مجلة شهرية - العدد (594)  | مارس 2026 م- رمضان 1447 هـ

المقامة من الصعود إلى التراجع

منذ أواخر القرن 4هـ وحتى بدايات القرن 10هـ كان للمقامة دور في تعليم النشء اللسان العربي، يبدأ هذا الدور كبيراً بوصفه غاية رئيسة، إلى جوار أهداف أخرى، ثم يتضاءل، لتتحول المقامة إلى نوع من المفاخرة الأدبية، أو التقليد أو الرغبة في التمايز بين أدباء العصر، أو الحنين والشوق إلى الماضي .(Nostalgia)
البداية والصعود
كان بديع الزمان الهمذاني (ت 398هـ) أول من أظهر هذا اللون الأدبي، سواء تأثر في ذلك بأحاديث ابن دريد (ت 321هـ) أو لم يتأثر، وتعاقب بعده عدد كبير من أصحاب المقامات على اختلاف أغراضهم التأليفية بين تعليم ووعظ وغير ذلك، واتبعوا سبيله في التسمية والبناء، ومن هؤلاء: ابن بُطْلان (ت 458هـ) في دعوة الأطباء، وابن شرف القيرواني (ت 460هـ) في رسائل الانتقاد، وابن ناقيا (ت 485هـ)، والحريري (ت 516هـ)، والزمخشري (ت 538هـ)، والسرقسطي (ت 538هـ)، وابن الجوزي (ت 597هـ) المقامات الجوزية في المعاني الوعظية، وابن الحداد الموصلي (ت 664هـ) البدور التامات في بديع المقامات، وابن الصيقل الجزري (ت 701هـ) المقامات الزينية، والسيوطي (ت 911هـ). وتخللت هذه المتون الأدبية شروح لعدد منها، كان أوفرها حظّاً مقامات الحريري، وأصبح المتعلِّمة يدرسون شروح المقامات كما يدرسون شروح المعلقات ودواوين الشعر، يتعلمون اللفظة ومعناها ومرادفها وضدها وأحكام تصريفها وشواهد ذلك من شعر العرب ونثرهم، وتظهر ملكة وقوة كل معلم وشارح في كمّ ما يبثه من مخزون لغوي وثقافي متنوع وفريد، فأصبحت المقامة من هذا الوجه تشبه إلى حد كبير المنظومات الشعرية التعليمية.
التراجع
لم يعد الاهتمام بالبلاغة العربية تعليمياً إلا من قبيل حفظ المسكوكات اللفظية والتحشية على كتب البلاغة القديمة، حتى آل الأمر في وقتنا الحالي إلى ترديد عبارات جوفاء، 
ومع ظهور السينما في بدايات القرن العشرين، كان ذلك إيذاناً ببدء عصر جديد ينبني على المشاهدة لا السماع أو القراءة، فانزوت بسببه ألوان من الأدب الفصيح والشعبي وهجرها جمهورها على فترات، وتهيأت المجتمعات إلى استقبال المخترعات الجديدة، فظهر جهاز التلفزيون فأصبحت حركة الحياة أسرع من ذي قبل في نقل الخبر ومتابعة الحدث، ومن ثم ازدحم العقل بمشتتات من ثقافات مختلفة تعيد تشكيله مرة أخرى وتهيئه للرغبة في الاختزال والاختصار أكثر فأكثر.
وبعد أن كان الناس يتابعون أدبيات طه حسين والعقاد وشوقي وحمد الجاسر وراتب النفاخ والأب أنستاس الكرملي والشنقيطي وغيرهم من إخوانهم في العلم والأدب والفن في العالم العربي، ويستمعون إلى أعلام المدرسة المصرية في قراءة القرآن، وإلى أعلام الغناء العربي، ظهرت في مطلع الألفية الجديدة ألوان من الأغاني العامية، سريعة الإيقاع وصاخبة، متطورة في سلم التدهور عن أغاني المرحلة الوسطى بين الفصحى والعامية في النصف الثاني من القرن المنصرم، وكان هذا الظهور نتاجاً طبيعياً لموجة الاهتمام بالعامية على حساب اللغة الفصيحة في الخطاب العادي والإعلامي، لكنه كان محدوداً وخاضعاً لرقابة من نوع محدود تتغيا الحفاظ على الذائقة اللغوية والقيم المجتمعية، موافقاً لطبيعة الحياة السريعة في وسائل المواصلات والاتصالات.
وكنوع من الخروج عن المألوف لجأ بعض المؤلفين إلى اتباع سجع المقامة وعنونة موضع ما لجذب المتلقي أو إظهار القدرة اللغوية والبلاغية في عرض المحتوى بلغة مسجوعة، ومن ذلك: مقامات عائض القرني (ط 1420هـ/ 2000م)، وليس لها من وسم المقامة إلا العنوان والسجع، كتب 67 مقامة تحدث فيها عن العقيدة والتاريخ والسنة والحياة الاجتماعية والعلمية والأدبية، وبعض الشخصيات والوقائع والأماكن. وفي ظل صخب مواقع التواصل الاجتماعي وحركتها السريعة نجد محاولة طيبة لأحد أبناء اللسان العربي في استحضار فن المقامة، هو د. وليد كساب، صاحب مقامات ابن كساب (ط 1439هـ/ 2018م)، وهي 16 مقامة نشرها منجَّمة في منشورات على موقع فيسبوك، ثم طبعها. والجديد هنا هو محاولة إبطاء إيقاع حركة مواقع التواصل الاجتماعي السريعة، ففي الوقت الذي ينفر فيه مستخدم هذه المواقع من المنشورات الطويلة، ويقبل فيها على المحتوى القصير والصورة أو (الكوميك)، وتقتصر مشاهداته على مقاطع (الريلز) المتعددة غرضاً والمتناثرة محتوى، تأتي هذه التجربة لتظهر مقبولية إحياء هذا اللون بين جمهور من المثقفين ومحبي العربية. وتتجلى هذه المقبولية في التعليق على منشورات المقامة برأي نقدي أو بمدح أو بمزحة، مع الإعجاب بالمنشور ومشاركته، وهذه هي أدوات الواقع الافتراضي في ذيوع المحتوى المقبول أو الاعتراض عليه، تماماً كما كان قديماً بنقل الخبر بين الناس ثم نقده، وهي محاولة تثبت أن استعمال التقنيات الحديثة في إحياء الأدب العربي القديم ناجح وناجع، بشرط مراعاة حال المتلقي ثم الارتقاء به.
وعلى أننا إذا أردنا أن نرتقي بالخطاب اللغوي عامة، وبالمقامة خاصة، فإننا يمكن أن نتوسل بمرئيات (فيديوهات) قصيرة ذات رسوم وصور مناسبة للمتلقي، فيُقدَّم الموضوع في ثوب المقامة، بلغة يسيرة مسجوعة لا تخرج عن غرضها فتفضي إلى سخرية أو تساخر من اللسان العربي، ولا يكتمل ذلك إلا بدعم مؤسسي نحو فرض احترام اللغة بالقانون والتشجيع الأدبي.

ذو صلة