مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

كاندي و(حب وموت) هل تؤثر رؤية صانع العمل في مستوى جودته مهما كان محترفاً؟

مسلسلان قصيران عرضا بفارق زمني لا يتجاوز بضعة أشهر، كلاهما يستندان على نفس الجريمة التي وقعت أحداثها في ولاية تكساس عام 1980، عندما قتلت (كاندي مونتجمري) صديقتها (بيتي جور) وزوجة عشيقها (آلان جور) بطريقة وحشية، حيث مزقت جسدها بـ41 ضربة من فأس في وضح النهار، والمفاجأة أن المحكمة برأت كاندي بدعوى الدفاع عن النفس، القضية أثارت جدلاً واسعاً، ولا تزال حتى اليوم، واحدة من أكثر القضايا الحاضرة في الذاكرة الأمريكية، وتذكر في مختلف الوسائط النصية والسمعية والبصرية، وبعد مرور كل تلك السنوات تقرر منصتان صناعة مسلسلين قصيرين يسردان ما حدث، الأول عرضته منصة (هولو) في خمس حلقات باسم (كاندي)، وهو من بطولة (جيسيكا بيل) بعد أن كان من المقرر أن تلعبه (إليزابيث موس)، المسلسل الثاني عرضته منصة (إتش بي أو ماكس) في سبع حلقات تحت عنوان (حب وموت)، وهو من بطولة نجمة أفلام مارفيل الشهيرة (إليزابيث أولسن). عَرْض المسلسلين في هذا الوقت المتقارب جعل المقارنة بينهما أمراً لا مفر منه، فدراسة العملين ومعرفة لماذا تفوق أحدهما على الآخر، رغم أنه العمل الأطول بفارق ساعتين كاملتين، يؤكد أن زمن العمل الأقل لا يعني بالضرورة جودة العمل، فما سبب تفوقه إذن؟
السبب باختصار هو رؤية كل صانع عمل، والكيفية التي نظر بها إلى الشخصية والأحداث، (نك أنتوسكا) و(روبن فيث) مؤلفا مسلسل (كاندي)، كان لديهما قبل كتابة السيناريو حكم مسبق، بأن تلك السيدة مجرد وحش في صورة إنسان، وأنه من الظلم أن تحصل على البراءة بعد تلك البشاعة التي ارتكبتها في حق صديقتها من خيانة ثم قتل، وليس المقصد بالطبع أن يكونا حياديين، فالفن الحقيقي لا يكون فناً ما لم يحمل وجهة نظر صانعه، ولكن الخطأ هنا أن تكتب عن شخصية تكرهها، لأنك ببساطة لن تستطيع أن تبنيها بناء صحيحاً، لن تتفهم دوافعها ولن تخلق شخصية من لحم ودم حتى لو كانت مبنية على شخصية حقيقية. مؤلفا (كاندي) عالجا القصة بأن وضعا الخط الزمني للأحداث على عدد حلقات المسلسل، وأصبح شغلهما الشاغل كيف يمكن تقديم أكبر قدر ممكن من التشويق منذ البداية إلى النهاية، وهكذا اختارا أن تكون الحلقة الأولى هي الحلقة التي تعرض أحداث يوم الجريمة -باستثناء عملية القتل نفسها- حتى يظل المشاهد متسائلاً عما حدث ولماذا حدث، ولكن النتيجة كانت حلقة أولى مملة في كثير من أجزائها، بسبب قلة الأحداث وبطء الإيقاع، وعدم تورطنا كمشاهدين عاطفياً، والاشتغال فقط على إثارة الفضول.
وفي الحلقات التالية نجد أن الشخصيات تقفز من قرار لآخر بلا تمهيد، ودون أن نفهم سبب تصرفها على هذا النحو، كتابة الشخصيات والأحداث بطريقة (حدث بالفعل)، لا ينتج عنه عمل فني متماسك، لأن الشخصيات الدرامية يجب أن تمتلك سبباً لاتخاذ قرار، وهكذا جاءت شخصية كاندي في المسلسل شخصية مزاجية، تتصرف كما يحلو لها، وهو ما انعكس على بقية الشخصيات التي تتصرف بطريقة غريبة، مثلاً صديقتها التي تعمل بكنيسة الحي، انفصلت عن زوجها وستترك المدينة كلها رغم تعلقها بها، ومع ذلك تبدو غير مبالية بما حدث.
وبسبب أن الشخصيات غير حقيقية ولا تملك دوافع وأهدافاً في حياتها، جاءت كثيراً من المشاهد باردة وبطيئة وخالية من (الصراع) الذي هو أساس الدراما، والنتيجة أن ذلك انعكس بالسلب على أداء الممثلين، جيسيكا بيل تقمصت مظهر كاندي الذي ظهرت به في المحكمة، من قصة شعر ونظارة طبية، دون أي انفعالات داخلية حقيقية، الممثلان في الأدوار الرجالية لشخصيتي (آلان جور) و(بات مونتجمري)، يظهران بأكبر قدر ممكن من الصمت، ووجوه خالية من الانفعالات.
وهكذا ككرة ثلج انعكست كراهية الشخصية بالسلب على كافة عناصر العمل، وتجلى ذلك في الحلقة الأخيرة عند محاكمة كاندي، حيث ظهر شبح (بيتي جور) وهي حزينة ومعترضة على سير المحاكمة، وترديد عبارة (هذه رواية كاندي)، وهو ما هيأ المشاهدين أنهم ومع ختام الحلقة سيعرضون ما حدث بالفعل وقت الجريمة، ولكن المفارقة أن صناع العمل لم يكونوا يملكون شيئاً آخر أبعد من ذلك، مجرد شبح معترض دون تقديم رواية بديلة مقنعة، بل وإظهار كاندي بصورة سلبية بكل طريقة ممكنة، حيث يدعي صناع العمل أنها أقامت علاقة أخرى بعد علاقتها مع (آلان جور) وهي معلومة طرحت بشكل مفاجئ، دون أن يكون لها السياق لعرضها أو إثباتها، وهكذا اكتفى صناع مسلسل (كاندي) بتقديم (واجهة) للأزياء والديكور لتلك الفترة الزمنية، ونسوا أن يكتبوا عملاً درامياً حقيقياً.
على الجانب الآخر، كانت رؤية (ديفيد إي. كيلي) مؤلف مسلسل (حب وموت)، هي أن كاندي قاتلة بالفعل ولكنها إنسانة! وعلى هذا الأساس قرر أن يفهم دوافع وأسباب ارتكابها لتلك الجريمة، ولهذا لم يسع لصناعة مسلسل تشويقي، بل إنه سَرَدَ الأحداث بطريقة خطية تصاعدية، رغم أنه خيار جريء عند معالجة مسلسل جريمة، لأن ذلك يعني أن عنصر التشويق لن يظل حتى النهاية، ولكنه بعكس صناع مسلسل (كاندي) راهن على (التورط العاطفي)، فعندما يتورط المشاهد عاطفياً مع الشخصية، سيهتم لمعرفة مصيرها حتى لو انكشفت تفاصيل الجريمة مبكراً.
مع الحلقة الأولى نرى حياة (كاندي) المزدحمة بالأنشطة، ولكنها فارغة عاطفياً، وكأنها تحاول تعويض غياب زوجها النفسي عنها بالانخراط في كل ما ينسيها ذلك، ولكنها أثناء لعب الكرة الطائرة ترتطم بـ(آلان جور) وتسقط على الأرض، ذلك الارتطام الذي يعني أنه سيقلب حياتها رأساً على عقب، تنجذب له وتظل طوال الوقت تحكي ذلك السر لصديقتها، وبعد وقت طويل من التفكير تعرض عليه إقامة علاقة عاطفية، ونظل طوال الحلقة نشاهد رد فعل (آلان) على ذلك العرض، من الرفض القاطع، إلى التردد، نرى كيف يعيش حياته مع زوجته، حياة تخلو من السعادة، إلى أن يقررا أن ينقشا أمر العلاقة بجدية، وبحساب المخاطر والمكان المثالي وشروط الانفصال ووو، حتى أخيراً ومع نهاية الحلقة تبدأ علاقتهما سوياً.
كل ما سبق لم يكن تمهيداً، بل هو أساس استيعاب ما يحدث في حياة هؤلاء الأشخاص، رغباتهم، ترددهم، قرارهم، ليست كمعلومة مجردة على خط زمني للأحداث، ولكن كحياة حقيقية، ولذلك من الطبيعي أن نرى فترة (شهر العسل) لهذه العلاقة، كيف أكسبتهم السعادة والتعويض عن زيجاتهم المحبطة، ولنكتشف معهم أن ما كانوا يفتقدونه في الحقيقة ليس العلاقة الحميمة، وإنما الصداقة، والحديث المتبادل، ولذلك عندما تخطى الأمر حاجز الصداقة وبدأت تتحول العلاقة إلى مشاعر عاطفية، قررا إيقاف كل شيء، ومحاولة إصلاح حياتهم الزوجية، وبالفعل اشترك كل منهم في برنامج نفسي لمساعدة الأزواج، ولم يعودا في حاجة إلى بعضهما البعض، بل ولم يعودا ينجذبان لبعضهما، فلماذا وقعت الجريمة إذن؟
يختار (ديفيد إي. كيلي) أن يعرض أحداث يوم الجريمة في الحلقة الرابعة، ويترك ثلاث حلقات لاحقة لاكتشاف الجريمة والاتهام والمحاكمة، وهنا يظهر الاختلاف جلياً بين رؤية صانعي الأعمال، بينما في مسلسل (كاندي) وضع المؤلفان ضابط الشرطة هو بطل لهذا الجزء، أداه المطرب والممثل (جاستن تمبرليك) لإضفاء هالة وجاذبية على الدور، حيث يتمكن من ربط البصمات والأدلة بـ(كاندي) بسرعة، ويكون هو صوت صناع المسلسل في إدانة (كاندي) وإظهار وحشيتها، بينما في مسلسل (حب وموت) تكون البطولة لمحامي المتهمة، وهو في الحقيقة ليس محامياً جنائياً ولا يملك الخبرة اللازمة، ولكن (كاندي) تضع ثقتها فيه، ويكون هو أيضاً صوت المؤلف (كيلي) في إثبات عدم وجود نية مسبقة أو تخطيط للقتل، وهو ما ستقتنع به هيئة المحلفين في نهاية الأمر.
يبقى أكبر لغز في قضية (كاندي مونتجمري) هو نفسه الذي أصبح لاحقاً دليل براءتها! كيف تمكنت امرأة قصيرة وهزيلة أن تهزم امرأة تفوقها طولاً ووزناً وقوة بدنية؟ كيف امتلكت القوة الكافية لاستخدام الفأس والضرب به لـ41 مرة -في أحد المشاهد الجيدة لإيضاح الأمر من مسلسل (كاندي)، رغم افتقاره لسياق مقنع، حاول (بات) زوج (كاندي) أن يستخدم الفأس في منزله ويهوي به على شجرة، ورغم كونه رجل تمكن بالكاد من إكمال عدد الضربات- كيف امتلكت (كاندي) تلك القوة الخارقة التي مكنتها من ذلك!
تجربة طفولة مؤلمة! نعم، رغم تكرار ذلك الأمر إلى درجة الابتذال أحياناً، إلا أنه ما زال صحيحاً، طفولة الإنسان لها تأثير كبير على حياة الإنسان، وعندما تكون تجربة مكبوتة وغير مفصح عنها قد يؤدي ذلك إلى نتائج وخيمة، ذلك هو المعنى الذي فهمه واستوعبه صناع مسلسل (حب وموت)، وجعلوه منطلقاً لكل شيء، فالمشاعر المكتوبة بين الأزواج، سواء زوجا (مونتجمري) أو زوجا (جور)، هو ما جعل طرفاً من كلتا الزيجتين يبحث في الآخر، عن شخص يستطيع أن يفصح له عن أسراره وحكاياته ومشاعره، كانت تلك طريقة ملتوية ولم تكن حلاً دائماً، ولذلك عندما ذهب لجأ الجميع إلى مساعدة اختصاصيين في العلاقات الزوجية، انفتح كل طرف على زوجه، وحلت المشكلة، لذلك لم يكن من الغريب أن تختار (كاندي) من بين كل مهن العالم بعدما استعادت حياتها، أن تعمل في المساعدة النفسية وبخاصة للأزواج، لأنها أدركت من خلال تجربتها، أنها تستطيع إنقاذ حياة الآخرين.
في المقابل ما الذي يقدمه مسلسل (كاندي)؟ أو عماذا يدور بالتحديد؟ هل هو نقد لمنظومة القضاء الأمريكي؟ لا لقد ذكر تحيز القاضي ضد محامي (كاندي) وأمر بتكليفه غرامة وحبسه عدة أيام، هل يقدم قصة بديلة متماسكة لما حدث في يوم الجريمة؟ لا اكتفى بظهور شبح (بيتي جور) المعترض على الأمر، باختصار لن تجد معنى عند مشاهدة ختام المسلسل، حتى أن طرح مثل العبثية وغياب المعنى لم يتطرق إليه المسلسل من قريب أو من بعيد، الأمر يتلخص في رؤية كسولة مستندة إلى حكم مسبق فخلق تشوش في المعنى.
تستحق (إليزابيث أولسن) الإشادة عن أدائها لدور (كاندي)، فبعد سلسلة أفلام مارفيل التي لا تسمح لأحد بإظهار قدراته التمثيلية، تقدم (أولسن) نفسها هنا كممثلة من العيار الثقيل، طبعاً ساعدها السيناريو الذي اعتنى بأدق التفاصيل، حيث تظهر في بداية الأحداث بمظهر يختلف عن نهايته أمام القضاء، من أجل إقناع الرأي العام أنها مجرد ربة منزل تقليدية، وهو على العكس من مظهر (جيسيكا بيل) الذي ظلت عليه طوال مدة العرض، فالمحاكاة الخارجية الظاهرية هي ما كانت تشغل القائمين على العمل، وهكذا فالفارق بين العملين من حيث العناصر الفنية، ومتعة التلقي والمتابعة، قد نشأ من رؤية كل صانع عمل لما يريد تقديمه، بين من يحاول أن يحاكم (كاندي مونتجمري) ويدينها من خلال المسلسل، وبين من يحاول أن يفهم دوافعها وراء ما فعلته.
ذو صلة