أن تظلّ رواية حيّة خمسين عاماً داخل الذاكرة، فهذا يدل دلالة واضحة على عمق الرواية وأصالة رسالتها، ويدل ثانياً على سردها المتدفق السلس، ولغتها العذبة البسيطة دون تكلف، ويدل ثالثاً على قدرة الكاتبة على الإمساك بمفردات الكتابة السردية وموهبتها المتفردة بالإحكام على ناصية الحكي. فقد دُرّست رواية ابن النيل للكاتبة جاذبية صدقي ضمن مقرر مادة اللغة العربية للصف الأول الإعدادي العام الدراسي 1973/ 1974، حيث طبع منها أكثر من خمسة ملايين نسخة، لتوزيعها على طلاب وطالبات المدارس في كل محافظات جمهورية مصر العربية خلال فترة السبعينات. وأعجبتُ جداً ببطل الرواية حمدان، ذلك الفتى ابن السابعة عشرة ربيعاً، الصياد الفقير اليتيم الوحيد الذي يعيش في بيت بسيط يُطلّ على نهر النيل بقرية نائية تتبع محافظة قنا جنوب القاهرة، ربما زاد إعجابي، لأن بيت حمدان يُطلّ على نهر النيل مثل بيتي الذي ولدت فيه بقريتي، ولأنني أحبّ صيد السمك مثله، وربما ثانياً لأنني تمثلت سيرة حمدان في الرواية، فسافرت للعمل بالقاهرة خلال سنوات الدراسة بالمرحلة الثانوية ثم الجامعية مثله، وربما أخيراً أن رواية ابن النيل فتحت أمامي نافذة التخييل، فبدأت بواكير حبّ القراءة عندي، وبدأت موهبة الكتابة تتشكّل وتنمو مثل نبات الزرع رويداً رويداً داخل عقلي، حتى أعلنت الموهبة عن نفسها خلال المرحلة الثانوية بكتابة الشعر أولاً، ثم كتابة القصة القصيرة بتشجيع أستاذي الدكتور عبدالقادر القط بكلية الآداب خلال سنوات الدراسة بجامعة عين شمس. جائزة مسابقة المجمع اللغوي
جاذبية صدقي روائية وكاتبة صحافية، مواليد 9 يناير 1920 بالقاهرة، ولدت بقصر والدها محمود باشا صدقي وزير الأشغال الأسبق بميدان لاظوغلي وسط القاهرة، وقد تولى والدها الوزارة من 2 ديسمبر 1924 حتى 13 مارس 1925 في وزارة أحمد زيوار، ثم عُيّن محافظاً للقاهرة بعد خروجه من الوزارة في مارس عام 1925. وجدها لأمها عبدالحميد باشا صادق، رئيس مجلس النواب، خلال الفترة من 10 أبريل 1902 حتى 30 يناير 1909 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني. تخرجت في مدرسة رمسيس للبنات (كلية رمسيس) عام 1936، والتحقت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ثم تخرجت في كلية الآداب قسم المسرح عام 1941، وحصلت على دبلوم في الأدب الإنجليزي عام 1943، والماجستير في الأدب المسرحي من الجامعة الأمريكية عام 1945، فأجادت الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، والتحقت بمجلة روز اليوسف عام 1954، ثم انتقلت للعمل بمؤسسة أخبار اليوم، ونالت الجائزة الأولى في مسابقة المجمع اللغوي بالقاهرة عن روايتها مملكة الله عام 1954، بعد منافسة شديدة مع الدكتورة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، وحسم عباس العقاد هذا التنافس قائلاً: هذه المسابقة للأعمال الإبداعية المتفردة، وعمل بنت الشاطئ يدخل في إطار البحث الأدبي.
عملت جاذبية صدقي أستاذاً زائراً لمادة المسرح بجامعة إلينوي بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1961، وكانت عضواً في نقابة الصحفيين، واتحاد الكُتّاب، وجمعية المؤلفين والملحنين، وجمعية الأدباء، والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب. وقدمت للمكتبة العربية أكثر من 40 كتاباً، فكتبت في القصة والرواية: مملكة الله، إنه الحب، صابرين، لمن يبتسم القمر؟ رائعة تلك الفتاة، ستّار يا ليل، ابن النيل، نظرة عينيه تلك، ليلة بيضاء، ليالي القمر، آخر الأرض. وللأطفال: ربيب الطيور، القلب الذهبي، بين الأدغال، حكايات عمّ سند البواب. وفي المسرح: سكان العمارة. وفي أدب الرحلات: في بلاد الدماء الحارة، رحلة ميكانو. وفي الترجمة: الشارة القرمزية لناتانييل هوثورن، لمحات من المسرح العالمي.
ابن النيل وصراع الجهل
رواية ابن النيل صدرت طبعتها الأولى عن الدار القومية للطباعة والنشر عام 1957، والرواية تؤكد ارتباط الفلاح المصري بالأرض وتأثره بفيضان نهر النيل، وأحداثها تجري بداية الخمسينات أي قبل إنشاء مشروع السد العالي عام 1971، وقد بدأ العمل بمشروع حفر قناة تحويل مجرى نهر النيل جنوب أسوان وصبّ أساسات محطة الكهرباء بالخرسانة المسلحة يوم 9 يناير 1960، وافتتح الرئيس السادات مشروع السد العالي يوم 15 يناير 1971 ولم يدخل التيار الكهربائي معظم القرى إلا نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات، وهكذا ظلّت معظم القرى المصرية تعاني من الظلام والجهل والخرافة والفقر والمرض، وهذا ما عاني منه حمدان بطل الرواية وأهل قريته.
في رواية ابن النيل أبان الجهل والخرافة بصورتهما عندما مرضت جاموسة الخالة ستيتة جارة حمدان، وراح الكثير من الجيران يصفون وصفات شعبية كدواء للجاموسة، ووقف حمدان قائلاً: يا أهل الخير العلاج الحقيقي يكتبه الطبيب، فنظروا إلى بعضهم متسائلين: ومن يذهب لإحضار الطبيب من المدينة البعيدة؟! وبيننا وبينها عدة ساعات من السفر، فتطوع حمدان للسفر حتى يعود بالطبيب، لكن أهل القرية ذبحوا الجاموسة قبل نفوقها، واجتمعوا على توزيع لحمها فيما بينهم حتى يساعدوا صاحبتها بثمن لحمها، لكن الطبيب أوقف توزيع اللحم حتى يكشف عليه ويُحدّد مدى صلاحيته للأكل، وبعد الكشف أعلن الطبيب أن لحم الجاموسة مسموم، ولا بد من حرقه بمكان بعيد عن البيوت، وعندما صرخت الخالة ستيتة وبكت على جاموستها، أعطاها حمدان عنزته هدية لها، وأعلن أمام الجميع أنه نوى السفر للقاهرة لاستكمال تعليمه بالسنة الأخيرة للثانوية العامة، وبالفعل باع أدوات وقارب الصيد، ليستعين بثمنهما على رحلته البعيدة، وعاش حمدان ثماني سنوات في سوق روض الفرج كاتباً للحسابات في وكالة الحاج خضر ابن الصعيد الذي رحّب به، وفي النهاية يعود حمدان طبيباً ماهراً لقريته يعالج ويقاوم ويكافح ثالوث: الجهل والفقر والمرض.
وجاذبية صدقي من أكثر الكاتبات التي قررت وزارة التربية والتعليم قصصها على تلاميذ المدارس الابتدائية والإعدادية، مثل: القلب الذهبي، ضمن مقرر اللغة العربية بالصف الأول الإعدادي في الثمانينات، وقصص: بين الأدغال، ربيب الطيور، فتى من الصعيد، عش العصافير، على تلاميذ المدارس بالمرحلة الابتدائية.
دراسات شعبية جادة
رصدت جاذبية صدقي معظم أحياء القاهرة، في مشروع دراسة ميدانية جادة للأدب الشعبي، هذا المشروع الكبير الذي أخذ من عمرها عشر سنوات، ظلت تجوب شوارع القاهرة، تعيش وسط الناس الطيبين، في الحارات والأزقة بالأحياء الشعبية، تقترب منهم، وتسمع حكاياتهم، وتسجل عاداتهم الشعبية بكلماتهم الطازجة الحارّة العفوية البسيطة، فتنقل صدق مشاعرهم، وتسجل أسماء الشوارع وتصفها وصفاً دقيقاً، كأنك ترى كل ذلك بعينيها، وتكتب نبذة عن أصحابها، وتضيف معلومات تاريخية عن صاحب الشارع أو صاحب الميدان، معلومات جديدة وثرية تفيد القراء، وشكلت كتاباتها عن هذه الأحياء دراسات جادة للأدب الشعبي، رصدت فيها أهم الملامح التي تميز هذا الحيّ عن غيره، مثل أحياء: السيدة زينب، الموسكي، الحسينية، خان الخليلي، الغورية، وكالة البلح، روض الفرج، في عدة كتب مثل: البلدي يوكل، أهل السيدة، بوابة المتولي، من الموسكي إلى الحسينية، على باب الله، حلو يا بلدي.
وأكدت في كتابها: من الموسكي إلى الحسينية، أن حيّ الحسينية هو في حقيقته شارع واحد يتبع حيّ الجمالية، ويمتد من بوابة الفتوح حتى مسجد سيدي البيومي، لكن يتميز هذا الشارع بشهرة كبيرة جاءت من فتوات شارع الحسينية، ولهذا تعمل له وزارة الداخلية ألف حساب، فأهل الشارع دماؤهم حارّة أكثر من أهل الصعيد، فإذا عاكس أحد المارة من شارع آخر بنتاً من بنات شارع الحسينية، فوراً تقوم معركة دامية، وترى نصف المتعاركين بأقرب مستشفى والنصف الآخر محبوسين في قسم الشرطة، وتضيف حكاية طريفة عن أهل شارع الحسينية الرجال، فقد حدث أن نائبهم في مجلس الشعب غدر بزوجته بنت الحسينية بعد نجاحه في مجلس الشعب، وتزوج عليها بنتاً صغيرةً من بنات مصر الجديدة، وأقام عندها، ورفض الإنفاق على زوجته وأولاده بحجة أن حماته تعيش معهم، وعندما أراد أن يترشح بالدورة الجديدة، تكاتف معها أهل الشارع والحيّ كلهم ضده، ورفضوا أن يعطوه أصواتهم حتى سقط في الانتخابات.
وفي كتابها: أهل السيدة، صدر يناير عام 1956، تتجول الكاتبة بين شوارع حيّ السيدة زينب والحارات والأزقة، وتصف شارع السد، وشارع مارسينا، وشارع زين العابدين، وشارع قدري، وشارع الناصرية، وتصف الحاجة بطاطا التي تجلس قريباً من مقام السيدة زينب، ترصد الكاتبة الأنفاس التي تتردّد بالدعاء، وتشتم رائحة البخور، وتسمع نداءات الباعة وسط الميدان، تجلس بجوار زوار مسجد أم هاشم، تسمع نداءاتهم وهم يهمسون ويبثون بشكواهم إلى أم العواجز، تقرأ وكأنك ترى رصداً دقيقاً لكل تفاصيل الحيّ الشعبي، في صور ولوحات قصصية بديعة رائعة، تمزج في كتاباتها بين الواقعي والخرافي، الحقيقي والمتخيل، اليومي المعيشي والماضي التاريخي، في سرد ممزوج بحرفية عالية، كأنها ضفيرة شعر ناعم متجانس متناغم لا نفور فيه، وترسم صور الاحتفالات الشعبية في الميدان بقرب قدوم مولد السيدة زينب.
بين الإذاعة والتليفزيون والسينما
عرفت رواياتها الطريق للإذاعة والتليفزيون والسينما، فقد تحولت روايتها: صابرين، إلى مسلسل إذاعي عام 1972، بطولة شادية وصلاح ذو الفقار وسميحة أيوب وعماد حمدي ومن إخراج عادل خفاجة، وكانت من أنجح الأعمال الأدبية التي قدمتها الفنانة شادية بالإذاعة المصرية، وبعد نجاح الرواية كمسلسل إذاعي حوّلها الكاتب أحمد صالح إلى فيلم سينمائي بنفس الاسم بطولة نجلاء فتحي ونور الشريف ويوسف شعبان وعادل إمام وهدى سلطان وعماد حمدي، وإخراج حسام الدين مصطفى عام 1975.
وكذلك تم تحويل روايتها: لمن يبتسم القمر إلى فيلم تليفزيوني إنتاج أفلام التليفزيون عام 1986، سيناريو وحوار أحمد لطفي، بطولة ليلى طاهر، صلاح السعدني، زهرة العلا، صلاح نظمي، صفاء السبع، وإخراج عبدالمنعم شكري.
وتحولت قصتها: رائعة تلك الفتاة، إلى سهرة تليفزيونية إنتاج صوت القاهرة، سيناريو وحوار سليمان دياب، بطولة بثينة رشوان، حاتم ذو الفقار، ميمي جمال، حسن مصطفى، وإخراج عبدالحميد أحمد.
شهادة كبار الأدباء
يصفها الدكتور طه حسين قائلاً: أدبها يدل عليها دون عنوان أو توقيع، ويتجلى نورها من أول سطر فيما تكتب.
ويكتب عباس العقاد قائلاً: والحقيقة فإن مصر ممتلئة بالنساء والمثقفات المتألقات عن جدارة، في الحرم الجامعي، وفي
المجتمع، وفي الصحافة، وفي كل الميادين، أما في ميدان الأدب فليس هناك أديبة فنانة حقاً، بالمعنى الذي أفهمه للأدب، سوى جاذبية صدقي القلم النسائي الذي يفهم الأدب كما ينبغي أن يُفهم، ويكتبه كما ينبغي أن يُكتب.
ويكتب أنيس منصور يوم وفاتها قائلاً: تألقت الأديبة جاذبية صدقي بنت الباشا طويلاً وكثيراً، ثم توارت، اختفت، تلاشت طويلاً، فكأنها ماتت قبل أن تموت بالأمس، وجاذبية صدقي تنتمي إلى مدرسة التحليل النفسي؛ إن كانت هناك مدرسة بهذا الاسم، فإن لم يكن؛ فهي ناظرة المدرسة والتلميذة الوحيدة، فكل قصصها القصيرة والطويلة كانت رحلات شقاء وعذاب في حواري النفس وسراديب الخصوصية، وكانت قاسية عنيفة على أبطالها مثل قسوة الدنيا عليها، فهي تجلدهم حتى يعترفوا، وكانوا يعترفون، ويقولون أكثر ممّا طلبت منهم، ولكنها لم ترحم منهم أحداً ولا نفسها.
وظلت جاذبية صدقي تكتب وتنشر قصصها على صفحات مجلات: الرسالة، روز اليوسف، الهلال، حواء، لتنافس كبار الأدباء: إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي ونجيب محفوظ طيلة سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات، وبعد رحيل زوجها عاشت مع ابنتها الوحيدة: بهية يوسف زكى، خريجة كلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية، حتى رحلت صباح يوم السبت 22 ديسمبر 2001، عن عمر ناهز 81 عاماً.