مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الفنان البصري راضي جودة وإبداعات بثلاث أدوات

في الفن التشكيلي، والفنون البصرية تحديداً؛ من حق الفنان استخدام أي أداة أو خامة أو مادة في تنفيذ ما يريده من أعمال فنية. الشرط الوحيد في المواد المستخدمة هي ألا يحدث فيها أي تغيير في تركيبها أو خواصها أو صفاتها مع مرور الوقت. في الفن التشكيلي، والفنون البصرية تحديداً؛ من حق الفنان استخدام أي أداة أو خامة أو مادة في تنفيذ ما يريده من أعمال فنية. الشرط الوحيد في المواد المستخدمة هي ألا يحدث فيها أي تغيير في تركيبها أو خواصها أو صفاتها مع مرور الوقت.
وقد استخدم الفنان راضي جودة في أعماله الفنية كغيره من الفنانين البصريين العديد من الخامات الفنية، مثل ألوان الزيت والأكرلك والجواش.. وغيرها من الخامات المختلفة. وشارك خلال مسيرة فنية طويلة بأعماله في المعارض في المملكة العربية السعودية ومصر. وهو مدرب ومعلم للفنون البصرية للكبار والصغار، ومنظم لمعارض الفن البصري.
سطورنا هذه ستقتصر فقط على تجربة الفنان راضي جودة في استخدام خامة معينه في أعماله الفنية. والخامة هي (الكنفاه)، إذ يعدّ أول فنان في العالم يستخدم هذه الخامة في إنجاز أعمال فنية موقعة.
(الكنفاه)، هي أحد أنواع أشغال الإبرة، نظراً لاستخدام الإبرة فيها، وهي من الفنون التقليدية المعروفة في مختلف أنحاء العالم، وتعتمد على عمل غرز بطريقة معينة باستخدام إبرة وخيوط معينة في نسيج قماش مخصص لذلك.
بالتأكيد هو لم يبتكر ولم يخترع هذه الخامة، ولكنه اكتشف فيها إمكانية استخدامها في صنع أعمال فنية تستحق العرض في المعارض، وكذلك الاقتناء في المتاحف.
قماش (الكنفاه) هو نسيج مخصوص يتكون من خيوط رأسية وخيوط أفقية متداخلة، وبينها فراغات صغيرة، يمكن أن أستعير مصطلحاً طبياً أطلقه عليها وهو (مسام). توجد من قماش (الكنفاه) أنواع متعددة تختلف حسب نوع النسيج المستخدم والفراغات، أي المسامات بين الخيوط، ويباع هذا القماش بالمتر أو اللفافة. وتشتهر مصر وتركيا والهند بصناعة هذا القماش.
الخيوط تسمى خيوط (تمبليه)، وتدخل الإبرة في هذه الفراغات أو المسام، وتخرج منها بطرائق معينة، مكونة غرزاً لها أشكال وأسماء مختلفة، وأشهر الدول المصنعة لهذه الخيوط: مصر، تركيا، الهند، ألمانيا، اليابان.
الإبرة المستخدمة في عمل الغرز في هذا القماش للوهلة الأولى تشبه إبرة خياطة وحياكة الملابس، ولكنها تختلف عنها في أن الفتحة التي ينظم الخيط فيها أكبر ونهايتها الأخرى ليست مدببة حتى لا تجرح ولا تؤذي أطراف أصابع من يستخدمها.
تعامل الفنان راضي جودة مع الكنفاه في النصف الأول من السبعينات؛ لأنها كانت منتشرة في مصر آنذاك في معظم بيوت الطبقة المتوسطة، كانت تعلق في غرف المنازل في براويز مذهبة تحتوي على مناظر مثل: راقصة، طفل يبكي، بائع مشروب العرقسوس.
اشترى بعضاً من تلك القطع المطبوعة والأدوات من إبرة وخيوط، وقام بعمل الغرز، ملتزماً بنفس الألوان المطبوعة، واقتصر الأمر على هذا الحد.
في التسعينات، وفي المملكة العربية السعودية؛ كان التعامل مع هذه الخامة مختلفاً تماماً. تلك المرة، لم يستخدم القطع التي فيها المناظر المطبوعة الجاهزة لعمل الغزر فيها بخيوط ألوانها من ألون المساحات المطبوعة؛ بل سأل نفسه، لماذا التقيد بعمل الغرز في نفس الأجزاء المطبوعة وبنفس الألوان، فكّر في أن يعمل بهذه الخامة التقليدية أعمالاً فنية غير تقليدية. رأى أن تكون الإبرة هي بمثابة فرشاة الرسم والخيوط كأنها الألوان، وبهما يستطيع أن يرسم ما يريد بأي مساحة وشكل واتجاه.
لذا كانت قطعة القماش ذات اللون الواحد كأنها هي سطح الورقة أو سطح القماش الذي سيرسم عليه، ولكن ليس بالملونات السائلة، وإنما باستخدام الإبرة وعمل الغرز بالخيوط في القماش.
في البداية أنجز مجموعة أعمال فيها مساحات لونية متجاورة لا تعطي إيحاء محدداً بشكل هندسي ولا عضوي، بعد ذلك مجموعة أعمال فيها إيحاء بأشكال فراشات واضحة بين زهور، ثم مجموعة تمثل أجزاء من فراشات، ثم مجموعة أعمال بها زخارف هندسية.
أما أكثر أعمال الفنان تميزاً فهو عمل ضخم المساحة على غير جميع الأعمال السابقة المتوسطة المساحة. من المؤكد أن تقدير أهمية العمل الفني ليس بمساحته، وإنما في تميز وتفرد وجدة فكرته ومدى الجهد المبذول في تحويله إلى عمل فني يمتع عين المشاهد ويثري أحاسيسه ووجدانه ويحثه على التأمل.
هذا العمل الفني يعتبر -دون مبالغة منا- درة أعمال الفنان من خلال خامة (الكنفاه). إنه لا يشبه أي عمل من مجموعاته السابقة، هو تصويرة كبيرة تحتوي على تصاوير كثيرة، التصاوير مربعة الشكل، كل مربع في نفس مساحة المربعات الأخرى، تتوالى المربعات وراء بعضها البعض، يتكرر ظهور بعض المربعات.
يبدو العمل كأنه جدار أو حائط لبناته متساوية في المساحات أو كصفحة ممتلئة بكلمات.
من ينظر إلى هذا العمل الفني يحس أنه أمام نص مكتوب، صاحبه يريد أن يخاطب المشاهدين.
هذا الإحساس حقيقي وحدس المشاهد على صواب، هذ العمل الفني هو خطاب موجهه من الفنان إلى المشاهد، هو خطاب مكتوب بطريقة غير مباشرة، ليست تصريحاً بالمعنى ولا تلميحاً بالمراد. مكتوب بطريقة غريبة ونادرة، هو خطاب مكتوب بالشفرة، والشفرة هي رموز يستعملها فريق من الناس للتفاهم السري فيما بينهم.
تكمن أهمية هذا العمل البصري التشكيلي في فكرته، فقد اختار الفنان راضي جودة سطوراً من (متون الأهرام)، ترجمها أحد المترجمين من اللغة المصرية القديمة إلى اللغة العربية. وقام الفنان بكتابته بطريقة من طرق (الشفرة) أو (التعمية). حيث وضع لكل حرف من حروف اللغة العربية حرفاً مقابلاً له في لغة تخيلها هو وابتكرها، لغة ليس لها وجود حقيقي، وبالتالي ليس لها منطوق لفظي ولكن لها حرف قام بتصميم شكله وكتب به النص المختار في سطور متتالية. هذه الطريقة في الكتابة تسمى طريقة (الترجمة)، وهي مذكورة في أحد الكتب العربية القديمة، يقول ضياء الدين بن الأثير في كتاب (المفتاح المنشا لحديقة الإنشا)، تحقيق دكتور عبدالواحد حسن الشيخ عضو هيئة التدريس بكلية التربية جامعة إسكندرية؛ ما نصه: (وأما الترجمة فمعلوم أمرها ولها وجوه كثيرة، وهو أن نضع حروفاً مقطعة، مخترعة على حسب ما يختاره الواضع، فإذا كانت عند من يسير له الكتاب حل الكتاب المسير إليه. وأحسن ما رأيته أن تبدل هذه الحروف العربية كل حرف بغيره).
ذو صلة