المقامات إبداع عربي فريد، أبدعها عدد من الأدباء العرب أشهرهم محمد الحريري البصري (ت 405) في القرن الحادي عشر، وقام بإعداد رسومها يحيى بن محمود الواسطي، ومقامات الحريري هي الأشهر وهي محل دراستنا. وهي تقف جنباً إلى جنب مع كنوز الآداب العالمية مثل كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة. وقد وظف الحريري كل إبداعات ومعارف العصر العباسي وبلورها في هذه المقامات، فهي تعكس فلسفة الهند وفكر الإغريق، كذلك جاءت المقامات ثمرة لتلاقح عدد من الأجناس الإبداعية مثل عذوبة الشعر العربي وإثارة الدراما الإغريقية. وقد كتبت بلغة عربية راقية، وجاءت مشحونة بطاقة درامية لا حد لها؛ إذ تقوم على حوار بين الشخصية المحورية أبوزيد السروجي مع غيره من الشخصيات، والعرض المسرحي يؤدى أمام الجمهور في الشارع العام أو في الأسواق دون خشبة مسرح أو صالة، وهذا يعني أن الحريري بادر قبل قرون خلت بإبداع ما يسمى اليوم بمسرح الشارع أو المسرح المفتوح، ليس هذا فحسب بل إن الحريري بأسلوب هذا العرض والذي يسمح فيه بمشاركة الجمهور، سبق المخرج الألماني بيرتولد بريخت في تحطيم الحاجز بين الجمهور والخشبة أو ما يسمى بالحائط الخامس ذلك مما يسمح للجمهور بالمشاركة في العرض المسرحي. وهذا ما يسمى في بعض الحيان بالمسرح الارتجالي إذ لا يوجد نص جاهز للعرض.
أضف إلى هذا أن المقامات لا تقدم أو تؤدى لمجرد إثارة الضحك فهي عادة ما تشمل على مسألة فلسفية شائكة أو فكرة تشغل بال الجمهور والشخصية المحورية وهو أبوزيد السروجي يثير هذه القضايا ويدير الحوار حولها بقصد إثارة الجمهور أو تحفيزه للمشاركة في الحوار. ويمكن النظر لهذه المقامات ليس كمجرد عرض مسرحي ولكن كقصص قصيرة، وكل قصة تحمل درساً يريد الحريري إيصاله إلى الجمهور، وهكذا يكون الحريري قد سبق اتجاهات التربية الحديثة التي تنادي بتوظيف الدراما في التعليم والتربية، ويتم هذا في المقامة بتوظيف العديد من أجناس الإبداع خصوصاً الشعر والسرد والدراما، فهذه المقامات هي بلا شك بلورة لأجمل ما في هذه الأجناس.
مما يجدر ذكره أن مجلتنا الغراء قد وفقت أيما توفيق في هذه الانتباهة الذكية لإبداع لا يموت. السؤال الذي يجب أن يسأل هو: كيف يمكن بعث المقامة؟ وليس هل تعود المقامة، لأن المقامة، وكما ذكرنا، كنز من كنوز وخرائد اللغة العربية، وإذا كنا جادين في الحفاظ والحماية لهذه اللغة التي نعتز بها فلا أقل من أن نشمر عن ساعد الجد لتحقيق هذا الأمر، وأمام المبدعين في الدراما استثمار الطاقة الدرامية الكامنة في المقامة وتحويلها لأي أشكال درامية في المسرح والسينما والتلفزيون، خصوصاً في برامج الأطفال، ولدينا رصيد طيب في هذا المجال يمكن الانطلاق منه، وكذلك أمام المبدعين في السرد الأدبي خصوصاً القصة القصيرة الفرصة ذاتها لتوظيف المقامة في إبداعهم. فالمقامة كما ذكرنا هي أصلاً قصة قصيرة عولجت درامياً، وأمام المبدع الروائي كذلك فرصة ذهبية لتوظيف شكل المقامة في نصه الروائي، فهذه المقامة مثله مثل ألف ليلة وليلة، هما مصدر إلهام لا ينضب وما أكثر ما عبر روائيون عالميون من العرب ومن غير العرب، عبروا عن تأثير هذا النص العربي المدهش على إبداعهم، من بين هؤلاء أدباء من أوروبا مثل الروائي الألماني جوتة، وجارسيا ماركيز، وجورجي أمادو، وكلاهما من أمريكا اللاتينية، ونجيب محفوظ، والطيب صالح، من الروائيين العرب، ولا شك أن المبدع العربي أحق بالاستفادة من هذا الإبداع والإنجاز العربي، المقامات.
أضف إلى ذلك أن أمام التشكيلي العربي فرصة جيدة لشحذ خياله لإبداع رسومات من وحي هذه المقامات وذلك بما يناسب ذوق ورؤية الطفل العربي في هذه الألفية الجديدة، وبالطبع فهذا الطفل يملك رؤية بصرية تختلف كثيراً عن رؤية أجداده وآبائه، ففي زماننا هذا تلعب الصورة دوراً كبيراً في تشكيل هذه الرؤية، ونقصد بالصورة هنا الصورة الثابتة مثل الإعلانات التي تملأ الطرقات وتحاصر الجميع، ونقصد كذلك الصور المتحركة التي يشاهدها الطفل في غرفته عبر شاشة التلفاز خصوصاً أفلام الكرتون، ويمكن للمخرج الحاذق توظيف الدراما والحركة التي قرأها في المقامات بما يلائم ذوق وخيال الطفل، والمبدع الشاعر أمامه جواهر في كنوز المقامة خصوصاً أبوزيد السروجي تختفي حول ما يسمى بالقناع. وفكرة القناع معروفة في شعرنا العربي، قديمه وحديثه، هي توظيف الشاعر لشخصية معروفة في التاريخ العربي وعادة ما تشتهر هذه الشخصية بصفة ما، الكرم عند حاتم الطائي والشجاعة عند عنترة العبسي والزهد عند الحلاج، وهكذا، فالشاعر هنا يوظف هذه الشخصية ويسقط عليها ما يريد من صفات، أي أن الشاعر يحول الشخصية إلى قناع يختفي خلفه. ومن التجارب الحية هنا توظيف الشاعر صلاح عبدالصبور لشخصية الحلاج في مسرحيته الرائعة مأساة الحلاج وكذلك من الأمثلة الحية التوظيف الرائع للشاعر أمل دنقل لشخصية عنترة العبسي في واحدة من قصائده. نخلص للقول أن انتباه المجلة لضرورة بعث فن المقامات تجيء في وقتها تماماً، الأمر الذي إذا تم على الوجه الأكمل سيكون خير عون لإيقاف تدهور واضمحلال اللغة العربية نفسها، وها نحن نرى لغتنا الجميلة تفرض عليها الكثير من المصطلحات الأجنبية كما هي دون ترجمتها أو تعريبها بمنهج يحفظ للعربية رونقها وبصمتها.
إن فن المقامات إنجاز عربي يمثل ينبوع إلهام متاح أمام المبدع العربي لاستلهامه وإعادة إنتاجه كيفما يروق له.