مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

المقامة وضرورة تفكيك الصورة النمطية

تترسخ في الوعي الأدبي المعاصر - لدى شريحة من النخب - صورة قاصرة عن المقامة الخطابية العربية، حيث يُنظر إليها عادة بوصفها نمطاً فنياً يُفترض أنه استنفد أغراضه الفنية، وظروف وجوده الزمنية، أو نصاً لغوياً شكلياً يتكئ على المهارة الأسلوبية المجردة فحسب، أو صيغةً من صيغ المحاكمة الذهنية التي لا تتعدى حدود التفنن اللغوي وعرض القدرة التركيبية. وغالباً ما يُختزل هذا الفن في سياق هذه القراءات إلى تمرين بلاغي ذاتي، منفصل عن سياقات المجتمع، أو أثر تراثي مُحنط، لا تُستحضَر قيمته فيما يتعدى الإبهار اللفظي أو الزخرف البديعي.
غير أن هذه الرؤية - على انتشارها - لا تنظر إلى كل الحقيقة، ومنها حقيقة الأداء النصي للمقامة، فالمقامة ليست ترفاً أسلوبياً، أو نصاً مؤسساً على الإحالات التزيينية وحسب، مع أن بنيتها التوليدية، ومشخصاتها الفنية تعتمد على السجع وغيره من المحسنات البنائية، التي تخدم التناسب التركيبي والمعنوي، وتمنح المضمون جاذبية من خلال توازن إيقاعي، ولكنها فوق ذلك تجسيد عميق لوعي الذائقة العربية بوظائف اللغة وطبيعتها الإجرائية، وإدراك مبكر لإمكانها في أن تشكل أداة تفكير ونقد وإعادة تمثيل للواقع، لا مجرد حامل بلاغي محايد. إنها بنية نثرية محكمة ومرنة في آن واحد، تمزج بين الصياغة الفنية المتقنة والحمولة الدلالية الكثيفة، مما يتيح إعادة تشكيل المعطى النصي وفقاً للمقام التواصلي وطبيعة المتلقي، وهذا ما يربط الجذر التراثي باللحظة الإجرائية المعاصرة.
وتقوم المقامة، في منطلقاتها الجوهرية، على الأداء اللغوي الشفوي والاستحضار الإدراكي للقضية المطروحة. فهي تُبنى لتُؤدى كما تُكتب، وتُصاغ بحيث يستشعر القارئ فعل الإلقاء نفسه. ومن هنا، تلازمها مع المجالس السردية، والمنابر الخطابية، والمقامات الاجتماعية، حيث تتجاور النبرة الصوتية والإيقاع العباري والمفارقة السردية مع المعنى المستهدف. وهذا ما يمنحها قابلية التشكيل الكتابي والأداء المنطوق معاً، دون أن تتصدع وحدتها الفنية أو يضطرب وضوح خطابها الإقناعي.
والمقامة لم تكن، في تاريخها السجالي، نصاً عازلاً عن مرجعية الواقع، بل قدمت نقداً اجتماعياً جلياً أو ضمنياً، عبرت فيه عن مواطن الشكوى المجتمعية وكشفت عن اختلالات النظام الاجتماعي. لقد عالجت مفاهيم الفقر والثراء، والتفاوت الطبقي الهيكلي، وصراع الحيلة الإدراكية مع السلطة الباطشة. كما لامست المظالم السياسية في زمانها، وإن فعلت ذلك بلغة ذكية تستتر بالتورية الساخرة، بالإضافة إلى ذلك، تناولت قضايا الأخلاق والذوق العام، والسلوك الفردي المنحرف، دون أن تنزلق إلى الخطاب الوعظي المباشر أو التقريرية التعليمية.
وفي الوقت نفسه، احتفظت المقامة بقيمة لغوية تركيبية نوعية، تميزها عن البنية الشعرية المتوازنة من جهة، وترتفع بها عن اللغة التقريرية الوظيفية من جهة أخرى. فهي ليست شعراً متخفياً، ولا نثراً وظيفياً صرفاً، بل صيغة مستقلة، لها منطقها الداخلي وتوازنها الدلالي الدقيق، وقدرتها على الجمع بين الإمتاع الجمالي والإقناع المنطقي، وبين القيمة الجمالية والعمق الدلالي، وهو ما يثبت لها مكانة متفردة ضمن نسق التراث الأدبي العربي.
غير أن هذا الفن، على الرغم من نضجه الوظيفي وثرائه البنائي، قد شهد في العصر الحديث تراجعاً بيناً، كاد أن يجعله مغيباً عن المشهد الثقافي والأدبي. ولا يمكن تفسير هذا الغياب كنتيجة لتطور الذائقة فحسب، بل هو، في جانب كبير منه، نتيجة لانقطاع طويل المدى بين الأجناس النثرية العربية والأجيال الجديدة. فقد تلازم تراجع المقامة مع تحولات أنظمة التعليم، وانحسار البلاغة التطبيقية، وتدهور الثقافة الشفوية الفصيحة، حتى باتت الفنون التراثية تُستقبل بوصفها نصوصاً مغلقة أو أشكالاً متحفية جامدة.
ومع هذا الانقطاع المنهجي اختل الوعي بتعدد الأجناس ووظائفها الإجرائية، فبدلاً من النظر إلى الأدب العربي منظومة متكاملة، لكل جنس فيها منطقه المعرفي ومجاله التعبيري، تم اختزال الإبداع في مسارات ضيقة، ففي هذا السياق، شهد الشعر توسعاً لافتاً، حتى بات يستوعب داخله الخواطر العابرة، والتأملات النثرية الذاتية، والسرد الوجداني، وهي أنماط كان يمكن أن تجد موضعها الطبيعي ضمن فنون نثرية عربية أصيلة كالمقامة والرسالة والنص الخطابي. ولم يكن هذا التوسع دائماً تعبيراً عن وعي جمالي متطور، بقدر ما كان انعكاساً لفراغ هيكلي ناتج عن تهميش الأجناس النثرية التراثية.
وفي الوقت ذاته، بدا الاقتراب من الأشكال الغربية أكثر يسراً وجاذبية، لغرابتها التي توهموا فيها الفرادة من جهة، ولكونها حاضرة ومُشرحة ومتداولة من جهة أخرى، بينما تُركت الفنون العربية القديمة دون إعادة قراءة تأويلية أو تقديم معاصر منهجي. وهنا يبرز دور الانفتاح الواعي الضروري، فالتجديد لا يكمن في محاكاة الآخر، بل في وصل التراث باللحظة الحاضرة بطريقة تستعيد الوظائف الأصلية للفنون النثرية، وتؤهلها للتلقي المعاصر.
لقد تأسست المقامة على مفهوم المقام والسياق، ومرونة البناء السردي، وقدرة النص على التكيف مع المتلقي والزمن. هذه الخصائص التي اعتُبرت فيما بعد مصدر تعقيد أو نخبوية نصية، هي ذاتها ما يجعل المقامة اليوم قابلة للاستعادة في سياقات رقمية حديثة، فهي ليست فناً مجمداً، بل صيغة تعبيرية مفتوحة، يمكن أن تتكيف مع وسائط العصر الرقمي دون أن تفقد روحها الأدائية.
إن تراجع المقامة لا يعود إلى قصور كامن في ذاتها، بل إلى غياب مشروع ثقافي قادر على وصلها بسياق الحاضر. فقد أُقصيت البلاغة التطبيقية عن الممارسة وحُصرت في التعريفات النظرية، وغاب الأداء الشفوي لصالح النص الجامد المقروء. ومع ذلك فإن التحولات الرقمية الراهنة تتيح لنا إمكانات واسعة لإعادة تقديم المقامة عبر الصوت والبودكاست، والفيديو، والمنصات التفاعلية المتنوعة، بما يعيد لها بعدها الشفوي الأصيل، ويقربها من الذائقة الجديدة.
ومن هنا، فإن إحياء فن المقامة الخطابية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه استعادة لشكل تراثي طال عليه الأمد، بل باعتباره ضرورة ثقافية للحفاظ على تعدد وغنى الأجناس النثرية العربية، ولإعادة التوازن البنيوي إلى الخريطة التعبيرية، ولتحرير الشعر من تحميله ما لا ينسجم مع طبيعته الجمالية. فالمقامة ليست أثراً من الماضي المتحفي، بل إمكانية وظيفية مؤجلة قادرة - إذا أُعيد التفكير فيها بوعي نقدي وإجرائي - على أن تستعيد دورها بوصفها فناً للتفكير والسرد والنقد الاجتماعي.

ذو صلة