(عبداللطيف البنا)، و(منيرة المهدية)، و(فتحية أحمد) وغيرهم من كبار عالم الغناء. إن (زكريا أحمد) يمتاز دون غيره من الموسيقيين العرب الكبار بمزاجه الخاص ذي المقومات المركبة. فعلى الرغم من كونه طور شكلين من أهم أشكال الغناء العربي، وأسهم في تطوير أشكال أخرى، لكن تطويره لم يمس آلات الموسيقى العربية أو المقامات العربية أو الإيقاعات. فأسس تطويره على ملامح عربية أصيلة، فحفظ المضمون وبدل في الأشكال، منطلقاً من الأشكال الأصلية. كما شكل غناء الشيخ (زكريا) مدرسة لكثير من المطربين، إذ كان يمتاز بعناصر منها:
- النبر المؤخر، وتقطيعه الغناء كما في ترداده لكلمة (جميل)، في جملة: (الورد جميل جميل جميل الورد). مما يدلل عن إحساس راق، وسيطرة على إيقاع الكلم وتفعيلات الموازين.
- ترخيم الصوت الموروث عن أسلوب الإنشاد، وفي الخلفية هناك تأثير (درويش الحريري) في موشحاته، و(داود حسني) في أدوراه. كذلك عرض صوته، وتلوين عنائه عبر الطبقات المنخفضة، والدرجات المختلفة. من ذلك غناؤه: (ليلي ليلي يا ليل) في اللازمة الموسيقية التي تسبق مقطع: ويقصروك يا ليل، من أغنية: (أهل الهوى يا ليل).
- الدقة في التلوين المقامي، إذ كان إحساسه لسكك المقام في غنائه واضحاً، ويؤدي تغييره المقام أثراً انفعالياً مضاعفاً.
- التصرف باللحن، لسعة خياله الموسيقي الخصب، وثروته من الموشحات وألوان التجويد والإنشاد. إن أهم ما تتصف به ألحان الشيخ (زكريا) الجانب الانفعالي. فعادة ما يتبع، لتصعيد الانفعال، أسلوب التتالي. حيث ترداد فقرة موسيقية على درجة أعلى أو أخفض، مثنى وثلاث، حتى بلوغ ذروة الانفعال. كان الشيخ (حساساً للغاية، لكن قليلاً من الإطراء الصادق كان يسعده كثروة كبيرة).
الشيخ (إمام محمد أحمد عيسى) (1918-1995)، ولد في قرية أبو النمرس/ بالجيزة. أصيب في عامه الأول بالرمد، ففقد بصره، وأمضى (إمام) طفولته في حفظ القرآن الكريم. كان يندس في مواسم الأفراح والحج، ليسمع ما يغنى وينشد، فنشأ صاحب أذن موسيقية. ذات مرة حياه الشيخ (محمد رفعت) وكلمه ومدح نباهته وتنبأ له بمستقبل متميز. أحب (إمام) الاستماع لصوت الشيخ (رفعت). مصادفة.. التقى الشيخ (إمام) الشيخ (درويش الحريري)، وأسمعه صوته، فأعجب به (الحريري)، وتبناه، وتولى تعليمه الموسيقى، واصطحبه في جلسات الإنشاد والطرب. تعرف (إمام) -منتصف الثلاثينيات- إلى كبار المطربين والمقرئين، أمثال الشيخ (زكريا أحمد)، والشيخ (محمود صبح)، فذاع صيت (إمام)، وبدأت حياته تتحسن.
استعان (زكريا) بـ(إمام) في حفظ الألحان الجديدة واكتشاف نقاط الضعف بها. وعملا طويلاً معاً حتي وصل الأمر لقيام (إمام) بتحفيظ ألحان أستاذه زكريا لـ(أم كلثوم) قبل أن تغنيها، وكان إمام يفاخر بهذا. بدأت ألحان (زكريا) لـ(أم كلثوم) مثل: (أهل الهوى) و(أنا في انتظارك) و(آه من لقاك في أول يوم) و(الأولة في الغرام) تتسرب للناس قبل أن تغنيها، فقرر الشيخ (زكريا) الاستغناء عن الشيخ (إمام). إثر ذلك.. قرر (إمام) تعلم العزف على العود على يد (كامل الحمصاني) ثم بدأ (إمام) يفكر في التلحين فألف كلمات ولحنها، وتحول لمغن مستبدلاً زيه الأزهري بملابس مدنية.
حدث اللقاء بين الشيخ (إمام)، ورفيق دربه الشاعر (أحمد فؤاد نجم) وفى عام 1962. من ثم بدأت شراكة، دامت سنوات طويلة، بين (كلمة نجم)، ولحن (إمام). ذاع صيت الثنائي والتف حولهما المثقفون خاصة بعد أغنية: (أنا أتوب عن حبك أنا)، ثم (عشق الصبايا)، و(ساعة العصاري). اتسعت الشركة فضمت عازف الإيقاع (محمد علي)، فكان ثالث ثلاثة كونوا فرقة للتأليف والتلحين والغناء ساهم فيها العديد. لم تقتصر الفرقة على أشعار (نجم) فغنت لآخرين أمثال: (فؤاد قاعود)، و(نجيب سرور)، و(توفيق زياد)، و(زين العابدين فؤاد)، و(آدم فتحي)، و(فرغلي العربي)، وغيرهم. زلزلت هزيمة يونيو 1967 الشيخ (إمام) فسادت نغمة ساخرة بعض أغانيه مثل: (الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا)، و(يعيش أهل بلدي وبينهم مفيش.. تعارف يخلي التحالف يعيش)، و(وقعت من الجوع ومن الراحة.. البقرة السمرا النطاحة). لكن سرعان ما اختفت هذه النغمة وحلت مكانها أخرى ملئها الاعتزاز مثل: (مصر يا أمة يا بهية.. يا أم طرحة وجلابية).
انتشرت قصائد نجم التي لحنها وغناها الشيخ إمام كالنار في الهشيم داخل مصر وخارجها. فكثر الجدل بشأنها واختلف حولها الناس بين مؤيد ومعارض. استوعبت الدولة الشيخ وفرقته وسمحت بتنظيم حفل في نقابة الصحفيين وفتحت لهم أبواب الإذاعة والتليفزيون، لكن سرعان ما انقلب الحال بعد هجوم الشيخ (إمام) في أغانيه على الأحكام التي برأت المسؤولين عن هزيمة يونيو، فتم القبض عليه هو و(نجم) ليحاكما بتهمة (تعاطي الحشيش) سنة 1969، لكن القاضي أطلق سراحهما. ظلا ملاحقين، (تسجل عليهما) أغانيهما حتى حكم عليهما بالسجن المؤبد، ليكون الشيخ (إمام) أول (سجين غنائي) في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة. قضى الشيخ إمام ونجم الفترة من هزيمة يوليو حتى نصر أكتوبر يتنقلان من معتقل لآخر ومن قضية إلى أخرى، حتى أفرج عنهما بعد اغتيال الرئيس (أنور السادات) (6 أكتوبر 1981).
تلقى الشيخ (إمام)، منتصف الثمانينيات، دعوة من وزارة الثقافة الفرنسية لإحياء حفلات فنية. لاقت حفلاته إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وبدأ جولاته في دول عربية وأوروبية لاقت نجاحات كبيرة. في منتصف التسعينات آثر الشيخ (إمام) -وقد جاوز السبعين- العزلة والاعتكاف في حجرته المتواضعة بحي الغورية حتى توفي في 19 يونيو 1995 تاركاً وراءه أعمالاً فنية نادرة. من أشهر أغاني (إمام) : (بقرة حاحا)، و(شرفت يا نكسون بابا)، و(يا بلح أبريل)، و(الحمد لله)، و(يا خواجه يا ويكا)، و(يا فلسطينيا)، و(مصر يا أمه يا بهية)، و(جيفارا مات).
(الأرض بتتكلم عربي) من منا، كبيراً أو صغيراً، لا يعرف الشيخ (سيد مكاوي).. (المسحراتي)، وصاحب (الليلة الكبيرة). (سيد مكاوي) (1928-1997)، من مواليد حي الناصرية في (السيدة زينب) له مكانه ومكانته في حقل الموسيقى والطرب العربي الأصيل. كـف بصره صغيراً فوجهته أسرته لحفظ القرآن الكريم. في شبابه انطلق (مكاوي) ينهل من تراث الإنشاد الديني لكبار المقرئين والمنشدين متمتعاً بذاكرة موسيقية قوية.
كون الشيخ (سيد) مع الأخوين إسماعيل ومحمود رأفت، ما يشبه التخت لإحياء حفلات الأصدقاء. في بدايته بدا (مكاوي) مهتماً أكثر بالغناء، ساعياً لأن يكون مطرباً. تقدم للإذاعة، بداية الخمسينات، فتم اعتماده كمطرب. قام بغناء أدوار وموشحات تراثية على الهواء في مواعيد شهرية. ثم تم تكليفه بغناء ألحان خاصة، كانت أولها (محمد)، وهي ليست من ألحانه بل من ألحان صديقه (عبدالعظيم عبدالحق) . أما الثانية (تونس الخضرا) فكانت للملحن (أحمد صدقي).. أغنيتان وحيدتان غناهما (مكاوي) من ألحان غيره.
بدأت الإذاعة المصرية، منتصف الخمسينات، تتعامل مع (مكاوي) كملحن ومطرب.. أسندت إليه الأغاني الدينية فقدم للشيخ (محمد الفيومي) الكثير مثل: (تعالى الله أولاك المعالي)، و(آمين آمين)، و(حيارى على باب الغفران)، حتى توجها بأسماء الله الحسنى. كما قدم أغان شعبية خفيفة مثل: (آخر حلاوة ما فيش كدة)، و(ما تياللا يا مسعدة نروح السيدة) للشاعر (عبدالله أحمد عبدالله). بدأ مع الفنان (محمد قنديل) في أغنية (حدوتة) للشاعر (صلاح جاهين)، رفيق كفاح (سيد مكاوي).
قدم الشيخ (سيد) العديد من الألحان الإذاعية الوطنية والشعبية. كانت بداية شهرته الطاغية لحن لـ(شريفة فاضل): (مبروك عليك يا معجباني يا غالي)، وكذا اللحن الأشهر لـ(محمد عبدالمطلب): (أسأل مرة عليه) الذي دوى في أنحاء مصر عاكساً عبقريته المتمثلة في: شدة بساطته، وعمق مصريته، التي استمدها من مدرستي: (سيد درويش التعبيرية)، ومدرسة (زكريا أحمد التطريبية).
بدأ تهافت المطربين والمطربات على (مكاوي) فقدم أعمالاً للمطربة ليلى مراد (حكايتنا إحنا الاتنين)، و(شادية) (هوى يا هوى ياللي إنت طاير)، و(همس الحب يا أحلى كلام)، ولـ(صباح) (أنا هنا يا ابن الحلال)، وللفنانة وردة الجزائرية مجموعة كبيرة من الأغاني الناجحة مثل: (أوقاتي بتحلو)، و(قلبي سعيد)، و(شعوري نحيتك) و(ياماليالي).. إلخ. أما (فايزة أحمد ( فكان أول لحن تقدمه للإذاعة من ألحان (مكاوي) وهو (يا نسيم الفجر صبح). كما لحن (مكاوي) لكوكب الشرق (أم كلثوم) أغنيات من أهمها (يامسهرني) وقدم أغنية (أوقاتي بتحلو) التي كان من المفترض أن تغنيها أم كلثوم قبل وفاتها إلى (وردة الجزائرية).
لما حظيت الدراما والتمثيليات الإذاعية بإقبال جماهيري كبير. فكان له الفضل في المبادرة بوضع عشرات المقدمات الغنائية لمسلسلات شهيرة للفنان أمين الهنيدي ومحمد رضا وصفاء أبو السعود مثل مسلسل شنطة حمزة ورضا بوند وعمارة شطارة وحكايات حارتنا وغيرها كثير. راعى (مكاوي) في تلحين هذه المقدمات أن تكون بشكل كوميدي خفيف الظل، حيث كان هو شخصياً خفيف الظل، ومن ظرفاء عصره.
خلال شهر رمضان دأبت الإذاعة المصرية على تقديم حلقات (المسحراتي) عاهدة لأكثر من ملحن لتقديمها: أحمد صدقي ومرسي الحريري وعبدالعظيم عبدالحق، الذين كانوا يقدمونها مع فرقة موسيقية. لما أسندت لمكاوي اشترط أن يقوم هو بغنائها، وقرر الاستغناء نهائياً عن الفرقة الموسيقية مكتفياً بالطبلة المميزة لتلك الشخصية، فحققت نجاحاً منقطع النظير. بدأ (مكاوي) في تقديم المسحراتي مع الشاعر العبقري (فؤاد حداد) الذي صاغها شعراً. ظل يقدم المسحراتي بنفس أسلوبه حتى وفاته وهو أسلوب على بساطته الشديدة يعتبر بصمة فنية مهمة في الكلمات ومحطة من المحطات اللحنية المتفردة في التراث الموسيقي الشرقي.
اهتم (سيد مكاوي) كثيراً بالقضايا الوطنية والقومية. ففي أثناء عدوان 1956 على بورسعيد قدم أغنية جماعية، كانت من عيون أغاني المعركة، وهي أغنية: (حنحارب حنحارب كل الناس حتحارب) .أما في حرب 1967 عقب قصف مدرسة (بحر البقر) فقدم أغنية: (الدرس انتهى لموا الكراريس)، للفنانة شادية، وعقب قصف مصنع (أبو زعبل) قدم أغنية جماعية هي: (احنا العمال إللي اتقتلوا)، والأغنيتان للشاعر الكبير (صلاح جاهين).
في افتتاح بناء السد العالي غنى سيد مكاوي أغنية ترحيب بأول رائدة فضائية من كلمات صلاح جاهين وهي أغنية: (فالنتينا..فالنتينا..أهلاً بيكي نورتينا)، كما قدم للشاعر فؤاد حداد: (مصر مصر دايماً مصر)، وأغنية (مافيش في قلبي ولا عينيا إلا فلسطين).
اجتذب المسرح الغنائي، أيضاً، هذا الملحن الموهوب. ففي عام 1969 اشترك (مكاوي) في أوبريت (القاهرة في ألف عام) على مسرح (البالون) من خلال الفرقة الغنائية الاستعراضية، فعمل مع كبار ملحني هذا الوقت: محمود الشريف، وأحمد صدقي، وعبدالعظيم عبدالحق، ومحمد الموجي، وكمال الطويل. قدم مكاوي في هذا الأوبريت ستة ألحان: لحن المماليك، ولحن بناء القاهرة، ولحن البياعين، ولحن عيد الفطر، ولحن الحاكم بأمر الله، ولحن يا مصر افتحي قلبك. كان للنجاح المدوي لهذا الأوبريت ولتألق ألحان سيد مكاوي في هذا العمل أن أسند إليه المسؤولون بمسرح البالون تلحين الأوبريت التالي منفرداً فكان أوبريت (الحرافيش) والذي حظي بإقبال جماهيري واسع النطاق وحقق نجاحاً مشهوداً.
انطلق (مكاوي) يصول ويجول في المسرح الغنائي فقدم على مدار السنين من الأعمال المسرحية المهمة: (دائرة الطباشير القوقازية، الصفقة، مدرسة المشاغبين، سوق العصر، هاللو دوللي). ولمسرح العرايس: (قيراط حورية، حمار شهاب الدين، الفيل النونو الغلباوي)، و(الليلة الكبيرة) التي سبق تقديمها في نهاية الخمسينات للإذاعة المصرية كصورة غنائية مدتها ثمان دقائق فقط. هذا الأوبريت حقق نجاحاً غير مسبوق مازال مدوياً حتى الآن. كما قدم سيد مكاوي للإذاعة المصرية الكثير من ألحان الصور الغنائية والتي تعتبر لوناً من ألوان المسرح الغنائي مثل: (سهرة في الحسين، وعلى دمياط، وهنا القاهرة، وغيرها) إلى جانب عشرات الألحان الإذاعية.
في أعمال سيد مكاوي الإذاعية محطتان مهمتان لاحتوائهما على كثير من بدائع موسيقانا الشرقية: محطة صاغها شعراً (صلاح جاهين) وهي (الرباعيات) التي قدمت من خلال إذاعة صوت العرب في نهاية الستينات في حلقات يومية وحققت شهرة واسعة وشيوعاً كبيراً مما حدا بالمطرب علي الحجار إلى استئذان (مكاوي) في إعادة تقديمها بصوته، فوافق (مكاوي). أما الثانية حلقات: (نور الخيال، وصنع الأجيال) وهو ديوان شعري كامل للشاعر (فؤاد حداد) يصف فيها القاهرة العظيمة وما مر بها من أحداث عبر التاريخ، وقدم من خلال إذاعة البرنامج العام خلال شهر رمضان عام 1968. هذا البرنامج له مقدمة غنائية شهيرة: (أول كلامي سلام) قام بغنائها (مكاوي). من خلال ثلاثين حلقة قدم (مكاوي) العديد من الأصوات الجديدة والمواهب الشابة التي شاركته في الغناء مثل: (ليلى جمال، وزينب يونس، ووجنات فريد، وعبدالحميد الشريف). حوى هذا البرنامج أشهر أغاني (مكاوي): (الأرض بتتكلم عربي). إنه عمل ملحمي مليء بالتراكيب اللحنية الشائقة والمركبة ومرجعاً مهماً للملحنين الجدد في التعرف على كيفية التسلسل اللحني، وحسن النقلات الغنائية.
وبعد.. فهذه نماذج من قائمة طويلة من الفنانين المعممين لا يتسع المقال ولا المقام لحصرها كلها. فهناك أيضاً: الشيخ (أمين حسنين)، و(علي المغربي)، و(علي الحارث)، و(سيد الصفتي)، و(سيد مرسي)، و(إسماعيل سكر)، و(أحمد الحمزاوي)، و(حامد مرسي) وغيرهم. لم تكن رحلتهم سهلة ميسورة، لكن جمعت بينهم خصائص منها: موهبة فذة، وصوت قوي، وعلم موسيقي غزير، وأداء متميز في الإنشاد الديني، وفي الطرب والغناء والتلحين. يكفيهم أنهم أشاعوا (الفن الجميل) و(الطرب الأصيل) بين الناس.. عامتهم وخاصتهم، وغيروا من شيوع (الفن التركي) (الفن الصالوني) الذي احتكره الولاة والوجهاء والأعيان. لقد كانوا مزيجاً فريداً متميزاً، ترك (إرثاً فنياً)، و(أثراً ذوقياً) على جمهور المتلقين.
فعلى عكس الموسيقى الغربية الآلية.. موسيقانا العربية في الأساس (نغمة صوتية). يلعب الطرب دوره الكبير فيها، بينما تحتل الآلات دوراً ثانوياً. و(الطرب): خفة وهزة تثير النفس لفرح أو ارتياح أو حتى حزن. (طرب) منه، أو له طرب: خف واهتز. ويقال طرب للغناء، و(أطربه): جعله يطرب، و(التطريب): ترجيع الصوت وتحسينه. أما (المطرب): المغني الحسن الصوت والأداء. أما (غنى)، و(غناء): ترنم بكلام موزون مصحوب بموسيقى أو غير مصحوب بها. فرق كبير بين المطرب والمغني، فـ(كل مطرب مغن، وليس كل مغن مطرباً). فالأول مؤد موهوب له القدرة على الإجادة، الارتجال الناجح، التجاوب مع الجمهور، الإبداع داخل العمل الغنائي على أشكاله. أما الثاني فهو حكاء له طاقة صوتية تمكنه من الترنم لمحاكاة أغنية يحفظها.
جملة القول: إن نظرة عجلى إلى واقعنا الغنائي العربي المعاصر، تنبئ عن بون شاسع بين ما كان وما هو كائن. نعم.. إن الزمن يدور دورته وليس بالمقدور إيقافه أو إرجاعه إلى الوراء، لكن مع ذلك ليس معناه أن نرى ما نرى من (عموم بلوى) فضائيات العري، وفيديو كليبات لا تمت إلى الغناء فضلاً عن الطرب بصلة. لقد كان المطربون والموسيقيون (المعممون) أرفع مرتبة، وأقدر على الأداء الغنائي، الموسيقي الخلاق لجمعهم بين الطاقة الصوتية، والمهارة الموسيقية التلحينية، فضلاً عن الثقة والخصوصية والقدرة الإبداعية. لقد ارتقوا بالموسيقى العربية، والذائقة الفنية، وأصلوا للطرب والموسيقى العربية. لقد أسهموا في بواكير النهضة الفنية والثقافية المعاصرة.


ذو صلة