منذ سنوات ليست قليلة قدم عدد من الباحثين والكُتّاب نتاجاً علميّاً مهمّاً - كتباً وبحوثاً - درسوا فيها المقامات وفق مناهج نقدية حديثة، خصوصاً المنهج البنيوي أو ما انبثق عنه من مدارس سردية، مثل: فدوى مالطي دوغلاس، وعبدالفتاح كيليطو، وسعيد الغانمي، وسعيد يقطين، وعبدالله إبراهيم، مع حفظ الألقاب، وغيرهم كثير، إضافة إلى الكتب والبحوث التي أرّخت للأدب العربي القديم، مثل كتب شوقي ضيف، وزكي مبارك، وغيرهم، تناولوا فيها نشأة المقامة، وموضوعاتها، وأصولها. لكن وعلى الرغم من الاهتمام النخبوي بهذه المقامات، إلا أن المتابع للحركة الثقافية يلحظ نفور القارئ المعاصر من المقامات، ويتجنب الإشارة إليها حين يتحدث عن مرجعياته الثقافية، فلم يعد القارئ المعاصر يلقي لها بالاً، ولم تعد تُعدّ من أولوياته في القراءة.
من التعريف إلى الجنس الأدبي
المقامة تعني المجلس، ثم أصبحت تُطلق على الكلام الذي يدور في المجلس، وفي مرحلة لاحقة أصبحت تدل على جنس أدبي جديد له بنيته ومحدداته، ظهر في القرن الرابع الهجري واستقر على يد بديع الزمان الهمذاني.
ظهرت المقامة في القرن الرابع الهجري ببنيتها المعروفة الآن على يد بديع الزمان الهمذاني (ت 395هـ)، وهو من كُتّاب الرسائل، وله ديوان شعر، وكتاب (المقامات) الذي وصل إلينا بتحقيق محمد عبده.
وقد أثارت نشأة المقامات تساؤلات عن أصولها وبدايتها عند الباحثين المحدثين، خصوصاً أن عدداً من النصوص السردية العربية التي سبقت المقامة تشبه بطريقة أو أخرى المقامات، لكنها لا ترقى إلى بنية المقامة. فقد كتب التنوخي مثلاً بعض النصوص قيل عنها: إنها مقامة في طور التكوين. وسبب هذا القول التشابه بين المظهر الخارجي لبطل المقامة وبطل حكاية (حائك الكلام) عند التنوخي الذي يظهر بمظهر خادع دال على التشرد والمسكنة، لكنه يُخفي معجزة أدبية وقدرة على تخليق الكلام وردّ الحجة بالحجة. كما أثار زكي مبارك زوبعة - إذا جاز التعبير - حول نشأة المقامات حين أشار إلى أن أصل المقامات أربعون حديثاً وردت عند ابن دريد، والمطلع على أغلب أحاديث ابن دريد سيجد أنها نصوص قصيرة قيلت في مقام ما، على ألسنة الأعراب أو بعض الشعراء، وغايتها تعليمية، كأن تشكو أعرابية للوالي أحوالها بلغة فصيحة وعبارات قصيرة ومسجوعة، وليس لهذه الأحاديث بنية ثابتة أو شخصيات محددة كما في المقامات، أو تقليد أدبي واضح.
المقامات وريادة الهمذاني
المقامات مجموعة مغامرات يقوم بها بطل مخادع، متشرد، مثقف، وهو أبو الفتح الإسكندري، وتُروى هذه المغامرات على لسان راوية هو عيسى بن هشام، وموضوعها الكدية، وهذه الأخيرة تعني الحصول على المال بالخديعة والمكر وتقمص شخصيات متعددة، وتوظيف كل قدراته، سواء أكان في الجدل من أجل إقناع الآخر بتقديم المال عن طيب خاطر، أم براعته اللغوية والبلاغية.
والمقامة ببنيتها التي وصلت إلينا هي من إبداع الهمذاني الذي استفاد مما كُتب قبله، ووظّفه وأنتج جنساً أدبياً جديداً ليس بالقصة ولا الحكاية ولا الخبر، إنما جنس جديد يقوم على نصوص متعددة وموضوعة واحدة (الكدية)، وكل نص من هذه النصوص سُمّي مقامة، وكل مقامة لها بنية ثابتة لا تتغير: بطل وراوية، وهذا الأخير يروي كل مغامرات البطل. وقد ورد في كتب الأخبار في التراث العربي بعض النصوص التي تتشابه مع المقامة من حيث الشخصية، أو الاهتمام باللغة وإيراد الحجة، أو السجع، لكن هذه العناصر كانت متفرقة في هذا النص أو ذاك، وفي مواطن متعددة، ولا تقوم على بنية ثابتة مثل المقامة.
يُضاف إلى ما سبق أن المقامة نتاج مجتمع مديني، سيما أن المدينة الإسلامية في القرن الرابع الهجري الذي نشأت فيه المقامة كانت متعددة الأعراق والثقافات والديانات، وتطوّر فيها الفن المعماري، وظهر اهتمام واضح بالأزياء والملابس، وأصبح للموسيقى دور مهم، وحدث تطوّر في الألحان والآلات الموسيقية، وشاع الاهتمام بالأكل وطرق تقديم الطعام، عدا عن تقعيد العلوم في المناحي المعرفية المتعددة. كل هذا التطور في المجالات المذكورة كان له أثر واضح على الأدب، ومن بينه المقامة. يُضاف إلى ما سبق أن المجتمع المديني - عكس البادية والريف - الذي نشأت فيه المقامة متفاوت الطبقات، فيه مجال المنافسة والطمع والطموح، وفيه أغلب مؤسسات الدولة، فيُفرز نماذج بشرية إيجابية وأخرى سلبية، مثل نموذج المحتال الذي يمارس الاحتيال للحصول على المال، لأنه لم يجد فرصة للعمل أو تحصيل المال، على الرغم من السفر والترحال إلى كثير من البلدان كما تشير عناوين المقامات إلى الأماكن التي زارها، وهو يملك الثقافة والمعرفة والتجارب الحياتية، وإما لأنه يريد الحصول على المال بطريقة سريعة؛ إنه يوظف ثقافته ويسخرها للاحتيال على الآخرين والحصول على المال دون جهد حقيقي.
بنية المقامة
كتب الهمذاني مقاماته عن وعي بالجنس الجديد الذي ابتدعه ومعرفة، فهو يقوم على مجموعة عناصر، وكل من كتب مقامة سار على هذه البنية:
-1 الراوية: واسمه عيسى بن هشام عند الهمذاني، والحارث بن همام عند الحريري (ت 516هـ)، وعادة ما تبدأ المقامة باستهلال سردي: (حدثني) أو (حدثنا عيسى بن هشام فقال)، ويكمل السرد.
-2 البطل: واسمه أبو الفتح الإسكندري عند الهمذاني، واسمه أبو زيد السروجي عند الحريري، المخادع، جوّال الآفاق، صاحب اللسان الفصيح، الذي يتنكر بقناع شخصيات مختلفة لكي يخدع الآخرين: مرة إمام مسجد، ومرة طبيب يحيي الموتى.. إلخ، وينجح في أغلب الأحيان بإقناع الناس بشخصيته.
-3 الكشف: لحظة انكشاف حقيقة البطل، فبعد أن يحتال البطل على الآخرين ويحصل على المال، ينكشف البطل على يد عيسى بن هشام أو الحارث بن همام أو أي راوية، وإن لم يتمكن الراوية من كشفه، يقول البطل مجموعة من الأبيات تبين فلسفته في الحياة القائمة على الغاية تبرر الوسيلة، واقتناص اللحظة للحصول على المال.
المقامة أخيراً، عدا عن كونها جنساً أدبياً له قواعده وأركانه، فإن الفصاحة والبلاغة والسجع من العناصر المهمة فيها، سيما أن بطلها يوظفها للاحتيال على الآخرين للحصول على المال، واللغة وحدها لا تصنع مقامة، وموضوعة الاحتيال لا تصنع مقامة، فكثير من النصوص التي كان مدار اهتمامها اللغة والسجع، وإن تشابهت ظاهرياً مع المقامة، فإنها لا ترقى إلى أن تصبح جنساً أدبياً مهماً مثل المقامة.