مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

فيلم باربي.. ثورة اللون الوردي من منظور سوسيولوجيا الجندر

ماذا لو كانت النساء هن المتحكمات في مجريات الأمور، والسلطة في أيديهن؟! من منطلق يوتوبي نسوي ينطلق فيلم باربي حيث الحياة التي تعيش فيها باربي بنسخها المتعددة في (باربي لاند) المدينة الوردية التي ينقاد فيها الرجال ( كين) وراء متطلبات النساء.
في سيناريو كوميدي تدور أحداث الفيلم حول قضايا جندرية تخص النوع الاجتماعي حول حقوق النساء والرجال؛ يناقش الفيلم قضية شعور المرأة بالمساواة مع الرجل والقيود المجتمعية عليها، سواء أكانت متزوجة أم لا، وسواء كانت عاملة أو ربة منزل، كل تصرفاتها تحت المجهر وقيد الأحكام المسبقة. تبدأ باربي في الشعور والتفكير حول الموت، وينتابها شعور بالحزن وهي التي لم تعرف يوماً هذه المشاعر في عالم الدمى.
وتذهب باربي لباربي الأخرى (المسخ) التي انتقمت منها طفلة وحولتها لدمية مشوهة؛ لتعرف منها خطورة ما يحدث لها، وتطلب منها على وجه السرعة الذهاب في رحلة للعالم الحقيقي والبحث عن الفتاة التي تقتنيها هناك، لتعرف ما سبب حزنها وتحاول إصلاح الأمر قبل أن تذبل ويشوه جسدها (السيلوليت) (الخطوط الدهنية) التي تهاجم النساء وتفقد قدرتها على ارتداء الكعب العالي وغيرها من الأمور التي تعاني منها النساء في الواقع، وبالتالي ستفقد جمالها وهو ما يعتبر أمراً مرعباً للدمية باربي بالطبع.
لقد أثارت باربي منذ ظهورها في عالم الدمى إشكاليات كثيرة، وبخاصة للنسويات؛ كونها حولت معايير الجمال لمعايير تتطلب استهلاك المزيد من مواد التجميل والسخط على الجمال الطبيعي واللجوء لعمليات التجميل. فدمية ( باربي) هي ألد أعداء النسويات، حيث رفضن قولبة المرأة في صورة أنثوية ناعمة سطحية، في حين كان هدف مبتكرة اللعبة التي كانت تعاني من مرض السرطان هو كوني جميلة ومتحققة، (باربي) يمكنها أن تصبح رائدة فضاء وعالمة وطبيبة وباحثة ولاعبة كرة قدم وغيرها.. ذلك أن باربي كان لها أخطر الأثر على تفكير الفتيات، حتى أنني شاهدت فيلماً وثائقياً يروي مأساه فتاة طلبت نشر قفصها الصدري لتحصل على خصر رفيع مثل باربي، فقد أثارت مقاييس الجسد وفق باربي مآسي كثيرة.
الفيلم يصور باربي في عالمها الوردي تدور في فلك نفسها وطموحها، حتى أن الأغنية الرسمية للفيلم (أستطيع أن أرقص) توجه رسائل بأن باربي تخفي دموعها وأحزانها لتكمل حياتها، رغم أنها تكون على وشك الانيهار، بينما لا يجب أن يرى الناس ذلك، بينما كين وبقية الرجال (كين) يدورون في فلك دمى (باربي)، وجل طموحهم في الحياة هو كسب رضا وإعجاب وود (باربي)، بعكس الواقع. وأيضاً وضع صناع الفيلم أغنية لشخصية كين تعكس مآسي الرجال وصعوبة كتمان المشاعر، وكيف أن الرجل يجرح حينما يوضع في خانة الصديق وليس الحبيب، وكيف يتم تنميط الرجل جندرياً بأنه كامل لا يجب أن تتوقف حياته على أنثى، حيث عليه دائماً أن ينحي مشاعره وعواطفه. وفي أحد مشاهد الفيلم حينما ذهبت باربي للعالم الحقيقي، وظنت أنها سوف تكون محبوبة الفتيات المراهقات؛ اصطدمت بسخطهن عليها، كونها بثت لديهن شعوراً بالقبح واستحالة مواكبة معايير الجمال كما وضعتها باربي. برأيي، تعامل الفيلم بذكاء مع وجهات نظر مختلفة حول الذكورة والأنوثة في قالب كوميدي ساخر يجعلنا نفكر: إلى أين يمكن أن تنتهي البشرية في صراعها حول النوع الاجتماعي؟
وبذكاء يتناول السيناريو قضية أخرى هي الهيمنة الذكورية، وهي غاية في الأهمية بالتساوي مع النسوية. فالمجتمع يضع على الرجال ضغوطاً كثيرة ليكونوا جديرين بلقب (رجل). فعلى النقيض، يشعر (كين) بقوة الهيمنة الذكورية التي تمنحه مشاعر القدرة على القيام بأي شيء حتى لو كان لا يفقه عنه شيئاً كإجراء العمليات الجراحية في لقطات كوميدية تظهر ما تفعله الثقافة الجندرية في تغيير (باربي) و(كين)، فكلاهما يود تغيير القالب النمطي الجنساني الذي يكون عليه سواء الذكر أو الأنثى. فالأنثى الجميلة ليست غبية أو تهتم فقط بأمور الموضة والجمال، بل هي عالمة وحاصلة على نوبل وسياسية بارعة.. إلخ. والرجل الأشقر أو الوسيم ليس دائماً هشاً ولا يتسم بالرجولة. وتعرف الباحثة النسوية ماجي هم Maggi Humm الجندر باعتباره مجموعة من الخصائص والسلوكيات التي تشكلت ثقافياً، ويتم إضفاؤها على الإناث والذكور.
والقالب النمطي الجنساني هو نظرة معممة أو فكرة مسبقة عن خصائص أو سمات يملكها أو ينبغي أن يملكها الرجال والنساء، أو عن الأدوار التي يؤدونها أو ينبغي لهم تأديتها. والقالب النمطي الجنساني يكون ضاراً عندما يحد من مقدرة النساء والرجال على تنمية قدراتهم الشخصية، ومواصلة حياتهم المهنية، واتخاذ خيارات بشأن حياتهم وخطط حياتهم. والقوالب النمطية الضارة يمكن أن تكون عدائية/سلبية (مثل: النساء غير عقلانيات) أو حميدة في ظاهرها (مثل: النساء راعيات). وعلى سبيل المثال، فإن النساء، على أساس القالب النمطي الذي مؤداه أنهن أكثر رعاية، كثيراً ما تقع المسؤوليات في تربية الأطفال على عاتقهن بشكل حصري. ويحظر الإطار الدولي لحقوق الإنسان القوالب النمطية الجنسانية والتنميط الجنساني الذي يقوض التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية. ويقع على عاتق الدول الالتزام بالقضاء على التمييز ضد النساء والرجال في كافة نواحي حياتهم. (مفوّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، 2023).
وكنوع من أنواع المقاومة الجندرية، تصطدم باربي حين وصولها للعالم الحقيقي بتحرش الرجال بالنساء لمجرد ارتداء ملابس رياضية وملونة، كذلك لم يسلم كين من التحرش والتنمر أيضاً. كما تصطدم بأن القائمين على شركة (ماتيل) المنتجة لدمية باربي، جميعهم رجال ولا أدوار حقيقة للنساء، وهي الإشكاليات التي واجهتها مبتكرة (باربي) في الحقيقة، وأدت لتركها الشركة. تهرب باربي من ماتيل التي كانت تود سجنها في صندوق الدمى الشفاف وتقاوم وتعود لباربي لاند لتصطدم بما فعله كين في غيابها حيث حولها لـ(كين لاند) التي يسيطر فيها الرجال على النساء ويسخرونهن لخدمتهم. لتبدأ، مع الأم وابنتها اللتين كانتا تمتلكان باربي في العالم الحقيقي؛ رحلة مقاومة جندرية لإيقاظ دمى باربي ومحاولة نشر الوقيعة بين رجال (كين) لاستعادة السيطرة على باربي لاند، حيث يجسد الفيلم السلبيات الذكورية (العناد) و(النرجسية) والشعور بالزهو الذي ينتاب الرجال حينما يجدون النساء في ورطة حتى لو (ورطة تقنية)، حيث يشعرون بالسعادة حينما ترغب النساء في الاعتماد عليهم، ومع إثارة دمى باربي للغيرة بين رجال (كين) هنا يبدأ كين في فقد الهيمنة الذكورية لتعود نسوية باربي لهيمنتها. الفيلم لم يتخذ منحى نسوياً فقط؛ بل تطرق لمشاكل الذكورة التي تفرض ضغوطاً كثيرة على الرجل بداية من قولبته في صورة الرجل القوي دائماً الذي لا يتأثر عاطفياً، فلا يجوز أن يبكي، ولا يجوز أن يشكو، ويجب أن يكون مفتول العضلات يحظى ببنية جسمانية قوية، ويجيد فنوناً مختلفة، ويحيط علماً بكل صغيرة وكبيرة، ويحارب يومياً للحصول على قوت يومه، ويظل ناجحاً ليجذب انتباه الفتيات؛ كلها أمور تشكل ضغوطاً نفسية على الرجال، لكنها حتى لا تحظى بأي نقاش علمي أو مجتمعي. فقد انساقت العلوم الإنسانية أيضاً وراء الحركات النسوية ومحاربة التمييز الجنسي دون الالتفات إلى أهمية التنشئة الاجتماعية السليمة للذكور وقضايا الأبوة والتقدم في العمر.. وغيرها من الأمور التي يتم إغفالها كنوع من أنواع التعالي الذكوري أيضاً في سياق العلوم الاجتماعية. فالرجل ليست لديه مشاكل في المساواة بل النساء كذلك.
أثار الفيلم جدلاً كبيراً إثر طرحه عربياً، بالطبع بسبب بعض الألفاظ الجنسية، وربما من منطلق الخوف من أفكار التمرد النسائي وعودة موجة قوية من النسوية... فقد أشار العلماء في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة إلى الآثار الخطيرة للتعرض التلفزيوني لأفكار أو قيم معينة وخطورة ما يبثه من رسائل تترسخ في عقول المشاهدين وتؤثر على سلوكياتهم، من بينهم جورج جاربنر، وبيير بورديو من خلال أبحاثهم التي كشفت عن دور التليفزيون فى بناء القيم والتصورات المدركة للواقع الاجتماعى.
والفيلم يبعث برسالة مهمة ألا وهي ضرورة تجنب الأحكام المسبقة والعنف الرمزي والتنميط القائم على أساس النوع الاجتماعي، وتحجيم ذاك النمط من الإنتاج التلفزيوني الرقمي الذي يتناول موضوعات الجنسانية والجندر، والتي هي من ظواهر عصر الحداثة السائلة، وفقاً لعالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان الذي تطرق لمشكلة التمييز الجندري في كتابه ( التفكير سوسيولوجيا): (نحن في أزمنة تشكك في ثنائية الذكورة والأنوثة) (باومان، 2020: 180)؛ لأن ذلك يدخل المجتمعات في صراعات سطحية، ففي النهاية الذكر والأنثى كلاهما يكمل الآخر ويجب أن ينظر لأي منهما باعتبار أنه إنسان فقط. وليست ثورة اللون الوردي المصاحبة للفيلم، انطلاقاً من حملة الدعاية التي تروج جميع المنتجات باللون الوردي، أو ارتداء حضور الفيلم حول العالم لملابس وردية؛ إلا دعوة لحب المرأة لنفسها لقوتها وضعفها، واعترافاً ضمنياً بحقوقها في ممارسة حياتها دون أحكام، فهي لديها ما يكفي من الصراعات البيولوجية والنفسية الكفيلة بأن تدفعها للجنون والإحباط والاكتئاب، لكن مجرد لمحة تقدير لكينونتها الأنثوية سوف تعينها على التحمل والمواصلة.
فكما تشير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن خطورة التنميط الجندري تكمن في أنه نظرة معممة أو فكرة مسبقة عن خصائص أو سمات يملكها أو ينبغي أن يملكها الرجال والنساء، أو عن الأدوار التي يؤدونها أو ينبغي لهم تأديتها. والقالب النمطي الجنساني يكون ضاراً عندما يحد من مقدرة النساء والرجال على تنمية قدراتهم الشخصية، ومواصلة حياتهم المهنية، واتخاذ خيارات بشأن حياتهم وخطط حياتهم.
ويتركنا الفيلم مع كل المواقف الساخرة فيه، والإسقاط غير المباشر حول التنميط الجندري؛ نفكر في مكتسبات الرجال والنساء من المساواة، ويظل تساؤل ملح: إلى متى سوف يستمر قلق الجندر لدى (هو) و(هي)؟!
ذو صلة