مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

واقع الرواية المصرية وتاريخها الدرامي

في عام 2006 قام المخرج المصري مروان حامد بتحويل راوية الكاتب علاء الأسواني إلى فيلم يحمل نفس الاسم الروائي للعمل الأدبي (عمارة يعقوبيان)، واعتقد بعض النقاد أن 2006 هو عام عودة الوئام بين الرواية والسينما بعد انقطاع دام لعقود طويلة تخللتها أعمال بسيطة لم تترك أثراً في الذاكرة.. وعقب عرض الفيلم ببضعة شهور ظهر الجدل جلياً عبر تساؤل مفاده «هل نجح الفيلم لاعتماده على نص أدبي قوي، أم كان نجاحه نتيجة مشاركة نجوم لهم ثقل عند الجمهور أبرزهم الفنان عادل إمام؟».. وهذه القضية لم تحسم بعد وإلى الآن لم تزل الأقلام تدلي بدلوها في بيان سر نجاح الفيلم.

انتظر الجمهور عودة المزاوجة بين الفيلم والرواية.. لكن خابت آمالهم باستثناء تجارب صغيرة لعل أبرزها (صائد اليمام) المأخوذ عن رواية الكاتب إبراهيم عبدالمجيد، وتحمل نفس الاسم وأخرجها للسينما إسماعيل مراد، ومؤخراً رواية إبراهيم أصلان (عصافير النيل) للمخرج مجدي أحمد علي وكلاهما لم يصادف نجاح يعقوبيان.
أيهما له الفضل على الآخر؟
أيهما له الفضل على الآخر الفيلم المأخوذ عن الرواية أم الرواية التي أخذ عنها الفيلم؟.. علاقة شبه حميمية جمعت بين الرواية والسينما، ولعل مقولة الناقد الفني الأمريكي روبير وارشو، في معرض تناوله للأفلام المأخوذة عن روايات هنري جيمس تلخص المسألة: «لم آت بهنري جيمس إلى السينما، كما لم آخذ السينما إلى هنري جيمس، ولكن أرجو أن أكون قد أوضحت أن الشخص الذي يذهب إلى السينما هو نفس الشخص الذي يقرأ رواياته».
ومن مقولة وارشو تتضح أهمية العلاقة بين الرواية والصناعة الفيلمية. فالأولى بما تحويه من حدث درامي متصاعد وشخوص وزمان ومكان يتيح للثانية إبراز الأولى في شكل كائن متجسد ينبض ويستطيع العوام التفاعل معه والتأثر بمضمونه.
لكننا لا نستطيع أن نؤكد أن العلاقة بين الرواية والسينما علاقة تقارب على طول الخط، حيث إن الرواية تعتمد في تكوينها السردي على مخاطبة اللاوعي من خلال تخيل الشخصيات وإضفاء طابع المكان والزمان، بينما في الصناعة الفيلمية تكون الصورة هي المؤثر الأول والجاذب لإبصار المشاهدين.
ولعلنا نحصر هنا إطار الموضوع داخل المجتمع المصري الذي شهد مصاهرة بين الأعمال الروائية والسينما، وقد بدأ عقد القران بينهما منذ رواية (زينب) للكاتب محمد حسين هيكل، وهي رواية تحكي قصة حب، فقد أحبت الفتاة القروية زينب فتى قروياً فقيراً هو إبراهيم. ولكن أهلها زوجوها من فتى آخر أكثر منه ثراء وهو حسن، ويتم استدعاء حبيبها للخدمة العسكرية فعانت زينب من فراقه وقضت نحبها على فراشها، ثم فاضت روحها في الوقت الذي كان حبيبها يحس بالألم ولا يدري له سبباً. وظهر الفيلم الذي يحمل اسم الرواية في الثلاثينيات للمخرج محمد كريم.
وأكد النقاد حينها على نجاح المخرج في تناوله للعرض الدرامي لرواية هيكل دون الإخلال بسياق الرواية أو التلاعب في سير الأحداث فيها، وتوالت المقاربة بين السينما والرواية وإن شهدت أوج ازدهارها في حقبة الستينيات.
الستينيات أوج العناق بين الرواية والسينما
نشير هنا إلى مقولة الناقد الراحل د.محمود الحسيني الذي أوضح أن الستينيات كانت الينبوع المتفجر بالحياة لكافة الفنون النثرية والمرئية والشعرية، حيث شهد المجتمع المصري انطلاقة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الظرف الزمني الذي أتيح في فترة الستينيات، وهي الفترة التي برزت فيها الرواية ظهيراً مسانداً لصناعة السينما، وتصدر المشهد إحسان عبدالقدوس بأكثر من 40 فيلماً مأخوذة عن رواياته التى تتنوع بين الكلاسيكية والرومانتيكية والثورية كفيلم (في بيتنا رجل) الذي حمل عنوان الرواية التى كتبها إحسان، وتوالت الأعمال الروائية تطرح نفسها مدعمة للصناعة الفيلمية فبرز يوسف إدريس بروايته (النداهة) التي أبرزت جحود القاهرة كعاصمة على سيدة لا تعلم عن الحياة سوى رجلها الذي اختارته الأسرة للزواج منها منفتحة على القاهرة بإيقاعها المتغير وأخرجه المخرج حسين كمال.
وقبل إدريس كانت السينما المصرية تتفجر بواقعية الحارة وتفاصيلها عند أديب نوبل نجيب محفوظ، فكانت الثلاثية نماذج لعرض تفاصيل الحياة المصرية وتأريخاً لفترة الاحتلال الإنجليزي قبل ثورة 1919، واستطاع الفن السابع أن ينقل المكتوب من أوراق أديب نوبل إلى الجماهير التي تهافتت على دور السينما ترصد وتستمتع بالصناعة الفيلمية الأدبية.
نجيب محفوظ قال في أحد لقاءاته: «أعترف بأن السينما قد رسخت موضوعاتي الروائية ورؤيتي الفنية، ولولا أن أعمالي الروائية لم تنقل إلى الشاشة الكبيرة، لما اشتهرت بهذا الشكل الواسع. إني أعتبر نفسي نجيب محفوظ السينما، إذ أن الذين نقلوا رواياتي سينمائياً، إخراجاً وتمثيلاً، كانت لي متعة أن أراهم كباراً في الفن».
بديهياً نسأل عن ماهية اختزال عمل روائي ضخم في مساحة زمانية لا تتجاوز ساعة ونصف على الأكثر، هي مدة عرض الفيلم، ويكون السؤال هل يؤثر هذا الاختزال على الحدث الدرامي أو السياق الأدبي؟
المخرج إبراهيم البطوطي مخرج فيلم (عين شمس) الذي حاز على جوائز دولية يؤكد أن العلاقة بين الرواية والسينما علاقة أشقاء، كل منهما يحنو على الآخر غير أن المخرج يكون هو الأب لهذين الشقيقين، بمعنى آخر يجب أن يكون المخرج متذوقاً للعمل الأدبي ومتفهماً أبعاده كي لا يقوم بالتجني على الرواية بحجة الإعداد أو الرؤية الفنية، وإن كانت أبرز الأمثلة في دويتو الرواية والسينما هنري بركات وإحسان عبدالقدوس.
ونستحضر هنا عميد الأدب العربي وروايته دعاء الكروان التي أخرجتها السينما المصرية في نهاية الخمسينيات وتحديداً عام 1959م، حيث رأى هنري بركات أن تكون نهاية الفيلم مفتوحة ومتغيرة عما ورد في السياق الروائي، وتمت دعوة عميد الأدب العربي لمشاهدة الفيلم والتحاور في النهاية التى تطاول المخرج على النص فيها، وبعد محاورات بين العميد وهنري بركات اقتنع طه حسين بأن النهاية المفتوحة أفضل منها في التناول الدرامي في الرواية.
في الألفية الجديدة
ذكرنا أن الستينيات كانت أخصب المراحل الزمنية التي شهدت عناقاً بين السينما والرواية وجاءت السبعينيات كخاتمة لعقد المحبة بين كلا الفنين، وفي الثمانينيات نستطيع أن نلاحظ تراجع الخط البياني بين السينما والرواية حتى نرصد ندرته في التسعينيات والألفية.. ومن هنا نطرح التساؤل حول سر المفارقة بين كلا الفنين في المجتمع المصري بينما تزداد حميمية اللقاء بينهما في المجتمع الأمريكي والأوروبي؟
الناقد الأدبي الدكتور أحمد عبدالحي يوسف يعرض لسر هذا الفراق بقوله «لا يمكن بحال من الأحوال فصل السينما عن المجتمع المصري، ولا فصل الرواية عن الحدث التاريخي، وإن كانت المقاربة بين الرواية والفيلم ظهرت في الستينيات في أبهى صورها، فإنما يعود هذا في الأساس إلى الظرف التاريخي والامتداد القومي الذي كانت تحياه الأمة العربية وبخاصة المجتمع المصري في فترة المد الناصري، بمعنى آخر كانت هناك نزعة ثورية وتنويرية داخل مجتمعنا المصري شهدت ارتفاع الخط البياني بين السينما والرواية بسبب مؤشر التذوق الذي كان يتمتع به المواطن المصري».
ويكمل يوسف: «ثم جاءت فترة الثمانينيات لتظهر التحول الجارف للمجتمع المصري من النقيض إلى النقيض، من المد الثوري إلى التصالح مع العدو إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، كانت فترة الانفتاح أشبه بدوامة كبيرة طحنت أذواق المجتمع المصري وخلطت الحابل بالنابل، فظهر مسرح العري والقطاع الخاص وظهرت الأغنية الركيكة والفيلم التجاري أو ظاهرة أفلام المقاولات، تستطيع أن تقول إن الأمور حدث فيها تمزيق وتغيير كيميائي».
المخرج الشاب إبراهيم البطوطي يؤكد بدوره أن سوق الإنتاج السينمائي أصبحت تحكمه العديد من العوامل مثل ظاهرة المؤلف النجم والممثل النجم، وهو ما يعني أن رأس المال يتحكم بشكل كبير في تناول الفيلم أو التجربة السينمائية عموماً.
وحول تجربته الإبداعية في فيلمي الحاوي وعين شمس أكد البطوطي أنه يعتمد بشكل مباشر على الجهود الذاتية وبعض المنح من الجهات الداعمة لإنتاج فيلم يؤلفه هو، تلافياً لميزانية ضخمة لا يقدر على توفيرها هو وفريق العمل، بإجابة أخرى فإن تجربته أو محاولته لإخراج نص أدبي ليس بإمكانه لعدم وجود منتج يدعم هذه الفكرة.
ومن الإخراج السينمائي إلى الرواية نستعرض هنا موقف يوسف القعيد روائي (وجع البعاد) الذي أوضح أن السبب في تدهور الصناعة الفيلمية هو غياب دور الدولة وسيطرة القطاع الخاص الذي أضحى مهموماً بالربح، ولك أن تتخيل -والكلام للقعيد- أن رواية فضائح رومانية يعاد إنتاجها كفيلم في الخارج بينما نهتم نحن بإنتاج الأفلام التي تخاطب الغريزة وتعتمد على الربح السريع.
مرة أخرى يرجع القعيد الخصام بين الرواية والفن السابع إلى طبيعة الحركة السينمائية في مصر والتى تعتمد على اسم النجم بغض النظر عما يقدمه من إسفاف موضحاً أنه لا يمكن إنكار العداء الشديد والواضح بين السينما والرواية في مصر.
ويكتفي الدكتور يوسف زيدان بمداخلة قصيرة يؤكد فيها أنه رفض كل العروض التي قدمت له لإخراج روايته صاحبة البوكر العربية (عزازيل) كفيلم قائلاً: «لأسباب لها علاقة بصناعة السينما في مصر رفضت كل العروض التي قدمت لإنتاج وإخراج روايتي عزازيل».
ويتطرق الروائي إبراهيم عبدالمجيد صاحب رواية صائد اليمام التي ظهرت مؤخراً فيلماً سينمائياً حقق نجاحاً متواضعاً إلى إشكالية الكتابة الروائية التي تعتمد في الأساس على اللغة والسرد، يقول: «هذه اللغة تخاطب اللاوعي بوصفها المتخيل، ولك أن تتخيل معي تجربة الكاتب إبراهيم الكوني في أي من أعماله التي يبرع فيها في وصف الصحراء ويتفنن في وصف الصمت، كيف يمكن لعدسة الكاميرا في السينما أن ترصد أو تنقل هذا الوصف الخرافي وسياق اللغة التى يتفوق فيها الكوني على كل معارفه».
ويكمل عبد المجيد: «الكاتب الروائي يكتب روايته ولا يضع في اعتباره هل يمكن تناولها سينمائياً أم لا، فالسينما هي المفترض بها التنقيب والبحث، وعلى ضوء بحث السينما يمكن اختيار روايات كثيرة، ثم يأتي دور السينارست لتطويع العمل الأدبي بحسب ما يمليه عليه النص الروائي دون الإخلال بسياقه لأن بالتأكيد هناك معادلة صعبة».
وحول هجر السينما للرواية داخل المجتمع المصري يؤكد صاحب (البلدة الأخرى) أن نطاق الحرية هو معيار ازدهار الفنون جميعها ولأن الغرب يتمتع بحرية أكبر فتستطيع السينما اختيار ما تشاء من أعمال. ولا ينكر أن هناك موقفاً عدائياً بين السينما في مصر والرواية.
وحول خيانة النص الأدبي من قبل المخرج يؤكد عبدالمجيد أن الأمور بحاجة في الأساس إلى مخرج متذوق لنص أدبي لا يتعامل معه بمنطق التاجر أو الجزار الذي يفضل مكاناً عن آخر في النحر. إن ما يجذب المخرج هو استمتاعه بالنص الأدبي وتذوقه له، أضف إلى ذلك أن الرواية تعتمد على اللقطة التى تختزل الكثير من العمل الأدبي.
والموضوعية تقتضي أن نشير إلى أن نظرية المستحدثات السينمائية التي ظهرت في الستينيات كان لها عظيم الأثر في ظهور تيار الوعي في الرواية المصرية، وكانت رافداً أساسياً لدخول تكنيكات كتابية جديدة أبرزها المناجاة والمونولوج والفلاش باك، بمعنى أدق كانت الرواية والصناعة الفيلمية وجهين لعملة واحدة اسمها التفاعل والحدث الدرامي، غير أن الثمانينيات وما أحدثته من تغير في الهوية المصرية كانت كفيلة بتوسيع الفجوة وتعميق الهجر بين السينما في مصر والرواية.
ونختم هنا بحديث الروائي خيري شلبي الذي قال فيه بصدد تجربتيه حول فيلمي الشطار وسارق الفرح: «فيلم (الشطار) كان كارثة بكل المعاني، فمن الزاوية الأدبية لا علاقة له بالرواية من قريب أو من بعيد، مجرد فيلم سقيم الخيال، بلا قيمة على الإطلاق، لدرجة أنني حين تفرجت عليه صرت مغترباً طوال زمن العرض.. التجربة الثانية، أو الدرس الثاني (سارق الفرح) تعلمت منه أن النص الروائي أو القصصي الجيد يمكن أن يفقد تميزه إذا وقع في يد مخرج ليس له إحساس بالأدب».
ذو صلة