(13 فبراير) الذكرى 130 لولادة أكثر الكتّاب غزارة في الإنتاج خلال القرن العشرين، وهو الكاتب الفرنسي البلجيكي (جورج سيمنون) الذي ولد يوم (13 فبراير 1903) بمدينة (لييج) البلجيكية، وتوفي بمدينة (لوزان) السويسرية في (4 سبتمبر 1989). رحلة شكّل خلالها الكاتب مسيرة أدبية مائزة، سمتها غزارة الإنتاج، وامتدادها إلى السينما والترجمة، لتبقى مسيرة المبدع حية في الذائقة الفنية والثقافية إلى وقتنا الراهن، ومدار بحث واشتغال دائمين.
يمثل جورج سيمنون حالة خاصة في الإبداع الروائي، وأيضاً في الأنماط الأخرى للكتابة، سواء في التحقيقات الصحفية التي نشرها عندما كان يعمل صحفياً في بداية حياته، أو في الروايات البوليسية الكثيرة التي نشرها على مدى 48 عاماً. امتدت في الفترة بين (1924) و(1972) حين أعلن اعتزاله الإبداع الروائي إلى الأبد، أو في سيرته الذاتية التي سجلها بين عامي (1973) و(1982) في 20 جزءاً من المجلدات الضخمة، تحت عنوان (إملاءات).
أهمية التجربة
تأتي أهمية سيمنون للقارئ العربي من أنه أحد الكتاب المعاصرين الذين ترجمت له الكثير من الروايات في طبعات شعبية في القاهرة وبيروت، وبغداد ودمشق ومنها: الساحر، جريمة في الريفيرا، أشباح صانع القبعات، الضاحية، راقصة الملهى، الابن، المنبوذة، خيال الظل، الأميرة الروسية، جسم الجريمة، الكلب الأصفر، زبائن أفرونس كما تتأتى أهمية الكاتب في شخصية المفتش (جوليان ميغري) التي ابتدعها سنة (1929) والتي احتفل سيمنون بعيد ميلادها الستين في الأمسية نفسها التي ودع فيها الحياة في شهر سبتمبر (1989). تتجلى أهمية سيمنون أيضاً في كونه الكاتب الأكثر شعبية وقراءة في عصره، فلديه أكثر من 400 مليون قارئ في العالم حسب الإحصائية التي نشرتها منظمة اليونسكو سنة (1983) وفي سنة (2013) حسب نفس المصدر بلغ عدد قراء كتاباته 500 مليون قارئ. إلى جانب ذلك يعد سيمنون رابع أكثر الناطقين بالفرنسية ترجمة في العالم. هذا ومثلت أعماله مصدراً للإلهام السينمائي والتلفزيوني، حيث وقع تكييف رواياته حول العالم إلى أكثر من 70 فيلماً للسينما وأكثر من 350 فيلماً تلفزيونياً.
النشأة والأثر
ولد جورج سيمنون في مدينة لييج البلجيكية لعائلة متواضعة اجتماعياً، مما اضطره للانقطاع عن الدراسة مبكراً نتيجة وفاة والده. ظروف الحياة جعلته يطور ملكاته عصامياً، حيث اطلع واكتسب تدريجياً ثقافة واسعة أهلته إلى جانب موهبته للنجاح. تأثر في بدايته بعدد من الكتاب الذين طالع لهم أمثال: فيودور ديستويفسكي، بلزاك، جورج لويس بتيفنسون، وجاك لندن إلى جانب اهتمامه الأكبر بمطالعة الاعترافات والمذكرات الخاصة. أهله هذا التكوين العصامي لدخول معترك الحياة المهنية مبكراً، حيث عمل في سن السادسة عشرة صحفياً بعدد من الصحف والمجلات الفرنسية، وقام بعدد من التحقيقات بين (1919)
و(1946) تمكن خلالها من التعرف على عدد من الشخصيات السياسية الفاعلة حينها وأجرى معهم لقاءات صحفية أمثال: أدولف هتلر، ليون تروتسكي، ويستون تشرشل قام بجمع تلك التحقيقات في كتاب يحمل اسم (أفريقيا تتحدث إليكم)، كما أصدر مؤلفين آخرين في التحقيقات الصحفية هما: (البحث عن الزمن العاري) و(اكتشاف فرنسا).
قام سيمنون بنشر أول رواية له سنة (1924) وهو في العشرين من العمر تحت عنوان (سر الغرفة الصفراء) وقعها باسم مستعار هو (كريسيان برول). تواصل سيل نشره بأسماء مستعارة، وقد أعاد ذلك في أحد تصريحاته إلى أنه كان غزير الإنتاج، فراح يتعامل مع أكثر من ناشر بأسماء مختلفة. تخطى عدد الأسماء المستعارة التي وقع بها رواياته العشرين اسماً منها: جورج سيم، جورج مارتن، لودورسان، جوم جون، جان دورسان في حديث له حول غزارة إنتاجه، ذكر بكونه كان يكتب بمعدل ثمانين صفحة يومياً، وأنه يكتب رواية من عشرة آلاف سطر في ثلاثة أيام وبمعدل خمس روايات شعرية.
سنة (1929) كان الاكتشاف الأهم بالنسبة للكاتب وهو شخصية المفتش (جوليان ميغري) التي ذاع صيتها عالمياً، مع تزايد نجاح هذا العمل قرر سيمنون في (1932) أن يوقع أعماله باسمه، بعد أن رزق بابن وأراد له أن يكون فخوراً باسم سيمنون عندما يكبر. وقد كتب سيمنون تقريباً 80 رواية لهذه الشخصية البوليسية، وأُخرج بعض منها للسينما والتلفزيون على يد جان جابان وميشال سيمون وشارلز لوتون.
سنة (1972) وبعد كتابة روايته (الأوسكار) قرر سيمنون اعتزال الكتابة، حيث ذهب إلى العمدة في مدينة لوزان -حيث يقيم- وغير مهنته من (روائي) إلى (بلا مهنة) واختار بعد ذلك العزلة والعيش في إطار بسيط بعيد عن الساحة الثقافية، وتضاعفت عزلته وحزنه سنة (1978) بعد إقدام ابنته على الانتحار، الذي خلف له وجعاً دائماً. وعاش على هذا الوقع الذي تخلله فقط قيامه بالتسجيل الصوتي وأرشفة مذكراته. وبعد سنوات وفي (1981) طبعت مذكراته تحت عنوان (إملاءات) فعاد اسمه بقوة إلى الساحة الأدبية، ولكن الغريب، أن سيمنون صرح في آخر حوار صحفي له قبل وفاته، بأنه لم يكتب مذكراته، فقط أملاها في شرائط تسجيل لذلك أسماها إملاءات، وفي تفسيره لذلك يذكر أنه أحس بكونه كاتباً على المعاش وأنه فقد قدرة الخلق والإبداع، لذا قرر ألا يجعل هناك وسيطاً بينه وبين القراء، فقام بتسجيل كل شيء بوازع نفسي منه، وأكد بأن الرابحين هم الناشرون الذين قاموا بطباعتها.
مثل جورج سيمنون علامة فارقة في الأدب العالمي خلال القرن العشرين، من ناحية تنوع مجالات الكتابة لديه ومن خلال غزارة الإنتاج الذي وسم به. هذا الجهد مثل مدار اهتمام الساحة الثقافية حينها نقداً ومتابعة وبحثاً، وكان من أهم المعجبين بأدبه ماكس جاكوب، فرانسوا مورياك، وأندريه جيد الذي اعتبره روائياً عظيماً وأكثر الأدباء أصالة في الأدب الفرنسي.
أشاد الناقد (جون بانفيل) بروايات سيمنون بسبب رؤاها النفسية واستحضارها الحي للزمان والمكان. ولا أدل على نجاح أعمال جورج سيمنون من تواصل الاهتمام اليوم بترجمة رواياته وإعادة طباعتها بعد 130 سنة من ولادته و34 سنة من وفاته.