مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

الأفعال الكلامية في المقامة البغدادية

تعد نظرية الأفعال الكلامية من المقاربات التداولية التي يمكن تطبيقها على أجناس خطابية وأدبية متنوعة، مثل: السرد الروائي والشعر، كدراسة عبدالله بيرم (التداولية والشعر)، والنصوص المسرحية التي تناولها عمر بلخير: تحليل (الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية)، فضلاً عن الخطاب اليومي والسياسي والإعلامي: (التداولية في الخطاب الصحفي) عباس العطار؛ وذلك لما تقوم عليه من تحليل للغة بوصفها فعلاً تواصلياً مرتبطاً بالسياق والمقاصد.
غير أن المقامة تعد من أكثر الأجناس الأدبية قابلية لمثل هذا النوع من التحليل، إذ تعتمد على الحوار، وتنوع المواقف التواصلية، وتداخل السرد بالخطاب الإقناعي والبلاغي، كما أن المقامة لا تقوم على الأحداث بقدر ما تقوم على الفعل اللغوي القائم على الإقناع، والخداع، والتأثير، وكشف العلاقات الاجتماعية بين المتكلمين.
كذلك تسهم الأفعال الكلامية في إبراز قدرات الشخصية المقامية في توظيف اللغة وفق مقتضيات المقام، مما يجعل من الخطاب أداة للهيمنة الرمزية والاجتماعية.
لقد وضع سيرل (John Searle) الأسس المنهجية التي تقوم عليها نظرية الفعل الإنجازي والقوة الإنجازية، مستكملاً ما قدمه أوستين (John Austin) في نظريته عن (أفعال الكلام العامة). وأفعال الكلام عن أوستين تتكون من: الفعل التلفظي والفعل الإنجازي والفعل التأثيري.
إذ قسّم سيرل الأفعال الكلامية إلى خمسة أقسام، وهي:
1 - الإثباتيات: وغرضها الإنجازي وصف المتكلم لواقعة معينة من خلال قضية. وأفعال هذا القسم تحتمل الصدق والكذب.
2 - التوجيهيات: وغرضها الإنجازي توجيه المتكلم لفعل ما، ويدخل في هذا الصنف: الأمر، النهي، السؤال.
3 - التعبيريات: وغرضها الإنجازي هو التعبير عن الموقف النفسي تعبيراً يتوافر فيه شرط الإخلاص، ويدخل فيها: الاعتذار والشكر والتهنئة والترحيب والتعزية.
4 - الإلزاميات: وغرضها الإنجازي هو التزام المتكلم بفعل شيء في المستقبل، ويدخل فيها الوعد والوعيد والوصية.
5 - التصريحيات: وسمتها المميزة أن محتواها القضوي يطابق العالم الخارجي، كإعلان الحرب إعلاناً ناجحاً.
وبعد هذا العرض النظري لمفهوم الأفعال الكلامية ومحدداتها التداولية؛ يتضح أن هذه النظرية لا تكتفي بتفسير البنية اللغوية للخطاب، بل تسعى إلى كشف مقاصد المتكلم ووظائف القول في سياقه التواصلي. ومن هذا المنظور يصبح الانتقال إلى الجانب التطبيقي ضرورة منهجية لاختبار مدى فاعلية المفاهيم النظرية، وقدرتها على الإحاطة بالممارسة الخطابية الفعلية داخل النص الأدبي. وعليه، تتجه هذه المقالة إلى تطبيق آليات تحليل الأفعال الكلامية على نص أدبي ينتمي إلى جنس (المقامات) لترصد هذه الأفعال الكلامية وتبين مدى إسهامها في بناء الدلالة، وتحقيق المقاصد التواصلية.
***
(المقامة البغدادية) لبديع الزمان الهمذاني (ت: 389هـ) باعتبارها نصاً لغوياً تراثياً ما هي إلا مجموعة من الأفعال الإنجازية، سعى الهمذاني بواسطتها إلى تبليغ مقاصده، وعكس أحوال مجتمعه التي كانت سائدة في ذلك العصر، ويظهر هذا في الحوار بين الشخصيات وتنوع المواقف بتنوع الأفعال الكلامية.
وقد بدأت المقامة البغدادية بفعل تعبيري مباشر عبر عنه الراوي بأسلوب الإخبار: (اشتهيت الأزاد، وأنا ببغداد)، وقوة الفعل الإنجازية كانت التعبير عن اشتهاء الطعام، وكان الراوي صادقاً فيما نقل.
ومن الأفعال التعبيرية المباشرة، إلقاء التحية أو الترحيب كما في قول عيسى بن هشام: (حيّاك الله يا أبا زيد)، أما في البنية التحتية فقد حمَّل الراوي عبارته دلالة أخرى مغايرة للدلالة الوضعية وهي الإيقاع بالسوادي.
وقد ظهرت الإخباريات في المقامة البغدادية في قول الراوي عيسى بن هشام: (فخرجت أنتهز محالَّهُ حتى أَحَلَّني الكَرْخَ)، فالراوي يخبر عن خروجه بحثاً عن الطعام، وهو بذلك ينجز فعلين: الخروج من مكانه والبحث عن الطعام.
وقد كان الراوي صادقاً، ولأنه ينقل الوقائع نقلاً أميناً.
وفي وصفه للسوادي : (فجعل السوادي يبكي ويحلُّ عُقَدَهُ بأسنانه)، فالمعنى السطحي للجملة هو وصف السوادي باكياً وهو يحل عقد النقود ليدفع ثمن الطعام بعد ضربه، وفي البنية التحتية للعبارة يظهر مدى حزن السوادي وتحسره على الفخ الذي وقع فيه، لقد حملت هذه العبارة بعداً مباشراً، وآخر غير مباشر اتضح من خلال السياق.
أما التوجيهيات، وهي أفعال طلبية كالأمر والنهي والنداء والاستفهام؛ فقد فرضت معطيات لغوية وخطابية في المقامة، فالنداء صيغة لغوية يقع بها فعل ويستلزم رداً قولياً، وله أدوات عدة أبرزها (الياء)، وقد ظهر أسلوب النداء في أماكن عدة ومنها: حيّاك الله أبا زيد (المقامة البغدادية، 49)، و(زِنْ يا أخا القحة عشرين) (المقامة البغدادية، 51) وأيضاً: (اجلس يا أبا زيد حتى نأتيك بِسَقَّاء) (المقامة البغدادية، 51)، فالراوي في خطابه انتهج الإستراتيجية التوجيهية الممثلة في النداء، وتنطوي في بنيتها التحتية على السخرية والتهكم بالسوادي.
وفي الاستفهام، وهو: (طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل) (أمين، 84)؛ كان له غرض آخر في المقامة، وهو الإيهام والاستخفاف، إضافة إلى استمالة السوادي لبث الطمأنينة في نفسه ظناً منه أنه يعرف الراوي عندما نزل على السوادي بوابل من الأسئلة: (من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت؟) (المقامة البغدادية، 49)، فبنية الاستفهام بنية توليدية تتجاوز الصيغة الحرفية دلالتها الأصلية لتنتج دلالات جديدة يستدل عليها بمعونة قرائن المقام.
وفي النهي الذي هو من وسائل تحقيق الإستراتيجية التوجيهية، عمد هشام الراوي لإثارة السوادي بتمزيق ثوبه إظهاراً للجزع وتأكيداً للحيلة بأنه صديق لأبيه، فما كان من السوادي إلا أن خاطبه قائلاً: (نشدتك الله لا مزقته) (المقامة البغدادية، 50)، فحمل النهي دلالة إنجازية هي الرجاء.
أما الإلزاميات فقد برزت في المقامة بصيغة اسم فعل الأمر، عندما خاطب الراوي السوادي بقوله: هلُمَّ إلى البيت نُصِبْ غداءً، أو إلى السوق نشتري شواء (المقامة البغدادية، 49)، فالقوة الإنجازية للفعل (هلُمَّ) هي الوعد بالضيافة، وهذا الوعد كاذب لأن الراوي كان يؤثر على السوادي بهذه الوعود لاستمالته وكسب ثقته، واستثارة شهيته للطعام.

ذو صلة