يتساءل كثيرون عن ماهية العلاقة بين الرواية العربية والشاشة الفضية التي يشوبها كثير من الإشكال بسبب الاختلاف الواضح بين العمل الروائي المقروء والفيلم السينمائي أو المسلسل التلفزيوني، فالأخيران يخضعان لأدوات تختلف عن أدوات الروائي سيد النص الأول، لهذا حينما ينتقل العمل الروائي إلى قناة السينما أو التلفزيون يكون الروائي شبيهاً بالميت أو الحاضر الغائب في غالب الأحيان، لتتم إعادة كتابة نصه من جديد وتركب مساحات أبطاله وفق رؤية كاتب السيناريو والقائمين على العملية الإخراجية وعناصرها.
وتتباين رؤية عناصر العملية الإخراجية في النص الروائي التي ربما تختلف اختلافا جذرياً عن رؤية الكاتب، ليخرج النص الروائي إلى الشاشة الفضية بثوب وحلية لا تشبه الرواية الأصلية والرؤية التي صاغها المؤلف، كون الروائي في الأغلب حينما يكتب نصه لا يرى هذه العناصر أو هو غير معني بها بسبب بعدها عن مجال اختصاصه، إضافة إلى أن كتابة الرواية تختلف عن كتابة العمل الدرامي أو السينمائي إلا إذا كان الروائي يكتب عن قصد ليشارك في وضع الرؤية الدرامية للعمل السينمائي أو التلفزيوني.
ويحضر في ذهني ذلك اللقاء الذي كنت قد أجريته مع الروائي الكويتي حمد الحمد في إحدى الصحف السعودية قبل أكثر من ست سنوات بسبب تحويل روايته (الأرجوحة) إلى دراما تلفزيونية حينما لوحظ على الرواية كثافة الحوار فيها حيث برر ذلك بأنه «كتب هذه الرواية وعينه على التلفزيون»، ولكن هذا الأمر مازال أشبه بالنادر ولا يقاس عليه، ولنا في رائد الرواية العربية الحديثة نجيب محفوظ أقرب مثال، فهو من أوائل الروائيين العرب الذين حولت رواياتهم إلى السينما العربية، ولم يتدخل في صياغة الرؤية الدرامية لجميع أعماله، رغم أن نجيب محفوظ جمع بين الكتابة الروائية وكتابة السينارست، ومع هذا لم يكتب أي سيناريو لأي من رواياته التي حولت إلى الشاشة الفضية سواء كانت للتلفزيون أو للسينما.
ومن هنا يكمن الإشكال لدى المتعاطين مع هذه العلاقة سواء كانوا روائيين أو سينمائيين أو حتى نقاداً، ليبرز السؤال الأكبر: ما الذي يبحث عنه الروائي في تحويل روايته إلى فيلم سينمائي ربما ليس له نصيب من المشاركة فيه إلا ورود اسمه كمؤلف وهو على يقين بأن رؤيته كما صاغها في النص الأصلي قد يطالها التحريف لتبدو وكأنها أضعف عناصر الفيلم (هذا إذا كانت موجودة أصلاً) وخصوصاً إن كانت الرواية لاقت صدى كبيراً وانتشاراً واسعاً؟ ولماذا يغامر الروائي بعمل قد يهوي برواية لاقت رضا المتلقي وأرضت شيئاً من غرور الروائي وكان البطل الأوحد فيها، إلى عمل حتى وإن نجح فهو بعيد عن رؤية النص الأصلي الذي كتبه؟، وبأسلوب آخر لماذا يهدي الروائي الآخرين نجاحاً قد حققه بنفسه وليس للآخرين فضل عليه، ليضع نفسه في مغامرة إن نجحت قد يكون آخر المذكورين، لوجود من ينازعه بطولة العمل وإضاءات النجاح، وإن فشلت ربما تهوي بالعمل الأصلي؟، ولنا في رواية (شقة الحرية) لغازي القصيبي مثال حي حينما نجحت الرواية وفشل العمل الدرامي.
وفي الجانب الآخر ربما خدمت العناصر السينمائية من سيناريو وإخراج وسينوغرافيا وغيرها من عناصر الشاشة الفضية عملاً روائياً ضعيفاً وقدمت صاحبه في مصاف الروائيين المرموقين بمجرد نجاحه كعمل سينمائي أو تلفزيوني!.
أفضل الأعمال مأخوذ من روايات
ورغبة في طرح مزيد من الرؤية حول الرواية العربية والشاشة الفضية، يقول الروائي الكويتي حمد الحمد: «أعتقد أن أفضل الأعمال التلفزيونية والسينمائية هي المأخوذة من روايات والدليل على هذا نجاح معظم الأفلام التي حولت من روايات والسبب إن كاتب الرواية عندما يكتب لا يلتزم بالمكان والوقت وإنما يأخذ حريته بالتحرك متى شاء، ولكن عندما تكتب قصة لمسلسل فأنت ملتزم بأمور عدة منها ما يتطلبه الإنتاج والإخراج والشخصيات، فمثلاً أنت ملزم بأن يكون البطل في كل حلقة».
ويتابع الحمد «أمر آخر مهم وهو أن كاتب الرواية هو حر عند الكتابة ولكن السينارست لا يتمتع بالحرية، وأنا أصف السيناريست بالخياط الذي يفصل المشاهد والشخصيات وفق الطلب، وأيضاً هو ملزم بأن يغير في الأحداث عند طلب المنتج والمخرج والممثل».
ويضيف: «أما بالنسبة لمسلسل الأرجوحة فأعترف بأنه أول عمل لي تحول إلى الشاشة الفضية، وعندما اطلعت على السيناريو كان لي تحفظ على الكثير من المشاهد، وأيضاً أضيفت شخصية رئيسية والنهاية تختلف طبعاً فلم أتمكن من تغيير الحال كون هذا أول عمل لي ولكن أعترف أن من قرأ الرواية لم يعجبه سير الأحداث في المسلسل، بسبب عدم إمكانية تحويل كل جملة إلى صورة تلفزيونية. أيضاً هناك مشاهد غير موجودة في العمل. وأيضاً هناك أمور مهمة لها دلالات عن المجتمع الكويتي، مثلاً أن البطلة من المفترض أن تكون محجبة وفي المسلسل يحصل غير ذلك،
وأمور كثيرة في الرواية لم توجد في المشهد التلفزيوني. أنا شخصياً أتابع الأعمال الروائية التي حولت إلى مسلسلات تلفزيونية ولكن حتماً عندما تخرج الرواية من يد الروائي إلى يد السيناريست فهنا ينتهي دوره ولا يستطيع أن يتدخل وإلا سيدخل في نفق طويل، وحتماً المشاهد يعي أن ليس كل مشهد هو طبق الأصل من الرواية،
وإذا كانت (الأرجوحة) هي التجربة الأولى ففي هذه الأيام هناك مباحثات مع شركة إنتاج لتحويل رواية (مساءات وردية) إلى مسلسل،
وعموماً حتى تتحول الرواية إلى صورة تلفزيونية يجب أن تتكاتف أضلاع العمل من منتج ومخرج وطاقم تمثيل، ومتى ما كان هناك خلل بأحدها هبط العمل، وعلى المخرج أن يكون قد استوعب العمل ودوره ليس فقط أن يقوم بالإخراج، فمثلاً لا أتوقع أن ينجح العمل بدون أن يقوم المنتج والمخرج وطاقم التمثيل بالاطلاع على الرواية ومعايشتها».
نقل الأعمال الأدبية للتلفزيون
أما عماد النويري مدير نادي الكويت للسينما فيرى أن ثمة علاقة يشوبها الحذر على الشاشتين الكبيرة والصغيرة حيث يقول: «هناك مواصفات معينة كامنة في الأعمال الأدبية التي تغري بالنقل إلى السينما والتلفزيون، هذه المواصفات تتغير بين جيل وآخر. لكن يجب الانتباه إلى أنه لا توجد توليفة جاهزة تضمن نجاح نقل الأعمال الأدبية إلى السينما أو إلى التلفزيون».
ويرى النويري أنه «في مرحلة الرومانسية التي أطلقت (دعاء الكروان) لطه حسين، وأعمالاً أخرى لتوفيق الحكيم، ومحمد عبدالحليم عبدالله، وإحسان عبدالقدوس. كانت السينما أكثر جرأة من العمل الأدبي. كما تحول بعض مشاهير كتاب الدراما التلفزيونية والدراما المسرحية إلى كتابة السيناريو السينمائي والتلفزيوني مثل ممدوح عدوان، ومحفوظ عبدالرحمن، ويسري الجندي، وإذا كانت هناك أعمال أدبية كثيرة قد ظهرت عبر السينما لأدباء مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وسعد الدين وهبة، وغسان كنفاني، والطيب صالح، وحنا مينه، وحيدر حيدر وغيرهم، فإن الغريب أن أعمالاً لم تنتج لجبرا إبراهيم جبرا، وغادة السمان وجورج سالم، ووليد إخلاصي، وادوارد الخراط، وزكريا تامر، وعبدالرحمن منيف، وإسماعيل فهد إسماعيل. وآخرين من الأسماء الكبيرة ذات الإنجازات الأدبية المشهود لها». ويتساءل النويري: «لماذا لم ترتق كثير من الإنتاجات الفنية المرئية العربية لمستوى أصولها الأدبية المطبوعة؟ ولماذا اتجه بعض الأدباء المخضرمين إلى كتابة سيناريوهات عن أعمال أدبية لغيرهم، تاركين أعمالهم هم في أيدي كتاب سيناريو آخرين؟! وأفضل مثال على هذا هو نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1988. وهناك أمثلة أخرى تدل على نجاح أفلام لكتاب أقل شأناً في عالم الآداب. وعلى رأسهم الراحل الشهير إحسان عبدالقدوس».
ويتابع النويري «بوجه عام لابد من الإقرار أن رواد الحداثة مظلومون، وهم أشد تعرضاً لهذا الظلم من أشقائهم وزملائهم في الغرب، لأن أولئك يحظون عند مقاطعة الشركات التجارية لهم باهتمام منتجي ما يسمى بالأفلام السوداء، أو المنتجين المستقلين، ولكن هذا نادر الوجود في العالم العربي ولم يتحقق إلا في حالات قليلة مع مخرجين مثل يوسف شاهين، توفيق صالح، صلاح أبو سيف، خيري بشارة، خالد الصديق والأخضر حامينا، بل إن الأفلام العربية التي اقتبست عن أعمال أجنبية الأصل -وهذا شائع كثيراً في السينما المصرية- كان معظمها أيضاً خيانة للأصل، ودون المستوى المطلوب، وربما لو كانت هناك غزارة وسيولة في الإنتاج في الدول التي تنتج، مؤسسات سينمائية تابعة للدولة، لا تأبه كثيراً للربح والخسارة مثل سوريا والجزائر، لكانت الصورة قد تغيرت بعض الشيء، ولكنها اليوم أشد قتامة تجاه الأدب، فالمخرجون في هذه الدول لا يتاح للواحد منهم أن يخرج فيلماً إلا كل عشر سنوات، وكل منهم يريد تفريغ أحلام حياته، وتأثير أستاذه ومعهده عليه في فيلم واحد لأنه يدرك محقاً أنه لن يتاح له العمل بعده لفترة طويلة من الزمن. وتكون النتيجة أفلاماً يكتبها المخرجون أنفسهم، أو يشاركون كاتب سيناريو في تأليفها بصرياً لتعبر عن رؤاهم، وعادة ما تكون النتيجة أفلاماً بعيدة عن إرضاء الجماهير العريضة، ومجاراة ذوقها السائد، وبذلك يكون الفشل غالباً حليفها. ونستطيع القول إن الأعمال الأدبية عندما انتقلت إلى السينما وأحياناً إلى التلفزيون، عانت ومازالت تعاني من عدة مشكلات، ومنها اللغة والتابو الثلاثي والذوق العام السائد وغيرها».
وبين النويري أن اللغة إحدى أهم المشكلات التي تعترض نقل الأعمال الأدبية إلى الشاشة الكبيرة، فالأدب مكتوب غالباً بالفصحى، واللغة السائدة في السينما غالباً هي العامية، وفيما عدا الأعمال التاريخية أو المترجمة عن أصول عالمية، فإننا لابد أن نسلم بأن للإقناع بواقعية ما يقدمه العمل الفني لا يتم إذا تحدث الممثلون بلغة غير التي يستخدمونها في حياتهم العامة. وقد جرب الحل التوفيقي في استخدامهم (لغة وسط) وهي أشبه باللغة التي يتداولها المثقفون في حياتهم العامة، ولكنه يبقى حلاً وسطاً، لأن كثيراً من الشخصيات في الأعمال الفنية تنحدر من بيئات شعبية وفلاحية لا تتكلم هذه اللغة على الإطلاق، لذلك فإن الأدب العربي يحتاج لدى تحويله إلى السينما إلى كتاب سيناريو متمكنين في مجال الحوار، الذي يحمل نبض الحياة اليومية، ويعبر عن مستوى الشخصيات الثقافي والبيئي. وكذلك الأمر بالنسبة للتلفزيون.
ولأن الأدب أقل انتشاراً من الإعلام فإن جرأته يمكن غض النظر عنها أحياناً من قبل الرقابة. ولكن عندما تطرح مشاريع لتقديم هذه الأعمال نفسها على الشاشتين الكبيرة والصغيرة، فإن معيار الرقابة يختلف، والتابو الثلاثي له محاور ثلاثة معروفة في بلاد العرب تتراوح صرامتها بين قطر وآخر وبين زمن وآخر. هذه المحاور هي: السياسة، والجنس، والدين، وإذا كانت بعض التجاوزات قد حصلت بما يخص السياسة عبر الإسقاط والرمز، فإن تشدداً أكبر يفرض على المحور الثاني، بينما يكاد الثالث يكون في حكم المرفوض رفضاً تاماً، وثالثة المشاكل أن كل الأدباء ليسوا كتاب سيناريو بالضرورة، فإن كثيراً منهم يعترفون بعجزهم عن طرق سبل هذا الفن المعقد، ولا يدعون حتى الإلمام به. وكثير من كتاب النثر الروائي والقصص يعانون من ضعف في كتابة الحوار، وفي خلق مواقف درامية تجذب المشاهد، والحل الأمثل بالطبع يكمن في تعاون صاحب العمل الأدبي مع مخرج العمل، أو مع سيناريست ليتم تحويله إلى صورة مرئية فيلمية.
ومن المشكلات التي تظهر أيضاً عند تحويل الأدب إلى الشاشتين الكبيرة والصغيرة بعض العوائق الداخلية التي تتعلق ببنية هذا الأدب، ذات السمات الملحمية أو السردية الوصفية، أو الذهنية أو تلك التي تستخدم بإسراف تيار الوعي، فضلاً عن ذلك، فإن جزءاً كبيراً من الأدب خلق للقراءة فقط، وبعضه غير جماهيري بحيث لا يتداوله سوى الخاصة من القراء.
ومن بين الصعوبات الأساسية للتعامل مع النصوص الأدبية عموماً اختلاف الحقل التعبيري، أي مهمة التحويل النوعي للمضمون اللغوي (بالمعني المباشر للكلمة) إلى مضمون بصري، فالكلمة المكتوبة وطبقاً لسيميائية اللغة منتهاها القاموس اللغوي ليحدد معناها. أما الإيقونة البصرية فمعناها مفتوح على أقصى ما يمكن استخراجه من رموز ودلالات، وعموماً ليست هذه قاعدة يجب الأخذ بها لأن درجة ثقافة ووعي الكاتب من ناحية ومخرج العمل السينمائي أو التلفزيوني من ناحية أخرى يلعبان دوراً محورياً وأساسياً بخصوص ثراء وقوة التعبيرات الدرامية الناتجة من الصورة الأدبية أو الصورة المرئية. وفي هذا السياق ربما يجدر بنا أن نذكر أن ثلاثية نجيب محفوظ بثرائها وتعدد وحجة هواجسها وصورها الواقعية والفلسفية، قد اقتبست إلى السينما في ثلاثة أفلام لا ترتقي إلى الأصل الأدبي بينما يمكن القول إن رواية (الكيت كات) تحولت إلى فيلم ثرى بالصورة والتعبير والمعاني إلى درجة التفوق على الرواية الأصلية. كما يمكن الإشارة إلى أن رواية (عمارة يعقوبيان) فقدت الكثير من كيانها وقوة تعبيرها عندما تحولت إلى مسلسل تليفزيوني بينما أضاف لها العمل السينمائي المأخوذ عنها نجاحاً تعبيرياً يضاف إلى نجاح النص الأدبي.
ارتفاع تكاليف الإنتاج
أما الروائي السعودي محمد المزيني فيتحدث عن الرواية في الدراما قائلاً: «كيف يمكن لنا استنطاق الشخوص والأحداث الروائية من خلال حبكة درامية مقنعة لعين المشاهد المتلهفة لكل جديد مختلف؟ هذا السؤال لا يمكن لنا الإجابة عليه بسهولة دون أن نعرج قليلاً على ملامح هذا الفن (الروائي الدرامي).
كنا تابعنا في زمن فائت بمتعة طاغية مسلسل ثلاثية نجيب محفوظ (قصر الشوق) و(بين القصرين) و(السكرية)، وروايات أخرى لنجيب محفوظ تتجاوز الأربعين فيلماً وإحسان عبدالقدوس ويوسف إدريس والغيطاني ولغيرهم تحولت إلى أعمال سينمائية. جاءت هذه التجربة الرائدة لتقتفي أثر من سبقها من التجارب التي لا تزال محفورة في الذاكرة من روايات العظام كهيجو وهمنجواي وتولستوي وآخرين. انتقلت هذه التجارب إلى الدراما السورية ومنها إلى دول الخليج، فنجحت الأولى إلى حد ما من خلال بعض الأعمال وفشلت في الثانية. وهذا الأمر يجب أن نتوقف قليلاً عنده، فما نذكره من المسلسلات الروائية مثل مسلسل شقة الحرية وأبو شلاخ البرمائي، ومن منظور خاص أرى أن هذين المسلسلين لم يخدما العملين بشكل جيد عدا ما طالهما من التشويه والتحريف، وهذا عائد إلى عدة أسباب، لعل من أهمها غياب السيناريست المتخصص في إعادة كتابة هذا النوع من النصوص، بالإضافة إلى تكلفة إنتاج هذه الأعمال الباهظة على الرغم من الصرف الجزيل على مسلسلات دون المستوى، الممتلئة بالضجيج والحوادث المفتقدة لأدنى شروط العمل الدرامي الجيد، وهذا تحديداً ما أفسد على الأعمال الروائية وأزاحها من المنافسة مادامت الأموال يمكن الحصول عليها بأقل جهد. وأما عملية تحويل الرواية إلى عمل درامي فهي عملية شاقة وتأخذ بعداً مختلفاً من خلال إعادة إنتاج المكتوب بما يخدم المنطوق داخل الصورة المتحركة. كذلك غياب المخرج القادر على استلهام روح العمل الروائي وصياغته في قالب درامي مقنع، وهذه المهمة يتعاورها السيناريست مع المخرج فمتى توفر هذان العنصران نكون قد قطعنا ثلثي المسافة ليبقى الثلث الأخير المتعلق بالإنتاج».
ويتابع المزيني «إن هذه الإشكاليات تزيح الرواية عن الشاشتين الصغيرة والكبيرة في عصرنا الحالي على الأقل في الدراما الخليجية.. ومع ذلك لم تثنِ عزمي عن الإسهام بنص يمكن تحويله إلى عمل درامي، وبدأت أعمل بجد في كتابته حتى انتهيت إلى ثلاثية ضرب الرمل التي تتحدث عن البيئة الاجتماعية، وتمر في أزمنتها وأمكنتها وشخوصها عبر ثلاثة أجيال تعمقت في طبائع النفس البشرية وتشكلها وفق المتغيرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ثم دفعتها للصديق عبدالعزيز الصقعبي الذي عكف عليها قرابة السنتين لتحويله إلى عمل درامي تلفزيوني، وعقب هذه المعاناة لم ننجح في العثور على منتج يتحمل نفقات الصرف على هذا العمل الكبير المشتمل على ثلاثة أجزاء، مع إدراكي أن أي منتج لن يغامر في الصرف على عمل كبير مثل هذا العمل، وهو يجني من وراء أعمال أقل كلفة إخراجية وإنتاجية أموالاً طائلة، لذلك قررت بعد 5 سنوات من الانتظار إلى إصداره في شكله الطبيعي الروائي ليتاح للقارئ كنص أدبي».
اختلاف العمل السينمائي عن النص
من جانب آخر يؤكد الروائي يوسف المحيميد على أهمية العمل الإبداعي مستهلاً حديثه قائلاً: «أقول للمخرج: تمرّد على شخصياتي، ولكن لا تسئ إلى عملي!».
ويعلق على ذلك بقوله: «لقد ظل الروائي الألماني باتريك زوسكيند رافضاً فكرة تحويل روايته الشهيرة (العطر) حتى العام 2006 بعد أن اشترى داستن هوفمان حقوق تحويلها إلى فيلم سينمائي بقيمة عشرة ملايين يورو، لم يرفض لأجل المادة بل لخوفه وربما لعدم ثقته، من أن تترجم كلماته وشخصياته إلى صور سينمائية موفقة، لكن المفاجأة أن الفيلم أصبح من روائع السينما العالمية ببراعة المخرج السينمائي الألماني توم توكفر، ما يعني أن العمل السينمائي هو عالم جديد مختلف كليّاً عن النص المكتوب، قد يضاهيه ويتفوق عليه أحياناً. كنت أرى دائماً أن علينا أن نتخلّص من وهم أننا كتبنا شيئاً لا يمكن للسينما أن تنقله، ولا يمكن أن يحقق نجاحاً عند تحويله إلى السينما كما حقق عند صدوره كرواية، فقد يأتي سيناريست متميز وعاشق لنص روائي ما، ويستطيع أن يكتب عوالم جديدة تدعم النص، وقد يدعم خطوطاً سردية تغافل عنها الروائي، وقد يكرّس شخصية جاءت ثانوية في الرواية، لكنه استطاع بحنكته ووعيه أن يغذيها ويمنحها بعداً أجمل وأعمق مما هو في الرواية. في المقابل قد تحظى رواية ما بمخرج سينمائي بارع، قد يلتقط منها جزئية صغيرة ومهملة، ليصنع منها فيلماً بديعاً، كما فعل المخرج المصري داود عبدالسيد حينما كتب وأخرج فيلم (الكيت كات) عن رواية (مالك الحزين) لإبراهيم أصلان، فهو صنع مجداً جديداً، وسخّر قدرات الممثل محمود عبدالعزيز، وبمشاركة النجمين أمينة رزق وشريف منير، لصناعة فيلم خارج عن المألوف، فيلم يحمل رؤية مخرج سينمائي يدرك أنه يقوم بعمل جديد، وربما ساعده في ذلك رواية لم تقل كل شيء، وبالتالي استطاع أن يدخل مناطق لم يدخلها الروائي أو يتعمّق فيها. على عكس ذلك، فعل المخرج مروان حامد، والسيناريست وحيد حامد الذي نقل رواية (عمارة يعقوبيان) لعلاء الأسواني إلى السينما، بفيلم يحمل الاسم ذاته، فلم يفعل شيئاً مع رواية كانت بمثابة مادة خام جاهزة لصناعة فيلم، إلى درجة أنني أتذكّر حينما كنت في قاعة السينما، أنني أستطيع أن أتوقع سياق الحوار، بل وحتى كلماته التي لا تختلف عن الرواية كثيراً، فلم يضف السيناريست ولا المخرج شيئاً للرواية، كل ما فعلاه، أن نقلا الصور بالكلمات إلى صور بصرية في السينما، وفي نظري أن السيناريست الجيد، والمخرج صاحب الرؤية هو الذي يدخل في منافسة ساخنة مع الروائي، وتحدٍ من نوع خاص، على كتابة وإخراج عمل سينمائي بوجه آخر مختلف شيئاً عما في الرواية، لا ينقلها بشكل حرفي أمين، ولا يسيء إليها باجتهادات غير منطقية، قد تدمّر صورة الرواية في نظر القارئ والمشاهد أيضاً».
ويضيف المحيميد: «أنا شخصياً، لا أرى بأساً، بأن تتحول رواياتي إلى أفلام سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية، ولا أجد منطقياً أن أتمسك بآرائي حول الالتزام بحذافير ما ورد في روايتي هذه أو تلك، بل بالعكس أشعر بالاطمئنان أن يمتلك السيناريست والمخرج رؤية جديدة تختلف عما طرحته في الرواية، شرط ألا تكون الرؤية مخالفة تماماً، وناسفة ربما لما تطرحه الرواية، فقد قابلني قبل عامين مخرج سينمائي إيطالي شاب، ومن أصل عربي، حينما كنت مشاركاً في مهرجان أدبي في نيويورك، تحدّث معي في معهد سرفانتيس، لأجل تحويل روايتي (فخاخ الرائحة) إلى فيلم سينمائي، وقد أسعدني ذلك الأمر كثيراً، وبخاصة أنه تعلّم فنون الإخراج السينمائي في المدرسة الإيطالية التي أنجبت عباقرة السينما العالمية مثل فيديريكو فليني وبازوليني وأنطونيوني وغيرهم، لكن الحوار معه خلال ساعة كشف لي أنه سيخرج سيرة الصحراء في الرواية حسب المفهوم الغربي الجاهز، ولن يمنحها سوى رؤية تسويقية مطلوبة في الغرب، مما أحبطني وتجاهلت الأمر. ماذا يجب عليّ إذن؟ هل أكون متطلّباً في تحويل رواياتي إلى السينما أو التلفزيون؟ أم أترك الأمر لأي سيناريست أو مخرج سينمائي أو تلفزيوني؟ أعتقد أن الأمر لا يكون بهذا الشكل ولا بذاك؟ ولكن لابد من الحد الأدنى للقبول، فلا يمكن مثلاً أن أكتب سيناريو روايتي بنفسي كما طلبت مني إحدى القنوات الفضائية الشهيرة في روايتي (القارورة)، وأنا بحاجة إلى كاتب سيناريو يحمل رؤية مختلفة عن رؤيتي، وأن نجلس معاً مرات عدة، وقد يشاركنا المخرج التلفزيوني، فيما يشبه ورشة عمل مؤثرة، يتم الاتفاق خلالها على الخطوط الرئيسة للمسلسل، فقد أرى أنني لم أمنح شخصية (محمد الساهي) البعد الكافي ليكون مؤثراً في العمل، وأن خطه السردي في الرواية لم يكن مكتملاً، لأنني انصرفت أثناء الكتابة إلى شخصيتين محوريتين، هما شخصية (منيرة) و(الدحّال)، وهما ما يهمني في الرواية، لكن العمل المرئي، وبخاصة التلفزيوني، يتطلب رسم خطوط درامية كثيرة، كي يمنح العمل تنويعاً وتكاملاً، لذلك اختلفت مع هذه القناة منذ البداية، وهكذا مررت بتجارب كثيرة من هذا النوع».
ويتابع «صحيح أنني لن أفرض على السيناريست نقل كل أحداث روايتي بدقة متناهية، ولن أفرض على المخرج رسم شخصياتي بالقلم والممحاة، بل إنني سأحرّضهما بالتمرد عليها أحياناً، لكن ليس بالطريقة التي تنسف الرواية أو تسيء إليها، والمهم قبل كل شيء، أن نتفق معاً على الخطوط الرئيسة للعمل، وأن يكون دوري فيما بعد دوراً استشارياً، لأنني لا أعتقد أن هناك روائياً لا يتمنى نجاح العمل المرئي المأخوذ عن روايته، لأنه سيضيف إليها نجاحاً آخر، وفي الوقت ذاته، لن يضير فشل المسلسل العمل الروائي المكتوب، لأنه يجب الفصل بينهما».
ويختتم المحيميد «أخيراً، يجب أن نؤمن بأن الرسم بالكلمات يعطي أحياناً فرصة باهرة لنسج عوالم يصعب نقلها إلى الشاشة، وفي الوقت ذاته، قد تستطيع الكاميرا أن تنقل من الإيحاءات والصور، ما لا يستطيع نقله النص المكتوب، فهما فنّان مختلفان، لكل منهما أدواته الخاصة».