لقد سبق الأدباء على مر التاريخ العلماء في التنبؤ بمستقبل البشرية، حيث تمكن أدباء وكتاب من التنبؤ بأحداث كثيرة سوف تقع فيما بعد بسبب الاكتشافات العلمية التي قام باكتشافها العلماء. وهذا التنبؤ بالمستقبل وما يمكن أن يحدث للبشرية من تغيرات كبرى وقع تصنيفه نقدياً تحت ما يُسمّى بروايات المستقبل التي ليست بجديدة على الإطلاق، لكنها صارت سمة غالبة في كتابات وروايات الثقافة الاستهلاكية أو ما يمكن تسميته بالسرد الاستهلاكي. ومن أوائل الروايات التي تنبأت بالمستقبل رواية (رحلات جاليفر) فقد كتب الروائي الأيرلندي جوناثان سويفت عمله الذي تنبأ فيه باكتشافات علمية سوف تحدث بعد ذلك، وذلك العمل كان (رحلات جاليفر) الذي صدر عام 1726.
وبما أن روايات المستقبل رغم أنها أصبحت سمة غالبة في روايات الثقافة الاستهلاكية وجب أن نتوقف أمامها نستعرض تاريخها الأدبي بإيجاز ثم نُعرِّف بأحدث إصداراتها في الثقافة الغربية والعربية.
في بدايات الثلاثينات من القرن العشرين، نشر الكاتب البريطاني المخضرم (ألدوس هاكسلي) روايته ذائعة الصيت (عالم جديد شجاع) (Brave New World) التي صدرت عام 1932، واعتبرت من أكثر الروايات المبكرة في القرن العشرين التي تنبأت بشكل المستقبل وطبيعة الحياة فيه، من خلال إطار قصصي محكم يغلب عليه الخيال.
في الرواية عالم وصل إلى درجة كبيرة من الإفادة من العلم في كل تفاصيل حياته حتى في التناسل والزواج، فقد صار الناس يستعينون بالعلم بوضع الأجنة في أوعية خاصة بدلاً من أرحام الأمهات، وصارت الآلة (الريبوت) تقوم على خدمة الإنسان الذي تفرّغ لممارسة المتعة بشتى أشكالها. كل متعة يحصل عليها إنسان (العالم الجديد الشجاع) بضغطة زر.
في هذا العالم ينقسم المجتمع إلى عدة طبقات لا علاقة لها بالتصنيف الاقتصادي، بل متعلقة بالتصنيف الجسماني والعقلي. يتم تلقين كل أفراد المجتمعات كل الأفكار التي تُملى عليهم إملاء وهم في سبات عميق، يؤمنون بها إيماناً مطلقاً عند استيقاظهم. حتى مفهوم (الموت) لا يؤثر فيهم على الإطلاق، ويتعاملون معه بمشاعر هادئة خالية من الانفعالات كأنهم آلات وإن احتفظوا (بالمظهر البشري).
في رواية (شكل الأشياء التي سوف تأتي) (The Shape of things to come) التي صدرت في العام 1933، للأديب الإنجليزي (ه.ج. ويلز) يسلط الضوء على المستقبل، فهي رصد زمني للعالم ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى عام 2100، وقد تنبأ ويلز بوقوع الحرب العالمية الثانية في الأربعينات، يتلوها انتشار وباء عالمي في الخمسينات يقتل نصف سكان العالم. في الستينات يبدأ العالم في التماسك مرة أخرى عن طريق خلق مؤسسة عالمية تعمل على التحكم في الجو والبحر، تكون إرهاصات ببداية خلق (دولة عالمية) تستوعب كافة الأعراق والأجناس، تمتد هذه المرحلة من الستينات حتى نهاية السبعينات. ثم يبدأ تشكيل دولة عالمية حديثة، تقع فيها أحداث مختلفة تجعل الناس يعانون من الخوف والرهبة والكبت عبر هذه السنوات، إلا أنه في النهاية تصل البشرية إلى النضج الكامل بعد العام 2100. يمكن للناس أن يعيشوا حياة هادئة لا يحكمهم سوى الاحترام المتبادل والتربية السليمة للعقل والجسم والمنطق والمدركات، كما توفر الدولة العالمية معايير مضبوطة وصارمة للأملاك والمال العام ومساندة الفقراء، وتوحيد الفكر العالمي فيما يخص المبادئ الإنسانية والروحية.
ومن أشهر الروايات التي ناقشت تصورات المستقبل سياسياً، رواية الأديب البريطاني جورج أوريل الشهيرة (1984) التي نشرت عام 1949، ويمكن تصنيفها بأنها رواية (دستوبيا) سياسية تنبأت بمستقبل سياسي غارق في الاستبداد، الرقابة السياسية على الفكر ومصادرات الرأي تحت ما يمكن تسميته بـ(جمهورية الأخ الكبير) الذي يصادر حرية التفكير حتى يحول الناس إلى آلات صماء، تمارس الحياة البيولوجية، لكنها في حالة موات نفسي وعاطفي (ألم تحدث هذه الجمهورية واقعياً في كثير من ثقافات العالم منذ 1984 وحتى اليوم؟).
(نهاية مرحلة الطفولة) Childhood،s End التي صدرت عام 1953، للكاتب البريطاني آرثر سي كلارك Arthur C. Clarke رواية خيال علمي لعام 1953 للمؤلف البريطاني آرثر سي كلارك. تتابع القصة الغزو الأجنبي السلمي للأرض من قِبل الأسياد الغامضين، الذين يبدأ وصولهم لعقود من اليوتوبيا الظاهرة تحت حكم أجنبي غير مباشر، على حساب الهوية والثقافة الإنسانية، حيث يبدو الأمر وكأنه صفقة جيدة في البداية: غزو أجنبي سلمي من قبل السادة Overlords الغامضين، الذين ينهي وصولهم كل الحروب، ويساعد في تشكيل حكومة عالمية، ويحول الكوكب إلى شبه مدينة فاضلة. ومع ذلك، فهم يرفضون الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بأنفسهم ويحكمون من مركبات الفضاء التي تدور في الفضاء، وقد قال كلارك إن فكرة الرواية جاءت من العديد من المناطيد التي كانت تطفو فوق لندن خلال الحرب العالمية الثانية.
تأتي رواية (حريق في العمق) A Fire Upon the Deep للكاتب الأمريكي فيرنور فينج Vernor Vinge التي صدرت عام 1992، لتصور لنا عالماً تعيش فيه أجناس عديدة في الكون حيث يتم تحديد إمكانات العقل من خلال موقعه في الفضاء، من الكيانات فائقة الذكاء، إلى العقول المحدودة للأعماق غير المفهومة، حيث يمكن للمخلوقات البسيطة والتكنولوجيا فقط العمل. لا أحد يعرف ما هي القوة الغريبة التي قسمت الفضاء إلى (مناطق الفكر) هذه، ولكن عندما تستخدم ستروملي قطعة أثرية قديمة كسلاح، فإنها تطلق عن غير قصد قوة هائلة تدمر الآلاف من العوالم وتستعبد كل الذكاء الطبيعي والاصطناعي. التهديد، تم أسر عائلة من العلماء، بما في ذلك طفلان، من قبل كائنات فضائية من القرون الوسطى، ويتم الصراع داخل مجرة (درب التبانة) بعد آلاف السنين من الآن، هي ملحمة خيال علمي كبيرة وضخمة (400 صفحة) تتنبأ بما يمكن أن يحدث في المجرات الفضائية وليس كوكب الأرض فقط.
(البصيرة العمياء) Blindsight لبيتر واتس Peter Watts صدرت عام 2006، وحصلت على جوائز كبرى. تحكي قصة دانيال الذي فقد الرؤية بعينه اليسرى، وعندما يذهب إلى طبيب العيون يحيله إلى طبيب نفسي يجري له اختبارات فائقة الدقة، فيكتشف أنه يرى بعينه التي فقدت القدرة على الرؤية، لكن ببصيرته، فيما يُسمّى بالـ(البصيرة العمياء) تفتح الرواية نافذة على أجزاء من الدماغ لا تكون مرئية في العادة. إنها تقدم وجهة نظر للوظائف التي يصعب ملاحظتها، والتي عادة ما تكون صامتة.
الرواية استكشاف مؤلم لـ(مشكلة) الإنسان حيث يتبين أنها مشكلة حقيقية. كيف تأخذ كتاباً يبدو أن فرضيته المركزية هي أن تطور الوعي الذاتي في التطور البشري كان منعطفاً خاطئاً لم يكن من المفترض أن يحدث على الإطلاق؟ مسبار فضائي مهجور يسمع همسات من مذنب بعيد. هناك شيء ما يتحدث هناك: لكن ليس لنا. من الذي يجب أن نرسله لمقابلة الفضائي، عندما لا يريد أن يلتقي أحداً؟
أرسلت مجموعة تحاول أن تستكشف ما الذي يحدث، وتتكون المجموعة من عالم لغوي مصاب باضطراب تعدد الشخصيات، وعالم أحياء مفتون بالآلات لدرجة أنه لا يستطيع أن يشعر بجسده. أرسل محارب من دعاة السلام، ومصاص دماء تم استدعاؤه من القبر بفضل تقنية علمية. كما أرسل رجل فقد نصف عقله منذ الطفولة. أرسلوا جميعاً إلى حافة النظام الشمسي لإنقاذ العالم، فهل هم قادرون على المهمة وهم أكثر غرابة من الشيء الذي تم إرسالهم للبحث عنه.
لكن بقفزة أخرى زمنية يمكن لنا أن نقرأ رواية دستوبيا تتنبأ بمستقبل قد يحدث هي رواية (العصير) The Juice التي صدرت عام 2010، للكاتبة جانيت ستيلسون Janet Stilson، عبارة عن رحلة سيبرانية حول رحلة تجسس على سفينة أفعوانية، حيث يقوم إلينجتون جاريت المنفي من مجتمع النخب، والذي كان يحاول أن يعيش حياة بسيطة، لكنه يكتشف أن صديقه بال ثوم اخترع مادة كيمائية تحول الأشخاص إلى كائنات جذابة، تُعرف باسم الكاريزمية. بسبب جاذبيتهم المغناطيسية، يمكنهم حمل أي شخص على فعل أي شيء تقريباً. لكن (العصير) سرق وقُتل ثوم. يقوم جاريت برحلة البحث عن قاتل صديقه الذي استولى على (العصير)، وأثناء البحث يكتشف أنه يجب أن يتعامل مع مدير إعلامي قوي بأجندة غامضة وفتاة فقيرة شجاعة، تتحول إلى شخصية مشهورة تتمتع بقدرات غير عادية في الإقناع. يستكشف مستقبل أمريكا وكيف يمكن لشركات الإعلام أن تشكل آراء وسلوكيات الجمهور (أليس هذا ما يحدث حاليا؟!).