مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الجنادرية 26: عبق التاريخ بنتاج الحاضر

تشكل محاور مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة ملمحاً بارزاً في سياق التناول الثقافي والسياسي والاقتصادي للقضايا التي يمر بها العالم العربي والإسلامي، وذلك من خلال تخصيص موضوع معين كل عام يقدم فيه الباحثون والمفكرون أوراق عمل حول محور يلامس أهم الأحداث التي تمر بها المنطقة.
حيث جاءت محاور هذا العام متنوعة تلامس أهم القضايا التي تعصف بالعالم. فالمحور الأول جاء تحت عنوان (مجتمع المعلوماتية واقتصاد المعرفة). ولأهمية العلاقة بين الإسلام والغرب جاء المحور الثاني بعنوان الغرب والإسلام فوبيا. وللدور الذي تقوم به المملكة على مستوى العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً كان المحور الثالث تحت عنوان المملكة والعالم: رؤية إستراتيجية.

ويعد مهرجان الجنادرية مناسبة وطنية يمتزج في نشاطاتها عبق التاريخ بنتاج الحاضر الزاهر. ويهدف من خلال أنشطته للتأكيد على الهوية العربية، وتأصيل الموروث الوطني والمحافظة عليه، ليبقى ماثلاً للأجيال القادمة. وفضلاً عن الأهمية الثقافية والتأريخية للمهرجان؛ فإن هناك أبعاداً أخرى تتمثل في تأسيس ذاكرة للتراث والتقاليد والقيم العربية الأصيلة.
وقد افتتحت فعاليات المهرجان برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز -حفظه الله- يوم الأربعاء (9/5/1432هـ 13/4/2011م) بحضور أكثر من 350 مفكراً وأديباً من مختلف دول العالم، وقد تضمن حفل الافتتاح أوبريت حمل هذا العام عنوان (فرحة وطن)، وهو من  كلمات الشاعر عبدالله الشريف وألحان الفنان صالح الشهري والفنان رابح صقر، وغنى الأوبريت عدد من نجوم الأغنية السعودية يتقدمهم الفنان محمد عبده وعبدالمجيد عبدالله ورابح صقر وراشد الماجد وعباس إبراهيم. وأشرف عليه إخراجياً فطيس بقنه.
 وقد حلت اليابان هذا العام ضيف شرف على المهرجان، وذلك امتداداً للتقليد الثقافي الذي ينتهجه المهرجان في ترشيحه كل عام دولة صديقة، حيث لفت جناح اليابان انتباه الزائرين من خلال عروضه ومشاركاته المميزة.
واشتمل النشاط الثقافي للمهرجان في دورته السادسة والعشرين، على عدة ندوات تركزت حول محاور مهرجان هذا العام.
وقد أجمع المحاضرون في ندوة: (مجتمع المعلوماتية واقتصاد المعرفة) على أن صنع الثروة الثورية في عصرنا الحاضر يعتمد بالدرجة الأولى على اقتصاد المعرفة أو ما يعرف بـ (الموجة الثالثة)، مشددين على أهمية المعرفة في خلق الثورة، وأثرها السريع في عبور الحدود بين الأمم في عالم يموج بالمتغيرات ويشهد تواصلاً معرفياً دائم النمو والتغير، نافين أن تكون الثورة محصورة في المال فقط.
 وخلال هذه الندوة التي أدارها الدكتور عبدالرحمن الحبيب استعرض الدكتور محمد بنتن خدمة الشبكة العالمية، ونوه بقدرتها الفائقة على إنتاج وتخزين واستخدام المعلومات، وتطرق كذلك إلى ما وصلت إليه المملكة من خلال استخدام المعرفة والاهتمام بها في مجالات تطبيقية وتعليمية متعددة. وقدم الباحث أيمن الصياد ورقة بدأها بلمحة سريعة عن المصطلحات التي يجب التنبه لها للتفريق بين العلم والمعرفة. أما ورقة الدكتورة أسماء باهرمز فقد تطرقت إلى تجربة المفكر إلفن توفلر، متناولة مؤلفاته بالشرح والتحليل. من جانبه قدم الدكتور نبيل علي ورقة عمل بعنوان العالم العربي وقوة المعرفة. كما ركّز أدماء سيما سيكو في الورقة الأخيرة من هذه الندوة على أثر العولمة في إذابة الخصوصية.
 وفي محور  (الغرب والإسلام فوبيا) شارك في الندوة التي أدارها وكيل وزارة الشؤون الإسلامية د.عبد الله اللحيدان؛ كل من د.رشيد الخيون (من العراق)، بورقة عمل حملت تعريفاً بمصطلح (الإسلاموفوبيا)، متناولاً النشأة التاريخية وعلاقة المسلمين بغيرهم.
فيما أوضح د.سعيد اللاوندي (من مصر) أن ظاهرة (الإسلاموفوبيا) جديدة، موضحاً ارتباطها بالتغيرات السياسية والأحداث الإقليمية والدولية التي شهدتها المنطقة. فيما عرف د.مفرح القوسي مصطلح (الإسلامو فوبيا)، لافتاً إلى الجهود التي قامت بها الهيئات الرسمية والمؤسسات العلمية والمراكز البحثية في العالم الإسلامي للتصدي لهذه الظاهرة. من جانبهما تحدث كل من د.أنوار صديقي (من باكستان) ود.سيد عطا الله مهاجراني (من إيران) عن مصطلح الإسلامفوبيا، ولفتا إلى أهمية توضيح الصورة الحقيقية للإسلام، واستغلال الفرص من خلال نشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيح في الإعلام الغربي.
كما شاركت في الندوة الثانية من هذا المحور تحت عنوان (الإسلامفوبيا.. رؤية السياسيين) وزيرة الشؤون الخارجية والتعاون سابقاً في موريتانيا الناها بنت حمدي ولد مكناس بورقة عنوانها «الإسلامفوبيا وخلط المفاهيم». بعدها تطرق د.طارق متري في ورقته للتجاهل التاريخي لما يتعرض له الإسلام والمسلمون من اعتداء مدللاً على ذلك بعدة أحداث تاريخية. كما تحدث الرئيس حارث سيلازدتش عن طبيعة العلاقة بين مصطلح الإسلام فوبيا والعداء الذي يجده المسلم من الغرب.
و أشار وزير الدولة للشؤون الخارجية د.نزار مدني في مشاركته إلى ما أصاب الدولة الإسلامية من تجريد الأمة الإسلامية من مخزونها الفكري ما جعلها في مفترق الطرق بسبب التحولات التي طرأت مؤخراَ.
 وفي المحور الذي حمل عنوان المملكة والعالم: رؤية إستراتيجية للمستقبل؛ أقيمت ندوة عن (العلاقات الدولية والسياسة الخارجية للمملكة) أدارها الدكتور عبدالعزيز العويشق. وفي بداية الندوة قدم الأمير تركي بن محمد بن سعود ورقة عمل ركزت على الجوانب التطبيقية للسياسة الخارجية للمملكة. بعد ذلك تطرق الدكتور محمد الحلوة للتحديات التي تواجه المملكة. ثم تناول الدكتور محمد المسفر محاور السياسة الخارجية للمملكة.عقب ذلك قدم الدكتور صالح الخثلان ورقة عمل تناول فيها تفاعل المملكة المستمر مع البيئة الدولية من خلال سياستها الخارجية.
كما افتتح وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز بن محيي الدين خوجة ندوة (المملكة والعالم رؤية إستراتيجية للمستقبل..التحدياث الثقافية). وبدأت الندوة التي أدارها محمد رضا نصر الله بورقة للدكتور عبدالله مناع استعرض فيها تاريخ الدولة السعودية.
فيما تناولت الدكتورة عزيزة المانع في الورقة التي قدمتها التحديات الثقافية التي تواجه المرأة. وأوضح الدكتور عبدالله البريدي في ورقته أنه لا يوجد لدينا مشروع حضاري في البلدان العربية، مشدداً على أهمية التعمق لتحقيق ذلك المشروع.
كما شاركت الدكتورة هتون الفاسي بورقة عمل حملت عنوان (التحديات الثقافية التي تواجه المرأة السعودية). وأشار خالد الفرم في ورقته إلى التحولات الجادة المستجدة في الإعلام الجديد والتأثيرات الاجتماعية.
شهد المهرجان إقامة ثلاث أمسيات شعرية في كل من الرياض وجدة والدمام. وكان للمرأة حضورها الثقافي من خلال الندوات النسائية التي أقيمت في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن.
كما شارك ضيوف المهرجان في العرضة السعودية التي يرعاها خادم الحرمين الشريفين، وهي من أهم نشاطات المهرجان الوطني للتراث والثقافة، حيث تعبر عن وحدة الوطن واتحاد الشعب والقيادة.
وتأتي (مسابقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم والسنة النبوية للطلاب والطالبات) في صدارة برامج المهرجان الوطني للتراث والثقافة لتجسد اهتمام خادم الحرمين الشريفين ــ يحفظه الله ـ بمصدري التشريع الإسلامي (الكتاب والسنة).
وتعتبر الأنشطة التراثية والشعبية في مهرجان الجنادرية أحد المكونات الرئيسة للقرية في الجنادرية. ومثلت الفنون التشكيلية لهذا العام نقلة نوعية عن الدورات السابقة من خلال إحداث موقع جديد وثابت لمعرض الفنون التشكيلية بقرية المهرجان. واحتوى المعرض على عدة أجنحة تتمثل في جناح الفنون التشكيلية (الرسم) على اختلاف مدارسه واتجاهاته الفنية الحديثة، وجناح الخط العربي وفنونه. ولأول مرة يعرض بصالة الفنون التشكيلية مشاركات الخط العربي وفنونه، بمشاركات لعمالقة الخط العربي على مستوى العالم، وجناح التصوير الضوئي الاحترافي. حيث بلغ إجمالي المشاركات الفنية الإجمالية المقدمة 200 عملا منوعاً، تخللتها مشاركات مميزة خصوصاً من دول مجلس التعاون.
ذو صلة