مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

الحوار والشخصيات في المقامة المغربية وعرس الزين

تأتي هذه الورقة استجابة للدعوة الكريمة التي تلقيتها من (المجلة العربية) السعودية للكتابة في موضوع يتصل بالمقامة العربية الخطابية، ورأيت أن أتناول الحديث عنها مركّزاً على الجانب التطبيقي الذي يعكس السمات اللغوية للمقامة العربية، موازناً بينها وبين رواية عرس الزين للطيب صالح. ويأتي ترتيب الورقة على الوجه الآتي:
مفهوم المقامة والرواية ونقاط الالتقاء بينهما
تعرف المقامة بأنها (المجلس الذي يُتحدث فيه)، (والمقامات أقاصيص قصيرة، تحكي مغامرات أديب ظريف، يحتال بفصاحته الأدبية، وبراعته الأسلوبية على الناس فيصطاد منهم الأعطيات). ويعد الهمذاني أول من أعطى المقامة معناها الفني أو الاصطلاحي.
ويمكن أن تُعد المقامة نواة للرواية العربية الحديثة، حيث تجمع بين فنون السرد والحوار الخطابي البليغ، وتعكس ما يدور في المجتمعات، ويبدو هذا واضحاً في روايات الطيب صالح.
ومما تلتقي فيه المقامة والرواية: الحوار والخطابة. والمقامة تعتمد بشكل كبير على الخطابة والحوار البليغ، وهو ما يظهر في الروايات جزءاً من تفاعل الشخصيات. وبجانب الحوار السردي تلتقي المقامة مع الرواية في الشخصيات التي هي محور الحوار، فضلاً عن عكسهما للواقع الاجتماعي، وإبراز الزمان والمكان.
الشخصيات والحوار في المقامة المغربية للحريري
تعكس المقامة المغربية عنده ما كان يدور بين أفراد المجتمع في مجالس سمرهم، وقد اتخذ راوياً لسرد أحداث هذه المقامة التي استهلّها بقوله: «حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: شهِدْتُ صَلاةَ المغْرِبِ. في بعضِ مساجِدِ المغرِبِ. فلمّا أدّيتُها بفضْلِها، وشفَعْتُها بنَفْلِها، أخذَ طرْفي رُفقَةً قدِ انتَبَذوا ناحيةً، وامْتازوا صَفوةً صافيَةً، وهُمْ يتعاطَونَ كأسَ المُنافَثَةِ، ويقتَدِحونَ زِنادَ المُباحثَةِ، فرغِبْتُ في مُحادثتِهِمْ... فسعَيْتُ إليهِمْ، سعْيَ المتطفّلِ عليْهِمْ، وقلتُ لهُمْ: أتقْبَلون نَزيلاً يطلُبُ جنى الأسْمارِ، لا جنّةَ الثّمارِ، ويبْغي مُلَحَ الحِوارِ، لا مَلْحاءَ الحُرارِ، فحَلّوا ليَ الحِبى، وقالوا: مرْحباً مرحَبا».
ويُظْهِر هذا النص الراوي وهو الحارثُ بنُ هَمامٍ، كما يُبيِن المكان والزمان اللذين دار فيهما الحوار بين الراوي وجلساء السمر، ويُطلعنا على طلبه منهم واستجابتهم له. وقد برزت فيه هذه اللغة الأدبية العالية التي تماسكت نصوصها بفضل توافر عناصر لفظية على رأسها الضمائر، كما احتشد في هذا النص عدد من عناصر الانسجام الدلالي، مثل المعطوف والمعطوف عليه، والصفة والموصوف، والحال وصاحبه، فضلاً عن توافر بعض عناصر الترابط المعجمي مثل التكرار لكلمة (المغرب)، وعبارة (مرحباً مرحبا)، فضلاً عن التضام الذي حفل به النص في المقابلة بين عدد من الكلمات والعبارات مثل: (فلما أديتُها بفضْلِها، وشفَعْتُها بنَفْلِها).
الشخصيات والحوار في رواية عرس الزين
وتلتقي رواية عرس الزين للطيب صالح مع المقامة المغربية في: الشخصيات، والحوار، وإبراز المكان والزمان ونوع السمر. ويذهب أحد الباحثين إلى أن الراوي في عرس الزين هو الطيب صالح نفسه، وهو ابن بيئة الراوية، الملم بتفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية. يقول: «كان صوته صوت مفكرٍ ومحللٍ خَبِر تلك الحياة الريفية بأدقِ تفاصيلها، فكان هو الراوي المهيمن العالم بكل شيء».
ويعطي الطيب صالح وصفاً دقيقاً لشخصية الزين البطل الرئيس للرواية بقوله: «أول ما مس الأرض انفجر ضاحكاً وظل هكذا طول حياته. كبُر وليس في فمه غير سنيْنِ... كان وجه الزين مستطيلاً، ناتئ عظام الوجنتين والفكين، وتحت العينين جبهته بارزة مستديرة، عيناه صغيرتان محمرتان دائماً...».
ووقعت أحداث الرواية في هذا النص في ليلة من ليالي السمر حيث «كان اللقاء بين سيف الدين الابن المدلل لأحد الصاغة بالقرية، والزين الذي أوصلته إحدى مغامراته العاطفية لإبداء الإعجاب بأخته، والإعلان عن الرغبة في الزواج منها، وكان سيف الدين قد ضرب الزين على رأسه بالفأس، ولم ينس الزين هذا الاعتداء، وقد واتته الفرصة الآن للانتقام منه». وقد اشتهر الزين بقوته، ويُبين الطيب صالح هذا بقوله: «تدفقت في جسم الزين النحيل قوة مريعة جبارة لا طاقة لأحد بها. أهل البلد جميعاً يعرفون هذه القوة الرهيبة ويهابونها، وأهل الزين يبذلون جهدهم حتى لا يستعملها الزين ضد أحد... وسيف الدين، هذه الفريسة التي انقض عليها الزين الآن، إنه لا محالة هالك».
ويتابع الطيب صالح ما يتصل بالحوار والشخصيات بقوله: «واختلطت أصواتهم برهة، كان الزين يردد في غضب (الحُمار الدكر لازم أكُتْلُه). وارتفع صوت عبدالحفيظ في توتر وخوف: (الرسول، الزين، عليك الله خليهُ). وأخذ محجوب يشتم في يأس. وكان أحمد إسماعيل أصغرهم سناً، وأقواهم، ولما أعيته الحيلة عض الزين في ظهره. وكان الطاهر الرواسي رجلاً مشهوراً بقوته... لكن قوته لم تكن شيئاً بجانب الزين».
وجاء الفرج بظهور الحنين الشيخ الزاهد صاحب الزين «لكن صوت الحنين ارتفع هادئاً وقوراً فوق الضجة: (الزين المبروك، الله يرضى عليك)، وانفكت قبضة الزين ووقع سيف الدين على الأرض هامداً ساكناً، ووقع الرجال الستة دفعةً واحدة، فقد فاجأهم صوت الحنين وباغتهم الزين بسكوته المفاجئ، فكأن حائطاً أمامهم كانوا يدفعونه، انهد بغتة».
ويعكس هذا النص والذي سبقه عناصر السرد، ومضمون الحوار وشخصياته، وما ترتب عليه من استجابة الزين للحنين الذي أنقذ سيف الدين، كما يوضح الشخصيات، والحوار، والزمان، والمكان.
وفي هذين النصين من رواية عرس الزين نلاحظ تحقق الترابط اللفظي، بفضل الضمائر، والإشارة، وصيغ الموصول، والنداء الذي حذفت أداته (الزين المبروك)، كما تحقق الانسجام الدلالي بواسطة المعطوف والمعطوف عليه، والصفة والموصوف، والحال وصاحبه. وهذا ما توافر في المقامة المغربية.

ذو صلة