تعد ذاكرة الشاعر العربي الحاضن الأول لثقافاته، والمصدر الأول أيضاً لاستدعائها، كما تعمل في الوقت نفسه وسيلة أساسية لإعادة إنتاج تلك الثقافات، والتراث في كل ذلك يعد مكوناً ثقافياً يضاف إلى كثير من المكونات الثقافية التي ترعاها الذاكرة ويفرزها العقل أثناء الكتابة. وتهتم الدراسات التناصية الحديثة بتكوين العقل الثقافي باعتباره وعاء يعمل على دعم النص الشعري الحاضر بكثير من النصوص الغائبة، التي تمثل حضوراً مشتركاً، يؤثر في شعرية النص.
وإذا كانت الدراسات التناصية الحديثة قد توصلت إلى حقيقة أنه لا وجود لنص يتولد من ذاته، وكذا انتفاء صفرية النص، فإن النقد العربي القديم قد راعى ثقافة النص، واهتم (بتكوين الذاكرة لدى كل من المنشئ، والناقد)، ويرى ابن طباطبا أنه ينبغي للشاعر أن (يديم النظر في الأشعار، لتلصق معانيها بفهمه، وترسخ أصولها في قلبه، وتصير مواداً لطبعه، ويذوب لسانه بألفاظها فإذا جاش فكره بالشعر أدى إليه نتائج ما استفاده مما نظر فيه من تلك الأشعار، فكانت تلك النتيجة كسبيكة مفرغة من جميع الأصناف التي تخرجها المعادن، وكما قد اغترف من واد قد مدته سيول جارية من شعاب مختلفة، وكطيب تركب من أخلاط من الطيب كثيرة، فيستغرب عيانه، ويغمض مستبطنه، ويذهب في ذلك إلى ما يحكى عن خالد بن عبدالله القسري، فإنه قال: حفظني أبي ألف خطبة ثم قال لي: تناسها، فتناسيتها، فلم أرد بعد ذلك شيئاً من الكلام إلا سهل علي. فكان حفظه لتلك الخطب رياضة لفهمه، وتهذيباً لطبعه، وتلقيماً لذهنه، ومادةً لفصاحته، وسبباً لبلاغته ولسنه وخطابته)، و(من العالم الشعري الخاص بالشاعر تنبع رؤيته للعالم في صياغة خاصة به على نحو مستحدث يكشف فيه الشاعر عن مضامين متزاحمة متعانقة: اجتماعية وسياسية وفكرية وثقافية وحضارية، تستحضر التجربة البشرية الماضية والأخرى المعيشة الحاضرة، وليس غريباً أن يستدعي الحدث المعاصر التراث الملائم للغة التعبير عنه، وأن يختار -أيضاً- كم هذا الاستدعاء: جزئياً، أو كلياً، على نحو مستمر في خطابه الشعري كله أو على نحو متقطع في شكل إشارات)، (فالنص -في مفهومه العام- يطرح علاقة الإبداع بمواده الأولية، وبتعبير نقدي يعالج إشكالية القديم والحديث. وثمة عدة حقائق: (منها).. أن الذاكرة وعاء يملأ بقيم التراث المتعددة، فضلاً عن التجارب والمشاهدات المتنوعة، والعبارات والصور)، (ومن الواضح -أيضاً وهذا من البديهات الممهورة بالسذاجة- أن للماضي حضوراً حتمياً لا تستطيع أية ثورة أن تنفيه -لأنه أرسخ من (الأهرام) وأكثر سموقاً واستعصاء على الهدم- وأبرز شاهد على ذلك هو اللغة، وغير خاف أن الشاعر الحديث لا يريد أن ينكر اللغة، وإلا لم يكن شاعراً عربياً -بكل ما يحمله هذا الوصف من مميزات لغوية- ولكنه إنما يعني التحول بها، إلى مستوى يحقق ذاتيته، ويطبع على تاريخ اللغة ختمه، ويفرده بدور يبدو فيه وجوده معلماً شاهقاً في تيار الزمن)، واستطاع الشاعر المعاصر أن يستدعي التراث في جميع أشكاله، وأن يجعل منه درباً للوصول إلى غاياته، وأفكاره، (ويجب أن ندرك أن أكثر المبدعين أصالة من كان تركيبه الفني ذا طبيعة تراكمية، على معنى أن الروافد السابقة قد وجدت فيه مصباً صالحاً لاستقبالها)، وقد اتخذ الشاعر العربي قديماً وحديثاً من ثقافاته (القديمة والحديثة) مورداً استقى منه فكره ولغته، مما جعل نصه مورقاً أبداً.
وأتيح للشاعر العربي القديم من الممكنات ما جعله يباهي الأمم بسحر شعره، وعظمته، فكان للغته العبقرية التي اكتسبها ميراثاً عن أجداده قوة فاعلة في بناء القصيدة، ونظراً لرحلاته الكثيرة، التي لم تنقطع صيفاً وشتاءً، وسيفه، ورمحه، وفرسه أصدقاء الرحلة، وأوانس الصحراء، وناقته التي شاركته أفراحه وأتراحه، وحبيبته التي ودعته وظلت تنتظر رجوعه، وكانت تعد الأيام لعودته، كل ذلك جعل من القصيدة العربية القديمة حالة من الإدهاش، والإبهار، وتجربة لا يبليها مر الزمان، وإنما تتجدد مفاتنها بالتقادم.
واستعان الشاعر العربي القديم بكثير من ممكناته الثقافية التي سخرها لخدمة القصيدة، من ذلك قول النابغة الذبياني مخاطباً النعمان بن المنذر، وقد أراد أن يضرب له مثلاً في الصواب، فاستدعى له من الذاكرة -وهي ليست الذاكرة البعيدة- حكايةً عن زرقاء اليمامة، فيقول النابغة: أصب في أمري، ولا تخطئ فيه كما أصابت الزرقاء في عد الحمام ولم تخطئ:
احكم كحكم فتاة الحي، إذ نظرت
إلى حمام شراع، وارد الثمد
يحفه جانبا نيق، وتتبعه
مثل الزجاجة، لم تكحل من الرمد
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا
إلى حمامتنا ونصفه، فقد
فحسبوه، فألفوه كما حسبت
تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد
ومن ذلك أيضاً قول المتنبي:
برتني السرى بري المدى فرددنني
أخف على المركوب من نفسي جرمي
وأبصر من زرقاء جو لأنني
متى نظرت عيناي ساواهما علمي
كأني دحوت الأرض من خبرتي بها
كأني بني الإسكندر السد من عزمي
ومن استدعاءات الشاعر العربي القديم لممكناته الثقافية أيضاً، قول الأخنس الجهني، حين استدعى حكاية صخرة، المرأة التي خرجت تبحث عن زوجها حصين، وكان قد قتله صديقه من جهينة:
وكم من ضيغم ورد هموس
أبي شبلين مسكنه العرين
علوت بياض مفرقه بعضب
فأضحى في الفلاة له سكون
وأضحت عرسه ولها عليه
بعيد هدوء ليلتها رنين
وكم من فارس لا تزدريه
إذا شخصت لموقعه العيون
كصخرة إذ تسائل في مراح
وأنمار وعلمهما ظنون
تسائل عن حصين كل ركب
وعند جهينة الخبر اليقن
فمن يك سائلاً عنه فعندي
لصاحبه البيان المستبين
جهينة معشري وهم ملوك
إذا طلبوا المعالي لم يهونوا
وقد استدعى الشاعر العربي القديم المثل السائر، ليصبح أيقونة لقصيدته، على سبيل المثال قولهم: (يداك أوكتا وفوك نفخ)، وهو في الأصل عبارة نثرية، وقصته (أن قوماً كانوا في جزيرة من جزائر البحر في الدهر الأول، ودونها خليج من البحر، فأتاها قوم يريدون أن يعبروها فلم يجدوا معبراً، فجعلوا ينفخون أسقيتهم ثم يعبرون عليها، فعمد رجل منهم فأقل النفخ وأضعف الربط، فلما توسط الماء جعلت الريح تخرج حتى لم يبق في السقاء شيء، وغشيه الموت فنادى رجلاً من أصحابه أن يا فلان إني قد هلكت. فقال: ما ذنبي يداك أوكتا وفوك نفخ، فذهب قوله مثلا)، هذا وقد استدعاه أحد الشعراء، فقال:
دعاؤك حذر البحر أنت نفخته
بفيك وأوكته يداك لتسبحا
وفي هذا الشأن قد ضرب الشاعر العربي القديم أروع الأمثال في عمق المعاني، وجمال الصور، وكان شعره مرآة عاكسة لحياته، فقد استطاع الشاعر بما أوتي من لغة عالية، وثقافة واسعة أن يجعل من القصيدة لوحة تشكيلية بديعة.
والشاعر لا يستدعي كل الذي قرأه وتعلمه، لكنه عندما يدخل في حالة الإنتاج الشعري، فإنه يستدعي أثر هذه المدخلات، أي ما بقي منها والتصق بالذاكرة، ويستدعي ما يتناسب مع الموقف، ويختلف في ذلك شاعر عن شاعر آخر، والذي يضبط ذلك هو التوظيف والسياق الذي يستحضر هذا الأثر، أو هذه المادة.
والشاعر العربي المعاصر كان أكثر ثقافة ممن قبله -أو هكذا ينبغي أن يكون- ذلك لأنه اطلع -أو هكذا المفترض- على كثير من ثقافات متقدمة متباينة، وألم بأخبار وشؤون من سبقوه، وتاريخهم، هذا بالإضافة إلى اهتمامه الواسع أو العريض بالشأن القائم على المستويين: المحلي والعالمي، وإذا أضفنا إلى كل ذلك ثورة تكنولوجيا الاتصالات، التي أسهمت وتسهم في الكشف عن كل ما هو مخبوء، وبعيد، إلى غير ذلك من اتجاهات الحداثة، التي اقترنت بالشعر العربي مع نهاية الخمسينات من القرن الماضي، ومازالت إلى اليوم تخلع حديثاً لتلبس أحدث. كل ما سبق، يؤكد على عظمة واتساع ذاكرة الشاعر العربي المعاصر، وحضورها ضمن فضاءات القصيدة المعاصرة.