وتأخذنا الدهشة من أن الروائي والقاص والسيناريست المُبدع، أديب (نوبل): (نجيب محفوظ،1911 - 2006)؛ له مؤلفات مسرحية! وتلك المؤلفات قد لا تقل أهمية عن أعماله الروائية والقصصية، لكنها لم تحظَ بنفس القدر من الاهتمام الجماهيري بها. ولعل ذلك مرده إلى أن (محفوظ) قد ولج باب التأليف المسرحي متأخراً بعض الشيء، بعد كتابته العديد من أعماله الأدبية، ما بين قصة قصيرة، ورواية طويلة، وسيناريو درامي. كما أنه لم يصدر كتاباً خاصاً بمسرحياته، بل جاءت مسرحياته ذات فصل واحد، ضمن مجموعاته القصصية المتفرقة. وكأنه تقمص شأن كبار الروائيين (غواية التجريب) لقوالب إبداعية مختلفة، أو أراد لمسرحياته أن تكون (قصة حوارية ذات أبعاد درامية). وربما فعل هذا (احتماءً) بقصصه التي لاقت استحساناً جماهيرياً كبيراً (أغناه) عن خوض غمار التأليف المسرحي. وهو أمر ليس بالهين اليسير أمام انتشار الأقلام المسرحية الخصبة المرموقة لأدباء عصره كـ(أحمد شوقي)، و(عزيز أباظة)، و(علي أحمد باكثير)، و(توفيق الحكيم)، و(عبدالرحمن الشرقاوي)، و(صلاح عبدالصبور).. وغيرهم.
لم يكتب (محفوظ) المسرح من أجل المسرح، فلم يسعَ لمسرحياته أن تكون لوحات درامية على خشبته، ولهذا جاءت جميع مسرحياته من فصل واحد، وإن تعددت المشاهد داخله. ورأى المشاهدون أعمالاً قصصية أو روائية لـ(محفوظ) على المسرح خلال (1958-1969)، كان أولها (زقاق المدق)، وآخرها (تحت المظلة). وجميعها لم يقم (محفوظ) بمسرحتها، بل قام مسرحيون بإعدادها عن أعماله الأدبية. ومع ذلك، لم يفكر أحدهم بتنفيذ مسرحية واحدة مما كتبه بنفسه. وتبقى (الإشكالية) حول العدد الدقيق لمسرحياته، وعن (فاعلية) لغتها الفنية، و(رمزية) بنائها الدرامي، و(إسقاطاتها) الواقعية.
لقد بدأ (محفوظ) تأليفه المسرحي ما بين (1967-1979)، فكتب ضمن مجموعته القصصية: (تحت المظلة) (الطبعة الأولى 1969) خمس مسرحيات: (يُحيي ويُميت)، و(التركة)، و(النجاة)، و(مشروع للمناقشة)، و(المهمة). ثم ظهرت المسرحية السادسة: (المطاردة) ضمن مجموعة قصصه (الجريمة) (الطبعة الأولى 1973). بينما ضمت مجموعته (الشيطان يعظ) (الطبعة الأولى 1979) مسرحيتان: (الجبل)، و(الشيطان يعظ).
ففي مسرحياته الخمس الأولى كتبها بعد (نكسة) الخامس من يونيو 1967؛ نوّه (محفوظ) في فهرس مجموعته القصصية بوجودها، ووضعها تحت عنوان منفصل: (مسرحيات من فصل واحد). ولم يفعل ذلك في المجموعتين اللاحقتين، كإشارة لولادة تجربته. وقام بإدخال مسرحية واحدة في مجموعته القصصية الثانية (الجريمة). وحرص على أن تكون أول الكتاب، وأورد اسمها في فهرسه، دون الإشارة إلى أنها مسرحية. أما في مجموعته القصصية الثالثة، فألف مسرحيتين في نهاية المجموعة. وكأنه نفض يديه من القدرة على جذب الانتباه لما يكتبه مسرحياً. وعموماً، جاءت مسرحياته الست (الأولى) ذات شخوص مجهولة الهوية والملامح. ولم تحمل اسماً ذا دلالة، فشخوصها: الفتى- الفتاة- الشاب- الرجل- الصديق- الأحمر.. إلخ. أما في المسرحيتين الأخيرتين (الجبل)، و(الشيطان يعظ)؛ فكانت شخوصهما واضحة الملامح، ومحددة الأسماء. حيث تأسست الأخيرة (الشيطان يعظ) على حكاية من حكايات (ألف ليلة وليلة)، أدخل إليها شخصيات تاريخية (القائد موسى بن نصير).
هل تأثر مسرح محفوظ بأعمال بيكت وأونسكو؟
لعل (محفوظ) قد اطلع على مسرحيات (صموئيل بيكت) (1906- 1989)، و(يوجين أونسكو) (1909-1994). حيث كان الحديث عن (شيء مجهول دائماً) هو ما اتبعه (بيكت) في مسرحيته (في انتظار جودو). بينما شخوص (أونسكو) في أكثر مسرحياته لا تحمل أسماءً محددة، كدلالة على أن (الموضوع) هو البطل، ثم المكان، والزمان. بينما الشخوص موظفون من أجل صياغة الحدث الدرامي في مسرح (اللامعقول). وعند (محفوظ): المجهول معلن عنه بصفاته أحياناً أو سلوكه أو ملامحه، وقد يكون (المجهول) عنده الحدث ذاته. ثم يأتي (قصر الجملة الحوارية) مما يؤدي للسرعة في الإيقاع كما عند (أونسكو) في (الممثلة الصلعاء).
ويتميز مسرح (محفوظ) بالسهل الممتنع، وقد تشكل مسرحياته (الست الأولى) مسرحاً (طليعياً)/مسرح (العبث) (ساد في خمسينات القرن الماضي إثر الحرب العالمية الثانية). ويعكس موقف المؤلف مما يتأمله من (عبث/ لامعقول/ فانتازيا/ مأساة/ تمرد على القديم)، وليس كتابة (العبث) ذاته، بل (سخرية) من الأحداث وتتابعها. ثم ينساق في مضمار رحلة بحث عن (معنى/ منظور/ تقويم/ قيم جديدة صالحة)، فيجد المرء شعوراً بـ(العزلة) عن مجتمعه الذي هو جزء منه.
الرمزية والبناء الدرامي
تدور المسرحيات الست الأولى: (يُحيي ويُميت)، و(التركة)، و(النجاة)، و(مشروع للمناقشة)، و(المهمة)، و(المطاردة)؛ في لحظات الغروب وإقبال الليل، وداخل مكان محدد، وموضوع محدد هو الحياة والموت، وشخصيات رئيسة هي الرجل والمرأة. وتتوالى أحداث مسرحية (يُحيى ويُميت) حول (فتى) يعاني آلاماً جسدية، وهزيمة نفسية. بجواره (فتاة) تسعى لتخفيف معاناته بطريقتها المسالمة، وتحاول إقناعه بالسمو والتسامح مع الآخرين، خصوصاً المُتسببين في آلامه وهزيمته، لكنه يرفض ذلك المنطق (الاستسلامي الغريب)، بينما هم يتفاخرون بالانتصار عليه. ولا يقبل إلا فكرة الطبيب (صوت العقل والضمير): لكى يتعافى من أسقامه لا بد أن يعتمد على نفسه وحاضره، بترك التباكي على أمجاد الراحلين، فالماضي ذهب برجاله ولن يعود، ويبقى تاريخهم رصيد من القوة يدفعه للأمام، ليطلب حقه، ويصنع مستقبله بيده. وينضم إلى المشهد (رجل ذو هوية مجهولة) يحاول إقناع (الفتى) بالصلح، ويتفق كل منهما على هدف واحد: تراجع الفتى عن فكرة الانتقام.
أما مسرحية (التركة) فتجري وقائعها في منزل رجل مريض يحتضر، وابن عاق حضر في اللحظات الأخيرة من حياة والده. ليس للاطمئنان عليه، بل للحصول على (التركة) وهي بيت قديم، ومحتويات بسيطة، وبعض المال والكتب التراثية الخاصة بالسحر والشعوذة. يفقد الولد مال أبيه بمكر من أحد المتلاعبين بالناس، فلا يبقى له إلا البيت والكتب القديمة. وبعد وقت يعود الرجل الماكر في أبهة تشي بمركزه المرموق ليساومه على شراء البيت. ويسأل الابن: كيف لهذا اللص شراء البيت بمال سرقه من قبل؟ ليعبر (محفوظ) من خلال عدة تساؤلات: أن الوجوه قد تتغير بمرور الزمن لكن يظل المضمون واحداً. وتسرد الأحداث بطريقة (الفلاش باك) كيف كوّن الوالد ثروته عبر الدجل مستخدماً كتب السحر القديمة. ثم يهرب الابن من سيطرة كتب السحر والدجل، فقد كره وراثة تلك المهنة، ولكن المؤلف يفاجئنا بأنه عاد وقد امتلك (خمارة)، كوسيلة احتيال أخرى لكسب المال، فيتحول الأب والابن إلى وجهين لذات العملة.
وفي (النجاة): نشاهد رجلاً يجلس وحيداً في منزله، وإذ بامرأة (متمردة) تطرق بابه هاربة من جريمة ما، فيدخلها منزله. إنها قصة اثنين ذوي طبائع مختلفة، يجمعهما نفس المكان/المصير. وعبر حوارهما يناقش الكاتب (الصراع بين الجنسين)، وتغير مفاهيم الحياة لديهما بشكل درامي. فالمرأة لا يشغلها سوى حماية الرجل، حتى ولو كان غريباً، أما الرجل فمشغول بما تخفيه (هي) من أسرار. إن ما تحاول الهروب منه، ما هو إلا مجتمعها الذي يلقي على عاتقها (كضحية) مسؤولية أي خلل يصيبه. فيتحرك الرجل لإنقاذها لكن بعد فوات أوان البحث عن حلول، فتكرر الأخطاء ذاتها، ويفقد الإنسان طريق النجاة. وفي عمله (مشروع للمناقشة) ينتقل بنا (محفوظ) إلى كواليس المسرح، من خلال اجتماع لمن يضعون أسس العمل الفني: (فنان، فنانة، مخرج، ناقد، والمؤلف). ويختلف الفريق حول المسرحية الجديدة التي يكتبها المؤلف، وحين يعترض يتقاذفون الاتهامات، ويقلل كل منهم من شأن الآخر، لنكتشف في نهاية الأمر أن (كواليس المسرح ما هي إلا كواليس الحياة).
أما مسرحية (المهمة) فتصلح أن تكون نهاية للمسرحيات السابقة، حيث تدور أحداثها حول شاب أسندت إليه مهمة ما، انشغل عنها بلقاء فتاة يحبها، ورجل يلاحقه كظله أينما ذهب. وفي نهاية اليوم، يبقى الشاب بمفرده يعانى الخوف وتسيطر عليه آلام تمنعه من الحركة، حتى ذلك الرجل الذي طالما وعده بالمساعدة رحل دون إلقاء نظرة عليه. فيدرك أن لحظة الحساب التي سرعان ما تتحول إلى عقاب قد حانت. ليعبر الكاتب من خلاله عن الإنسان حين تشغله مظاهر الحياة ومطامعها عن حقيقة وجوده ومهمته الأبدية، بأن يعمل جاهداً كي تستقيم الحياة، ولا يكتفى بتجاهل الإشارات التي تنبهه بأن هناك خطأ ما؛ سيجد نفسه وحيداً في محاكمته الأخيرة، فيطلب فيها العدل فلا يجده، فمن العدل أن هذا السلوك لا يستحق الرحمة، ويطلب الحرية فيمنح حرية اختيار طريقة موته.
وتتلخص فكرة مسرحية (المطاردة) في بطولة رمزية هي (الأبيض والأحمر)، وكأنه يقول إنها حكمة الحياة، وصراع الثنائيات المتضادة: الخير والشر، والطمع والرضا، واليقين والشك. تبدأ الأحداث بطفلين يحاولان الهرب من رجل يتتبعهما دون أن يخالطهما، فقط يرعاهما بنظراته، من أجل الاستمتاع باللهو بعيداً عنهما. ورغم أن الرجل لا يتحدث معهما، لكنه يضرب الأرض بسوطه محدثاً فزعاً كبيراً بصوته الأجش. وتمضي أحداث المسرحية أو قل الحياة فيكبر الطفلان حتى مرحلة الرجولة. وفي كل مرحلة عمرية يضرب الرجل ذو الصوت المرعب الأرض بسوطه. ليكتشف المشاهد أن هذا الرجل (الزمن) الذى يلاحقنا لنفارق الحياة مهما حاولنا الهرب منه، يظهر بقوته وجبروته يراقبنا عن كثب كأنه يحذرنا. وتختتم المسرحية بهذه الكلمات: (الأبيض والأحمر يتلاصقان، يحاولان مغادرة المكان، لكن قدميهما لا تسعفانهما، يسقطان، يزحفان على أربع إلى الخارج حتى يختفيا تماماً).
(الجبل) و(الشيطان يعظ)
مسرحيتان ذواتا شخوص محددة ومعروفة وأسماؤها معروفة، وبعضها من التاريخ العربي. وهما آخر ما كتب (محفوظ) (عام 1979). وتأخذنا لعالم ما بعد النصر والمحاسبة، وتختلفان عن المسرحيات السابقة التي مال فيها المؤلف إلى التجريد والعبث. ففي مسرحية (الجبل) تتجلى أحداث (الحارة، والفتوات) كدأب (محفوظ)، لكنه نقلها إلى خشبة المسرح، ليعالج قضية اجتماعية لمجموعة من الشباب قرروا (تخليص الحارة من الأشرار والمفسدين وطغيان بعض الفتوات)، فأووا إلى الجبل من الجبل، مأوى لنشاطهم. وراحوا كل يوم يقتلون رجلاً حتى اعتادوا الحكاية، وبدأ كل منهم يطلق الأحكام ويأتي بأحدهم للتخلص منه وفقاً لأهواء شخصية. وظل الحال قائماً حتى اختلفوا فيما بينهم (حسب الهوى، والمكسب الشخصي)، فاختل ميزان عدلهم، ونقضوا عهودهم، فدبت الفوضى والتصارع بينهم. لتنتهي أحلامهم باكتشاف أمرهم من قبل خطيبة أحدهم. فيموت الكل، ولا يبقى سوى أحدهم لينعيهم.
أما مسرحية (الشيطان يعظ)، (شاهدناها فيلماً سينمائياً فقط، وهي بالأساس مسرحية)؛ فتعتمد على إحدى قصص (ألف ليلة وليلة)، مع توظيف الحقيقة والواقع داخل الأسطورة. فقد استوحى أحداثها من حكاية (مدينة النحاس) زمن الدولة الأموية، حيث يخبر الأمير (طالب بن سهل) رسول الخليفة (عبدالملك بن مروان) إلى القائد (موسى بن نصير) في بلاد المغرب، قائلًا: (مولانا الخليفة يريد قمقماً من قماقم العفاريت الشهيرة بالمغرب ليستخدمه في تحقيق الخير). ويحار (ابن نصير) حيال هذا الطلب، ويرسل في طلب الشيخ العجوز (عبدالصمد بن عبدالقدوس الصمَّودي) (أَخْبر الناس بالصحراء.. حاضرها وماضيها). ثم تدور الأحداث لتبين عثورهم على القمقم في مياه البحيرة المسحورة، وفي داخله (عفريت) محبوس منذ سنوات طوال الذي قام بتجميد حركة الحياة في المدينة. ثم حديث (ابن نصير) معه وهو داخل القمقم، ليعيد الحياة مرة أخرى. وفي (الشيطان يعظ) يطرح (محفوظ) خلافاً عريقاً: هل يمكن تصحيح أخطاء الماضي حتى لو استطعنا العودة إليه؟! أم أنها مجرد فكرة (عبثية) يُعلق عليها ضعف الحاضر؟ كما يخلُص (محفوظ) لقانون اجتماعي: (العدل يحتاج إلى قوة الإيمان، لا إلى الشيطان).
وبعد (الجبل) و(الشيطان يعظ) عاش (محفوظ) سبعة وعشرين عاماً لم يكتب خلالها نصاً مسرحياً واحداً. وكأنه قد اكتفى بأن يكون (الأب الروحي للرواية العربية). وتبقى مسرحيات (محفوظ) الثمانية (كنز مدفون) غائب عن أعين الكثيرين. وهي بحاجة لاستخراجها، وصقلها، والانتفاع بها.