مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

التوظيف الأدبي في السينما الفلسطينية

أثارت العلاقة بين الرواية والسينما جدلاً متواصلاً حول آلية التوظيف، والقدرة على امتصاص النص، وتحويله إلى فن مرئي، الأمر الذي شكل حلقة نقاش مستمرة بين أطراف المعادلة؛ الروائي الذي نظر إلى صورة روايته في السينما منقوصة، والمخرج الذي أخذ حق التصرف في النص وفقاً لمقتضيات الفن المرئي، بيد أن النقل الحرفي أو الترجمة المتطابقة تعمل على قتل الفيلم.

يرى الباحث والمخرج تيسير مشارقة أن «الوفاء للنص نقص وضعف مرئي»، في حين يؤكد الناقد السينمائي نديم جرجورة أن «الرواية نسق بصري قريب من السينما، لجهة قدرته على تحويل السرد إلى متتاليات محفزة على ابتكار صور سينمائية».
وتعد عملية «تفليم الأدب عمل لغوي إبداعي من نوع مختلف، خاص ومميز، لا يتماثل بطبيعته مع العمل الأدبي» كما يرى المؤرخ السينمائي والمخرج قيس الزبيدي، أما الروائي والناقد فاروق وادي فينطلق من التأطير النظري لـ(بول وارن) الذي قال «إن عملية تحويل الروايات إلى السينما، حتى تلك التي تحاول أن تكون أصدق العمليات نقلاً للأصل تولد شعوراً جمالياً يختلف كل الاختلاف عن ذلك الشعور الذي تولده قراءة الروايات الأصلية».
(المجلة العربية) استطلعت آراء نخبة من النقاد والباحثين والمخرجين، حول جدل العلاقة بين الرواية والسينما، حيث سلط الضوء في هذا الاستطلاع على (السينما الفلسطينية) التي استوعبت عدداً من الأعمال الروائية الفلسطينية والعربية، وقدمتها في معالجات مختلفة تعتمد على السيناريست، ورؤية المخرج، وتم الأخذ بالأعمال الروائية للأديب الراحل (غسان كنفاني) كنموذج، باعتبار أن الكثير منها حولت إلى أفلام سينمائية.
الوفاء للنص.. ضعف مرئي
يقول الباحث السينمائي والمخرج الفلسطيني تيسير مشارقة «إنه لا يمكن أن يكون الفيلم السينمائي كفن مرئي مطابقاً أو وفياً كل الوفاء للنص القصصي أو الروائي، باعتباره أدباً سردياً. فالوفاء للنص نقص وضعف في المرئي، الذي ينبغي أن تكون مفرداته أخرى غير السرد الأدبي. إن لغة الشاشة تتكون من مفردات أخرى مثل: الكادر (فريم) واللقطة والمشهد وحركة الكاميرا وزوايا التصوير والصراع، بينما النص الأدبي له مكونات أخرى كالزمان والمكان والشخوص والخيط الدرامي اللاظم والسرد والصراع»، في حين يؤكد أن «الصراع مسألة مشتركة بين الفن السينمائي والفن الروائي. إذ أن الفيلم والرواية بلا صراع يجعل من التطور الدرامي باهتاً وسطحياً وساذجاً وغير مثير وبعيداً عن الإقناع».
ويتابع مشارقة في حديثه لـ(المجلة العربية) «عملية السرد في الرواية تستند على عناصر مختلفة تختلف عن مفردات السرد في الشريط السينمائي. وهناك نوعان من السرد في الفن المرئي: سرد لولبي أو دائري (تبدأ الحكاية من النهاية وتعود إليها)، وسرد امتدادي تطويري يسير في خط مستقيم. ويمكن لكاتب السيناريو السينمائي أن يتجاوز طريقة السرد الروائي بأن يختط آلية سرد خاصة، يراها مناسبة بصرياً في نوع معين من الأفلام دون غيره، مؤكداً أن الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز رفض تحويل روايته (مائة عام من العزلة) لعمل سينمائي لأنه لا يرغب في تشويه الرواية وكي لا يفقد القارئ روايته المذهلة. وبالمقابل لم يتوان الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو عن الموافقة السريعة لتحويل روايته (اسم الوردة) لاعتقاد لديه بأن السينما لغة العصر وفن بصري خالد وله تأثيراته الخارقة».
ويرى مشارقة مخرج فيلم (كلب مريم) المأخوذ عن قصة الكاتب البولندي يان ستيمبين أن «السينما الفلسطينية لم تستنفذ بعد كل الروايات الفلسطينية، فالروايات الأدبية كثيرة، ولكن لم يتم صياغتها على شكل سيناريوهات تصلح لأفلام سينمائية. والسينما الفلسطينية لم تسرد (الرواية الفلسطينية) كلها بعد، وإنما التقطت جوانب بسيطة من المأساة وعمق المسألة، حيث يفسر المجتمع الفلسطيني ذاته بالسينما، ولا يمكن فهم المأساة المجتمعية الفلسطينية إلا بالتناول المرئي أو البصري السينمائي. السينما تختصر زمن الرواية في نصف ساعة أو ساعة أو ساعة ونصف (حسب مدة الفيلم) ولكن الزمن الروائي للقراءة يحتاج ساعات كثيرة، ناهيكم عن زمن الرواية كفن أدبي».
ويختم حديثه قائلاً: «تبقى الرواية أو القصة الفلسطينية الوطنية النابعة من الداخل أكثر مدعاة للجدل لأنها تتناول الواقع أولاً بأول، وهي بالتالي، أقرب للواقع وتعتبر مادة زخمة للمعالجة البصرية. وبالسينما يحافظ الفلسطينيون على تراثهم وتاريخهم بلغة شاشة ذات تأثير كبير جداً على المشاهدين وفي وقت قصير جداً، وليس يوماً أو يومين وهو الوقت الذي تحتاجه الرواية لكي يقرأها القارئ».
السينمائي وسطوة النص
من جانبه يرى الناقد السينمائي اللبناني نديم جرجورة أن «طبيعة العلاقة القائمة بين السينما والرواية الفلسطينية لا تختلف عن تلك القائمة بين السينما والروايات الأخرى. هناك، في الرواية، نسق بصري قريب من السينما، لجهة قدرته على تحويل السرد إلى متتاليات محفزة على ابتكار صور سينمائية. بهذا المعنى، يمكن القول إن الرواية الفلسطينية، وإن لم يبلغ بعض نتاجها مرتبة الإبهار السردي على غرار روايات أخرى، نجحت في تحريض مخيلة القارئ على صناعة صور سينمائية خاصة به، ما جعل السينمائي العربي والفلسطيني مهتماً، إلى حد ما، بنقل روايات فلسطينية إلى الشاشة الكبيرة».
ويشير جرجورة في حديثه إلى أن «روايات فلسطينية غاصت في تفاصيل الفرد والجماعة والذاكرة والتاريخ والجغرافيا، ومال معظم نتاجها إلى سردية تاريخية وجماعية عامة، على نقيض روايات أخرى تحولت إلى أفلام سينمائية، كـ(رجال في الشمس) (1963) للفلسطيني غسان كنفاني، المتحولة إلى (المخدوعون) (1972) للمصري توفيق صالح، و(عائد إلى حيفا) (1970) لكنفاني أيضاً المتحولة إلى فيلمي (عائد إلى حيفا) (1980/ 1981) للعراقي قاسم حول و(المتبقي) (1995) للإيراني سيف الله داد، و(باب الشمس) (1998) للبناني إلياس خوري المتحولة إلى فيلم بالعنوان نفسه أخرجه المصري يسري نصرالله في العام 2005، وهي روايات اهتمت، إلى حد كبير، بالحكاية الفردية».
ويؤكد على أن الروايات المذكورة سابقاً شكلت لحظات إنسانية وأخلاقية رفيعة المستوى، في مناقشتها شؤون الجماعة من خلال بحث روائي في أعماق الفرد وحكاياته وتفاصيل عيشه. الكتابة الروائية مرتكزة على مزيج من التاريخ والمجتمع والبيئة الإنسانية، بلغة أدبية سلسة غالباً في وصفها الذات والأشياء والحكايات. والأفلام المستلة منها بدت انعكاساً لمضامينها السردية، وإن اتسمت بمزاجية كل سينمائي في مقاربته الخاصة به لأحوال فلسطين، من دون أن يفقد النص الروائي مناخه وفضاءه وأسلوبه. مع هذا، أميل إلى القول إن فيلمي (المخدوعون) و(باب الشمس)، بالنسبة إلي، حافظا على الحكاية الفردية، التي أراها أهم بكثير من التخبط في خطابية أو بكائية عرفتها أفلام فلسطينية جمة. في حين أن روايات غسان كنفاني مكتوبة بسلاسة لا تخلو من عمق إنساني ولغة أدبية مرنة في توثيقها تلك الحكايات الفردية والجماعية معاً، ما عزز مكانتها في الذاكرة الجماعية الفلسطينية والعربية معاً.
وفيما يتعلق بمشكلة تحويل الرواية إلى فيلم، يتساءل الناقد اللبناني: إلى أي مدى يمكن للسينمائي أن يتحرر من سطوة النص الأدبي، وأن يسم الفيلم السينمائي بسماته الخاصة، من دون تفريغ النص الأدبي من مضمونه الأصلي العام؟.
 لم يحسم الجدل كلياً في هذا المجال؛ فالروائي يضع نظرته الذاتية في نصه الأدبي، وللسينمائي المتحمس لهذا النص الأدبي حرية ترجمته السينمائية بما يتلاءم ومزاجه الثقافي والفني ورؤيته. ليست المشكلة في كيفية نقل الكلمات إلى صور، لأن النص الأدبي غالباً ما يتمتع بميزة اقترابه، وإن بدرجات مختلفة، من الصور البصرية، بل المشكلة واقعة في مدى إمكانية السينمائي في نقل النص الأدبي إلى الشاشة الكبيرة بالتزامه خاصيته الذاتية في الاشتغال الفني، وباحترامه المناخ العام للرواية، على الأقل.
ويختم حديثه قائلاً: «لا أعتقد أن السينما الفلسطينية حظيت بعدد كبير من الأعمال الروائية، في حين أن أفلاماً مصرية كثيرة اقتبست من روايات جمة. وأظن أن العدد هنا أكبر من تلك الخاصة بالسينمات العربية كلها، تقريباً. في المقابل، علينا ألا ننسى أن فلسطين قضية عربية أولى، والالتفاف الإبداعي حولها ناتج من اختراقها مسام العيش العربي اليومي. مع هذا، أرى أن السينمات العربية بشكل عام لا تزال مقصرة في توطيد علاقتها بالروايات، العربية أو المترجمة».
الروائي غسان كنفاني سينمائياً
ينطلق الروائي والناقد الفلسطيني فاروق وادي مبدع رواية (رائحة الصيف) من التأطير النظري لـ)بول وارن) الذي قال: «إن عملية تحويل شكل فني إلى شكل فني آخر تؤدي إلى خلق عمل جديد تماماً. فعملية تحويل الروايات إلى السينما، حتى تلك التي تحاول أن تكون أصدق العمليات نقلاً للأصل، تولد شعوراً جمالياً يختلف كل الاختلاف عن ذلك الشعور الذي تولده قراءة الروايات الأصلية، ذلك لأن وسيلة الاتصال الجماهيري -أي اللغة- مختلفة. فإحداها لغة أدبية تقوم على الحروف الأبجدية الهجائية، أما الثانية فهي سمعية مرئية».
ويرى وادي في حديثه لـ(المجلة العربية) أنه ومن خلال «البحث الدائم عن غسان كنفاني، لم يعثر على ما يشير باهتماماته السينمائية، ربما باستثناء إشارة عابرة تومئ إلى أن غسان كان قد كتب سيناريو ليوسف شاهين بعنوان (أزهار الخوخ) أو (زهر البرقوق)، ما يحيلنا فوراً إلى عنوان روايته التي لم تكتمل.. (برقوق نيسان)، وسواء ثبت لنا انشغال غسان كنفاني في الكتابة السينمائية أو لم يثبت، فإن الباحث عن عين غسان السينمائية سوف يجدها، بصفائها وحساسيتها، حاضرة في رواياته المكتملة وغير المكتملة، وفي عودة إلى فيلم (المخدوعون) الذي أخرجه توفيق صالح العام 1971 عن رواية غسان (رجال في الشمس) لعقد مقارنة سريعة بين الشريط السينمائي والكتاب، فإننا نعثر منذ اللحظة الأولى على تطابق بين المشهد الأول للفيلم والفقرة الأولى للرواية، وتكاد خيوط الامتداد والتواصل بينهما لا تنعدم حتى تخوم النهاية. ولعين الناقد أن تلحظ اندفاع تيار الوعي في رواية كنفاني، يقابله عند النقطة ذاتها قطع مونتاجي في الفيلم وارتداد إلى أحداث وذكريات الماضي نفسها، كما تدفقت من قبل في وعي شخصيات الرواية».
ويتابع قائلاً: «الإخلاص لرؤية غسان كنفاني، هو الذي ميز عمل توفيق صالح، بغض النظر عما أضافه المخرج من تفاصيل تضيء الفكرة، أو أسقط من النص جملاً فائضة عن حاجة الشاشة، أو عدل قليلاً بما تقتضيه متغيرات الزمن بين صدور الرواية وعرض الفيلم، وما تفرضه عليه رؤيته هو كمبدع»، مضيفاً أن «الترجمة السينمائية الحرفية للنص الروائي لم تكن سر تميز (المخدوعون) وإنما الجدلية الصامتة بين القطبين، أي بين مبدعين ووعيين، والتي أنتجت عملاً آخر يفترق حيناً ليتقاطع أحياناً مع أصله المكتوب ويضيء زواياه المعتمة. ولعل تلك الإضاءة، هي التي جعلت غسان كنفاني يكتشف -بعد مشاهدته الفيلم بمنظور جديد- أن شخصياته، بحواراتها وأفكارها وجذورها الاجتماعية وطموحاتها، وأحلامها، كانت متقدمة عن الأفكار السياسية للكاتب عندما أنتج الرواية. وعلى ضوء ذلك وجد غسان في نفسه قدراً من الجرأة ليقر أن فيلماً مأخوذاً عن روايته، ساعده في كشف داخلي لحقيقة أن شخصيته كروائي كانت أكثر تطوراً من شخصيته كسياسي.
ويقول مبدع رواية (طريق إلى البحر): «ينهض فيلم (المتبقي) للمخرج الإيراني سيف الله داد، على خيوط يستلها من رواية غسان كنفاني (عائد إلى حيفا) ليطرح رؤيته الخاصة التي تفترق بشكل فادح مع رؤية غسان، وخطابه الروائي والإيديولوجي، ولم يشر سيف الله داد في (تيترات) مقدمة الفيلم إلى غسان كنفاني وروايته، وإنما اكتفى بإشارة مترددة في تيترات النهاية (التي تراهن على جمهور يغادر الصالة المضاءة في تلك اللحظة).. تومئ إلى إلقاء نظرة على كنفاني و(عائد إلى حيفا) وتتجلى تلك النظرة في بناء سيناريو يتقاطع جزئياً مع رواية غسان، ليعود ويفترق معها في الجوهر والتفاصيل، بحيث يشكل نقيضاً لمنهج توفيق صالح في إخلاصه الفني والفكري للكاتب وروايته والعمل على إضاءتها عند تحويلها من شكل إبداعي إلى آخر. ويتمثل التقاطع الجزئي بين فيلم (المتبقي) ورواية (عائد إلى حيفا) في التشديد على حدث تاريخي هو سقوط حيفا العام 1948 وترحيل الجزء الأكبر من أهلها عنها، وحادثة ترك رجل وامرأة لطفلهما الوليد أثناء الهجوم الكبير على المدينة مع استيلاء العائلة اليهودية المهاجرة إلى فلسطين على بيتهما وطفلهما».
تفليم الأدب عمل لغوي مختلف
يقول المخرج والناقد السينمائي العراقي قيس الزبيدي: «إن عملية إعداد أو اقتباس الرواية كنوع من الأنواع الأدبية المختلفة إلى السينما، قياساً إلى التأليف المباشر للسينما، هي عملية إشكالية ومحفوفة بالمثالب، بسبب طبيعة وخاصية السينما والأدب، ونعني فيه هنا الأدب السردي والدرامي: رواية، قصة، مسرحية، إلا أننا نجد أن الإنتاج السينمائي العالمي يعتمد على مثل هذا الأدب في الغالب».
ويتابع الزبيدي قائلاً «إن تفليم الأدب عمل لغوي إبداعي من نوع مختلف، خاص ومميز، لا يتماثل بطبيعته مع العمل الأدبي الذي يعتمده كمصدر للإعداد، على هذا تنشأ ضرورة الابتعاد في عملية التفليم عما يسمى الترجمة المباشرة والنقل التقني الحرفي للنص الأصلي. يعرف تاريخ السينما محاولات جرت، بهدف تحويل عمل روائي إلى فيلم سينمائي بأمانة كلية أي صفحة بعد صفحة. على أن هذا الاختلاف لا يقود بالضرورة إلى التنكر لروح النص الأدبي».
ويؤكد مخرج فيلم (اليازرلي) «أن القضية التي كانت تؤرق غسان كنفاني في كتابة الرواية هي فنية الشكل، وإذا ما عدنا إلى أعماله أو عدنا إلى دارسي أعماله، لوجدنا أنه لم يستعمل في كتابته تقنية واحدة ولا شكلاً موحداً، بل على العكس من ذلك، كان لا يكرر شكلاً روائياً، بل يحاول أن يطور الشكل الذي أنجزه ويتجاوزه باستمرار إلى شكل روائي جديد. ونستطيع أن نؤكد بدورنا أن أدب غسان كنفاني (رواياته) ليس أدباً خالصاً وإنما أدب فيه كثير من السينما، فيه سينما أكثر من كثير من الأفلام».
ويرى مؤلف كتاب (فلسطين في السينما) بناء على ما سبق: «من هنا نجد أن أدبه يدفع من يقتبس منه إلى السينما، ألا يغفل تلك المهمة المشوقة والمحفزة للإبداع والابتكار الموجودة في أدبه. عليه ألا يكتفي في عملية الإعداد أو الاقتباس أو التحويل بالبحث فقط عن المعادل البصري الموازي لصوره الأدبية، بل يجد المعادل السينمائي للبناء المونتاجي ولمستوى البناء الزمني في سرد الأحداث إضافة إلى البحث المناسب في رسم صورة الحدث الماضي، لا كما حدث، بل باعتباره ذاكرة ذات فاعلة في الحدث، أيضاً عليه أن يجد المعادل السينمائي المناسب لتعدد الأصوات في السرد ولإيقاع السرد ووتيرته في البناء الأدبي عن طريق تلك الحبكة القادرة على ربط الأحداث التي تتشكل منها نوعية الحكاية».
ويختم في مقال نشرته الحياة السينمائية تموز 1998م «مع أن الأفلام الثلاثة (المخدوعون، السكين، عائد إلى حيفا) استندت إلى نوعية خطاب ثقافي جاد ورصين متماثل مع نوعية خطاب الكاتب نفسه، لكن مع هذا لم يتم الالتفات في عملية تحويل تلك الأفلام إلى خصائص أدبه وعنايته في كيفية (شكل) السرد، وإنما تم الوقوف، فقط، عند بوابة لماذا في هذا السرد؟، أما الفيلم الإيراني (المتبقي) فإنه كخطاب لم يتماثل مع رواية (عائد إلى حيفا) التي أخذ عنها، بل ذهب أبعد في التركيز على الأصل وحوله، بإضافات لا تتنافس فقط مع ما أراد الكاتب الملتزم التعبير عنه كحالة تاريخية وواقع متغير، دون الرجوع، بأمانة، لا إلى الواقعة التاريخية ولا إلى إعادة قراءة مستقبل تلك الواقعة التي تحولت مع الزمن إلى ظاهرة معاصرة».
البدايات في السينما الفلسطينية
وفقاً للموسوعة الحرة فإن بدايات السينما الفلسطينية تعود إلى ثلاثينات القرن العشرين. ومن بين الرواد كان إبراهيم حسن سرحان الذي قام عام 1935 بتصوير فيلم مدته 20 دقيقة عن زيارة الملك عبدالعزيز آل سعود لفلسطين وتنقله بين اللد ويافا. كما قام بصنع فيلم روائي بعنوان (أحلام تحققت) (بالاشتراك مع جمال الأصفر) وفيلم وثائقي عن عضو الهيئة العربية العليا أحمد حلمي عبدالباقي. بعد هذه البداية قام إبراهيم سرحان بتأسيس (ستوديو فلسطين) وقام بإنتاج فيلم روائي بعنوان (عاصفة في بيت) وأنتج بعض الأفلام الإعلانية القصيرة إلى أن نزح إلى الأردن عام 1948.
رائد آخر كان أحمد الكيلاني الذي درس السينما إخراجاً وتصويراً في القاهرة، حيث تخرج عام 1945. عاد الكيلاني إلى فلسطين ليؤسس مع جمال الأصفر وعبداللطيف هاشم (الشركة العربية لإنتاج الأفلام السينمائية)، ولجأ بعد النكبة إلى الأردن، حيث استقر فيها وعمل في المجال السينمائي.
ويعيد البعض بدايات السينما الفلسطينية إلى الأخوين إبراهيم وبدر لاما ذوي الأصل الفلسطيني، وهما ابنان لوالدين فلسطينيين هاجرا من بيت لحم إلى تشيلي في مطلع القرن العشرين، وفي العام 1926م يقرر الأخوان الاتجاه إلى فلسطين وإنشاء صناعة سينمائية هناك، فأخذا معهما معدات سينمائية وتوجها إلى فلسطين في الباخرة. لم يكمل الأخوان لاما رحلتهما إلى فلسطين فبعد توقف الباخرة في الإسكندرية قررا البقاء فيها لأن الأوضاع السياسية غير مستقرة في فلسطين، وفي الإسكندرية أسس الأخوان لاما (نادي مينا فيلم) السينمائي، وبعد ذلك شركة (كوندور فيلم) والتي أنتجت أول فيلم عربي (قبلة في الصحراء) الذي عرض في مايو العام 1927 في سينما كوزموغراف. وقد أنتجت هذه الشركة 62 فيلماً طويلاً حتى العام 1951م.
ذو صلة