على مشارف مدرسته الابتدائية، كان يفكر في عذر ينجيه من عصا المراقب، لتأخره عن طابور الصباح، ولما دلف إلى ساحة المدرسة، كانت يده ثقيلة من حمل وسائل الإيضاح، حيث درسه المهم في التعاملات مع الآخرين، تحسس رأسه فإذا عقاله منصوب بإحكام فوق غترته التي كواها بنفسه البارحة.
لا شك أن هندام المدرس ينم عن شخصيته، فمضى قدماً في طريقه إلى العلا، حتى ترفع إلى مرتبة مفتش، ثم ما لبث أن كرم في حفل بهيج بتعيينه مديراً لأحد الأقسام التعليمية.
لمس وجهه وهو ينظر إلى المرآة، فوجد الشيب قد خالطه وتجاعيد ما بعد التقاعد، فأعد العدة على تحمل حياته الجديدة القادم عليها، وربما القادمة عليه، فاشتبك في تجارة الأسهم والمضاربات، فدرت عليه أرباحاً طائلة، وفي كل مرة يعد عذراً لكل أمر سيقدم عليه، حتى صار ذو شأن في وسطه.
ترك كل شيء وأخذ يعد العدة لما سيقوله عند لقائه القادم برجال الأعمال، الذين وضعوا ثقتهم فيه، ليكون عضواً إدارياً معهم، فرفض واتبع نصيحة الطبيب بالسفر إلى الخارج لإراحة أعصابه، فهذه الدنيا لا تسوى شيئاً، لم يحدد في قرارة نفسه هل ترك الأمر ترفعاً أم زهداً.
لوحة المغادرون أمامه في المطار، فسلكها إلى سويسرا، حيث جنة الله في أرضه. حط رحاله في مطار مدينته عائداً، ولوحة القدوم وجهته هذه المرة، وبفرح غامر، سحب حقيبته إلى فيلته الباذخة، فألفى عائلته قد نصبوا له فخاً في خيمة طرزت بالورود والشموع.
مفاجأة أنسته هداياه التي أحضرها لهم.
أم كلثوم التي يحب سماعها تشدو «القادم أحلى»، انفرجت أساريره، وراح في سبات لم يصح منه إلا على الأذان، فصلى بخشوع لم يعهده من قبل، ثم انطلق يفكر في القادم الجديد، الذي لن يتمنى غيره في هذه الدنيا، وعاهد نفسه على أنه سيكون الأخير، فخانته قواه، وتوجه محمولاً على الأعناق إلى لقائه الأخير.