مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

صمتُ العقير

ينتجعون بانتشاء ناعم على شاطئ العقير، حيث الرمال الصفراء تتراقص وتذوب في لون البحر الأزرق، مجموعة رجال تائقون للمكان، ثم وقفوا يتأمّلون الأفق البعيد. البحر أمامهم كأنه نسخة أحلام لم يعشها أحد منهم، وضفافه المنبسطة تحت أقدامهم كتبت عليها أسرار ومشاعر مختلفة بأحرف غير مرئية.
هناك حيث أصوات الأمواج قيثارة للمستراح، ورائحة البحر تشنيفة للنفس، وملمس الرمال إحساس يفرغ أتعاب الزمن.. تجولوا في المكان بعناية، حتى انتهوا إلى حجارة مبنى الجمارك الذي صمتت جدرانه على أصوات التجار والمسافرين، يلامسونه، يتأملون قلعته التي حرست الميناء سنين عجاف، ثم وقفوا عند الخان بصمت رخيم، متخيلين أصوات القوافل تملأ ساحته الحضن الرحيم. وعند مبنى الإمارة، تخيلوا كيان الحاكم منتصباً، مشرئب العنق، يراقب البحر، والمسجد على الناصية الحسنة، يصدح عبر الريح في أذانه. لمسوا أطرافاً كثيرة، حتى أطراف برج أبو زهمول، الذي كأنه ينتظر من يعيد إليه قصصه المنسية.
تبادلوا النظرات المستأنسة، المشاعر الندية، الهمهمات البهيجة.. تبادلوها بمجمل لغات النشوة.. وحينذاك، عثروا على معثورات متناثرة: أوانٍ فخارية ساسانية تفضح معادنها البسيطة، دفنت أنصافها وكأنهم يريدون أن تدفن الأنصاف الأخرى معهم، قطع مزججة بلون الفيروز الأزرق الذي ينقل صورة ماض هشّ قاس، دينار طبع في عهد الطولونيين نقش عليه صقر يلتفت إلى الوراء يحذرهم من شيء لم يدركوه، وقطعة حجر عليها خربشات مبهمة كأنها رسالة عليهم فكّ رموزها المحكمة. أدركوا بأن كل شيء يعثرون عليه يروي زمناً كريماً قبل أن ينحسر، ترك لهم ما يوقظ فيهم أسئلة لم يكن لها أجوبة واضحة، تشبه الثقوب التي في الفخار المكسور، مرئية لكنها تستعصي على الإصلاح.
عبدالله، أكثرهم التصاقاً بالمكان، كأن ذاكرته مثقلة تخبئ حكايات لم يبح بها بعد. بينما كان سعيد، ابن صياد عجوز، يحدّق في الأمواج كما لو كان ينتظر ظهور شبح ما.
تجولوا بين معالم المكان المتراصّة، حيث تتنفس الجدران ذكريات مثل رئة قديمة. مرّوا ببطء عبر مبنى الجمارك الشاكي تهالكه، بينما همهمات بحارة غابرين تنساب من شقوقه كدخان سجائر منطفئة. عند القلعة التي تقوقعت على نفسها كعجوز يحتمي من رياح الزمن، لمس عبدالله جدرانها الخشنة، فانحنى ظهره فجأة وكأن الحجارة نقلت إليه ثقل قرون من الصمت.
قال بصوت عالٍ:
- إنها ترتجف!.
بينما يضغط كفّيه على السطح الصخري، كقلب يخفق تحت طبقات التراب.
مرّوا بالخان، حيث روائح توابل لم تعد تباع هنا تتسلّل إلى أنوفهم، كأن السوق لم يغلق يوماً. عند برج أبو زهمول، وقفوا صامتين. عيناه الحجريتان تراقبانهم بصرامة، كأنه يتذكر من مرّ من هنا قبل قرون. وفي إحدى زوايا الميناء، كانت سفينة مطمورة جزئياً تحت الرمال، كجثة هائلة غمرها النسيان.
اقترب عبدالله، مدّ يده ولمس أخشابها العتيقة بحذر، فانتفضت الذكريات في الهواء كطيور مذعورة. أخذ كل واحد منهم يروي قصته ويقول:
هذه سفينة جدّي، كان ربانها.
مستحيل! بل جدّي كان القبطان، وهذا إرثنا.
لا، بل هي سفينة أجدادنا جميعاً!.
وفي خضم الجدل، هبّت موجة غير متوقعة. صعد زبدها ككف بيضاء ممدودة، لامست حواف السفينة، كأنها تحاول إعادتها إلى البحر. للحظة، شعروا أن أصواتاً تتردد بين الريح، نداءات خافتة، أو ربما كانت الأمواج تفضح أسراراً لا يفهمونها.
تصاعد النزاع، كأن أصوات البحارة القدماء تتسلّل إلى ألسنتهم، حتى جاءت الشرطة لتفرّق بينهم.
وفي اليوم التالي، حين عاد الرجال إلى الميناء، لم يجدوا السفينة. تلفتوا حولهم بذهول، بحثوا عنها كمن يبحث عن ظلّه في الظهيرة، حتى جاءهم الخبر:
(السفينة جلبت إلى أحد ميادين دوار السيارات في مدينة المبرّز).
وقفوا عندها هناك، تحت ضوء المصابيح، ينظرون إليها وهي تستقر وسط الميدان كأنها فقدت صلتها بالبحر. لم تكن مجرد سفينة قديمة بعد الآن، بل نصب تذكاري لشيء ما، شيء لم يحسمه أحد منهم بعد.
أعجبهم موقعها الجديد، أثارهم جمالها وهي تتوسط المدينة كرمز من الماضي البعيد. لكن في الأفق، كان برج أبو زهمول يظهر ببطء من بعيد، يراقب السفينة بصمت، كأنه لم يزل حارساً عليها. لا يكتفي بتأمل حكاية لم يكتمل سردها قط، بل يبقى متألماً حزيناً على فقدها من عنده إلى الأبد.

ينتجعون بانتشاء ناعم على شاطئ العقير، حيث الرمال الصفراء تتراقص وتذوب في لون البحر الأزرق، مجموعة رجال تائقون للمكان، ثم وقفوا يتأمّلون الأفق البعيد.

ذو صلة