مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

إبداعات ألهمت السينما العالمية

منذ ولادة السينما على يد الأخوين الفرنسيين لوميير في نهايات القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة لم يكف فن السينما عن الاقتباس من الأدب، سواء ذلك الأدب الذي كتب قبله بمئات السنين، أو المعاصر له. هذا التاريخ الطويل الذي جمع بين النص المكتوب والفن السابع أفضى إلى ظهور أفلام سينمائية كثيرة تستند أساساً إلى نصوص روائية لدرجة قيل معها -وبدون إحصائيات موثقة- إن ما يقرب من نصف الإنتاج السينمائي العالمي هو في الأصل مستوحى من الكتابات الروائية والمسرحية، ومن أساطير وحكايات الشعوب المختلفة.

من (آليس في بلاد العجائب) للويس كارول، إلى (موبي ديك) لهيرمان ميلفل، ومن (قلب الظلام) لجوزيف كونراد، إلى (اسم الوردة) لامبرتو ايكو، ومن (العطر) لباتريك زوسكيند إلى (الحب في زمن الكوليرا) لغابرييل غارسيا ماركيز... وتطول القائمة كثيراً لتصل إلى (آل بودنبروك) لتوماس مان، ونصوص جيمس جويس ومارسيل بروست وفيكتور هيغو والبير كامو وكافكا وديستوفسكي وشولوخوف وشكسبير الذي اعتبره المخرج الأمريكي الكبير أورسون ويلز (أعظم كاتب سيناريو في التاريخ)، في إشارة إلى الاقتباسات الكثيرة التي حظيت بها أعماله المسرحية لشاشة السينما.
أما في المثال العربي، فربما كان نجيب محفوظ أحد أكثر الروائيين اقتباساً للسينما، فقد فتن بعض المخرجين ومنهم صلاح أبو سيف وعاطف الطيب وغيرهما بقصصه الواقعية التي نالت شهرة واسعة كروايات، وحظيت بالتقدير كأفلام، كما جذبت روايات حنا مينه بعض المخرجين، وكذلك الحال مع روايات المنفلوطي ويوسف السباعي ومحمد عبدالحليم عبدالله وغيرهم، ولعل أحد أفضل الأفلام المصرية التي أنتجت حديثاً، ذلك المقتبس عن رواية (عمارة يعقوبيان) لعلاء الأسواني، وسط حديث بأن روايته (شيكاغو) ستنتقل قريباً، كذلك، إلى شاشة السينما.
لكن هذه القاعدة التي تقول بأن أفضل الأفلام تلك المقتبسة من روايات أدبية ليست ثابتة، إذ أن ثمة صراعاً دائماً بين صاحب الرواية من جهة والمخرج أو كاتب السيناريو من جهة ثانية، فتحويل الرواية إلى فيلم لم يكن موفقاً على الدوام، ذلك أن كل أفلمة لنص أدبي، تعد خيانة له، كما توصف الترجمة عادة.
ويحفل أرشيف السينما العالمية بأمثلة عن روائيين أبدوا سخطهم الشديد لدى مشاهدة أعمالهم الروائية على شاشة السينما. هذا الموقف السلبي يتراوح بين أقصى حالات الغضب، ومثال ذلك موقف الكاتب الجماهيري الأمريكي ستيفن كينغ الذي اعتبر أن المخرج ستانلي كوبريك قد أساء إلى روايته (إشراق) حين أفلمها، وبين التسامح الموارب ومثال ذلك فيلم آخر لستانلي كوبريك هو (البرتقالة الآلية)، حيث إن كاتب النص أنطوني بارغس، قال بعد مشاهدته الفيلم إنه لا يشعر بقربه من نصّه، لكنه يجد نفسه أمام عمل رائع لكوبريك بصرف النظر عن الأصل.
وفي المقابل ثمة أفلام مقتبسة عن أعمال أدبية حققت نجاحات واسعة، لدرجة أنها هي من منحت الرواية شهرة ورواجاً واسعين بعد تحويلها إلى فيلم سينمائي، ولعل المثال الأبرز هنا هو فيلم (ذهب مع الريح) الذي أضاف إلى الرواية قيمة كبيرة لم تكن تعرفها قبل أن تتحول إلى فيلم، وتخطت شهرة الرواية الولايات المتحدة، بعد ظهور الفيلم، لتصبح مطلوبة وبمختلف اللغات.
يقول الناقد السينمائي اللبناني إبراهيم العريس إن «الفن السينمائي وكأنه مجرد ترجمة لتاريخ الأدب المكتوب. ولعل أوفى دليل على هذا هو أن القسم الأكبر من النصوص التي أبدعها الإنسان، روائياً وربما أيضاً مسرحياً، في تاريخه ومنذ فجر البشرية صار أفلاماً».
ويوضح العريس «يندر أن توجد اليوم رواية أو قصة لم تحوّل إلى عمل سينمائي، ومع هذا، يمكن في شكل إجمالي، وضع لائحة تقريبية، تقول إن شكسبير هو الأكثر اقتباساً، ومن بعده قد يأتي الكتاب المقدس، ثم فكتور هوغو وإميل زولا وإرنست همنغواي وخصوصاً ألكسندر دوماس ودوستويفسكي، إضافة إلى عشرات غيرهم من كتّاب (كلاسيكيين) اقتبسوا، ليس فقط في بلدانهم وباللغات التي كتبوا بها، بل في بلدان عدة من العالم وبلغات أكثر عدداً. وهكذا، على سبيل المثال، نجد أعمال ديستوفسكي مقتبسة في مصر كما في اليابان، في بولندا والاتحاد السوفييتي السابق كما في الولايات المتحدة، وكذلك الحال بالنسبة، مثلاً، إلى الكسندر دوماس، الذي نجد أعماله الأساسية، من (الكونت دي مونتي كريستو) إلى (الفرسان الثلاثة) تكوّن جوهر عشرات الأفلام المنتجة في القارات الخمس. وكذلك هي حال تولستوي وغوركي. أما ابن دوماس، الكسندر الابن، فإننا، على رغم ضآلة عدد أعماله المقتبسة إلى السينما، لا بد من أن نلاحظ كيف أن مأثورته (غادة الكاميليا) حققت في أفلام تكاد تغطي جغرافياً عشرات البلدان، وزمنياً، حقباً كثيرة، بحيث يمكن القول إن ثمة (غادة كاميليا) في سينما كل بلد تقريباً».
المخرج السينمائي السوري غسان شميط الذي يعمل حالياً على تحويل رواية (الشراع والعاصفة) للروائي حنا مينه إلى فيلم سينمائي، يقول إن «دور الروائي ينتهي بمجرد صدور الرواية، فهو يكون بذلك قد وضع كل أفكاره وآرائه على الصفحات، ورسم عالمه الروائي وشخصياته بشكل نهائي؛ ليبدأ بعد ذلك عمل السيناريست الذي لا بد له من قراءة الرواية مرات عدة، والسعي إلى فهم مضامينها وأفكارها وطروحاتها، ومن ثم إيجاد أسلوب لكتابة السيناريو الذي يحول المفردة إلى صورة».
ويضيف شميط الذي أخرج (شيء ما يحترق)، و(الطحين الأسود)، و(الهوية) «إن على كاتب السيناريو أن يختصر الوقت، مع المحافظة على روح النص، فالسيناريست قد يتوقف عند سطر واحد في الرواية ليحوله إلى مشهد طويل، وقد يغفل، في المقابل، عشرات الصفحات التي يصعب تحويلها إلى صورة، ذلك أن الثرثرة الطويلة في الرواية تعيق، أحياناً، سلاسة السرد السينمائي».
وحول تجربته مع (الشراع والعاصفة) يقول شميط في حديث لـ(المجلة العربية): «أعدت قراءة الرواية مرات عديدة، وسعيت إلى أن يكون بطل الرواية هو الشخصية الأهم في الفيلم، ولأن الرواية طويلة نسبياً عملت على التركيز على بؤرة الحدث الدرامي، فالمخرج السينمائي مقيد بنحو ساعتين وسطياً (وهو مدة الفيلم عادة) بينما الرواية قد تحلق في عوالم يصعب مجاراتها سينمائياً».
وأشار شميط إلى نقطة وصفها بـ(المهمة)، وهي «تلك النقطة المتعلقة بقلة الإمكانيات المادية بالنسبة للسينمائيين السوريين على الأقل، فالروائي يشطح مع خياله وتأملاته بالقلم والورقة دون أن يكلفه ذلك شيئاً مادياً، أما المخرج فيعمل بالكاميرا ومع فريق عمل كبير من الديكور إلى الإضاءة إلى التصوير إلى الماكيير والموسيقى والمونتيير.. وكل ذلك يتطلب مبالغ مادية هائلة، لذلك لا يمكن للمخرج أن يضع تصورات وهو يعلم أنه لن يتمكن من تنفيذها بسبب كلفتها الإنتاجية الباهظة. والواقع هذا ما واجهته لدى العمل على (الشراع والعاصفة) إذ عدلت كثيراً في السيناريو بحيث يتلاءم مع الميزانية المرصودة له من قبل المؤسسة العامة للسينما في سوريا».
ووفقاً لذلك، دعا شميط إلى «عدم تدخل الروائي في عمل السيناريست والمخرج، لأن الرواية لها أساليب وأدوات تختلف عن الأسلوب السينمائي الذي ينجز بالصور، ويعتمد على فن تركيب اللقطات والمشاهد التي يجب أن تكون مبررة ومقنعة»، لافتاً إلى أن «بعض الأفلام تفوقت على النص الروائي، وثمة في المقابل أفلام أساءت إلى العمل الأصلي»، مشدداً على أن «الرواية لا تنتهي بمجرد تحويلها إلى فيلم سينمائي، فالرواية ستظل متاحة للقارئ، ويمكن له أن يعود إليها متى شاء، والمشكلة أن هذه البديهية تغيب عن بال الروائيين الذين يعتقدون أن رواياتهم تموت ليحل محلها الفيلم السينمائي، وهذا منطق مغلوط، فالرواية تعيش إلى جانب الفيلم المستوحى منها، ولذلك على الروائي ألا يحتج على الفيلم سواء رضي عنه أم لم يرضَ».
الشاعر والناقد السينمائي بندر عبدالحميد يشير بدوره إلى أن الأدب كان على الدوام مرتعاً خصباً وملهماً للسينما، وثمة أعمال خالدة في الأدب العالمي ظلت هدفاً متواصلاً للسينمائيين على اختلاف جنسياتهم ومواهبهم ومرجعياتهم، ومنها الأساطير الإغريقية، وألف ليلة وليلة، وأعمال غوته وهوغو ودوماس وهمنغواي وغيرهم.. وجاءت بعض هذه الأعمال في أفلام مكررة في تنويعات ومستويات مختلفة في شكلها ومضمونها، وهذا ما نجده، تمثيلاً لا حصراً، في الأفلام المقتبسة عن الفانتازيا الغربية (مغامرات البارون مونشهاوزن) للمؤلف الألماني رودولف اريك راسب الذي عاش في القرن الثامن عشر.
ويوضح عبدالحميد في حديث لـ(المجلة العربية) إن «هذا العمل الروائي سحر المخرجين وأحبط بعضهم وأرهق بعضهم الآخر، فهو مغامرات تحتاج لمخرجين وممثلين مغامرين إلى حد الجنون. وكان أول من قدم هذه المغامرات في فيلم سينمائي هو المخرج الفرنسي جورج ميليه في عام 1911 تحت عنوان (هلوسات البارون مونشهاوزن)، ومع جودة هذا الفيلم إلا أنه تسبب في أزمة مالية بين المخرج والمصرف الممول، حيث تضاعفت تكاليف الإنتاج عن التقديرات الأولية. وفي عام 1942 قدمت أستوديوهات يوفا في برلين نسخة ملونة عن هذه المغامرات للمخرج الهنغاري المهاجر جوزيف فون باكي. وفي عام 1979 قدم المخرج الروسي مارك زاخاروف فيلماً آخر عن هذه المغامرات. وفي عام 1988 قدم المخرج الأمريكي من أصل بريطاني تيري غليام فيلم (مغامرات البارون مونشهاوزن) بعد محاولات متكررة وبائسة».
ويضيف عبدالحميد أن «هذا السرد التاريخي، لما ناله هذا العمل من اهتمام في السينما، ما هو إلا مثال ينطبق على مئات الأعمال الروائية التي وجدت طريقها إلى الشاشة»، لافتاً إلى أن «المقارنة بين العمل الروائي والعمل السينمائي، في الأساس مقارنة خاطئة، ذلك أن لكل فن بنيته وأدواته وأساليبه المختلفة تماماً عن الآخر، ومن الطبيعي أن يعترض الكاتب على الفيلم المقتبس عن روايته لأنه يجد عالماً مختلفاً عما هو موجود في روايته، وهذا الاختلاف لابد منه نظراً لأن شروط الإنتاج السينمائي تتطلب رؤى وتصورات قد لا تنجح في نيل رضا الروائي، وعلينا ألا ننسى أن الكثير من الأفلام رفعت رصيد روايات بائسة؛ ضعيفة المستوى».
من جانبه رأى الروائي والصحفي السوري أحمد عمر أن «الأفلام الرائعة هي تلك المقتبسة عن أعمال أدبية كبرى، ذلك أن الأفكار التي تكتب خصيصاً للسينما، وبطلب من شركات الإنتاج السينمائية الساعية إلى الربح فحسب، سرعان ما تموت، أما الأفكار المبثوثة في ثنايا الروايات والأعمال الأدبية التي توصف بـ(الخالدة)، فهي التي تلعب دوراً في نجاح الفيلم السينمائي، وانتشاره، وهي كذلك تقدم بمعالجات مختلفة على عكس السيناريو المكتوب للسينما الذي ينفذ مرة واحدة».
ويضيف عمر في حديث لـ(المجلة العربية) أن رواية «الكونت دي مونتي كريستو، مثلاً، اقتبست مرات عدة للسينما منذ بداياتها وحتى اللحظة، وتشير إحصائيات إلى أن هذه الحكاية وجدت طريقها إلى الشاشة بكثافة، إذ بلغ معدل الاقتباس فيلماً كل 18 شهراً»، ويعرب عمر عن اعتقاده بأنه «مهما بدا المخرج أميناً ووفياً لمناخات النص المكتوب، فإن التباينات ستقع حتماً، ذلك أن لغة الكلام تختلف عن لغة الصورة، وإذا كان الصحيح أن الرواية والفيلم يعتمدان على القص والروي، فإن أداة التعبير تختلف لدرجة لا يمكن معها عقد مقارنة منصفة بين الفيلم والرواية».


ذو صلة