تعد رقصة (أحِيدُوسْ) من أهم فنون الغناء الجماعي للسكان الأمازيغ الذين استقروا بالأطلس المتوسط والأطلس الكبير، وحافظوا على هويتهم وتراثهم الشعبي الأصيل بلغته وآدابه، وتوارثته الأجيال وتمكنوا من الحفاظ على إبداعه وجماليته، وبصموا ثقافتهم الأمازيغية بقوة في الساحة الأدبية.
(أحِيدُوسْ) هي رقصة جماعية يشارك فيها الرجال والنساء، وتكون غالباً على شكل فرقتين، يصل عدد كل فرقة إلى أكثر من عشرين فرداً جلهم من الرجال، ويرقصون بانسجام تام بعد أن يقتسموا الأدوار فيما بينهم، حيث إن كل مجموعة يوجد بها شعراء يطلق عليهم اسم شيوخ (اللْغَا) بالأمازيغية، متمكنون من نظم قصائد -تسمى (إزْلاَنْ)- بامتياز في جميع المواضيع سواء كانت محلية مستمدة من الواقع المعيشي ومن الطبيعة الخلابة، أو من وقائع وطنية، أو عالمية، وكذا موضوعات الحب والغزل، في شكل مبارزة شعرية، وهؤلاء الشيوخ يتميزون بأصوات غنائية تجعل الآذان صاغية تبتهج لها النفوس.
كما أنها تختلف من منطقة إلى أخرى، فنجد على سبيل المثال قبيلة بني وَرَايْن بمدينة تاهلة التي تفصل بين شمال الريف ومنتهى الأطلس المتوسط، وهي جسر يربط بين مدينة فاس غرباً ومدينة تازة شرقاً، توجد منها جبال ومرتفعات من أهمها جبل تَازَكا، وبويَبْلان، وموسى وصالح، ناهيك عن الأودية والغابات وتنوع التضاريس، وتعتمد الساكنة على الفلاحة والرعي، كما أنها عرفت أحداثاً تاريخية إبّان الاستعمار الفرنسي والإسباني، ودافعت عن حريتها وقاومت الاحتلال بكل إخلاص، وهذا كله ساهم في إغناء هذا الفلكلور (أحِيدُوسْ) الذي يعبر في حد ذاته عن تضامن أهل القبيلة ودفاعهم عن حرية وطنهم المغرب وكرامته.
ويبدأ الرقص جماعة على أنغام المواويل والدف الذي يسمى (ألُونْ)، وفي صف واحد للمجموعتين وأياديهم متشابكة تدل على وحدة القبيلة وتلاحمها في السراء والضراء، وتقوم بحركات متنوعة بالأبدان والأرجل والأكتاف تجسد من خلالها مهارات الفرسان في المعارك والحروب، وترسخ قيم التضامن والصمود، وتذكي فرحة النصر والصمود، ويتم تسييرها من قبل رئيس يسمى (أمَنْدَاهْ) بالأمازيغية إذ هو الذي يلعب دور خبير الحرب وقائد الكتيبة، ويقوم بتغيير حركات الرقص بعد أن يأتيه الإشعار من قارعي الدفوف، الذين لا يتجاوز عددهم اثنين أو ثلاث أشخاص، يتمركزون أمام المجموعة ويعبرون الحفل جيئة وذهابا، مشيا وعدوا كي ينسقوا بين رئيس (أحيدوس) وباقي أعضاء المجموعة، وتتعالى أصواتهم مع ترديد كلمة (أعَاسْتو) التي تفيد التنبيه بتغيير حركات الرقص، ومعناه تغيير الخطط الحربية من أجل التصدي للعدو، وفي الأخير تبقى رقصة (تَاحْردالْت) العرجاء وهي الوقوف على رجل واحدة وطي أخرى ومرفوعة شيئاً ما على الأرض تعبيراً على الانتصار في المعركة وبالتالي إهانة العدو والاستهزاء منه وتقليد عودة محاربيه منكسرين، منهزمين ومعطوبين.
وقد تمكنت بعض الجمعيات بمدينة تاهلة ذات الاهتمام بالتراث المحلي الأمازيغي، كجمعية إزلي نايت وراين للثقافة والتنمية المستدامة، من إحياء هذا الفن العريق، وعملت على تطويره والنهوض به، من خلال تنظيم المهرجانات، والتظاهرات الثقافية، والاحتفالات.
وبالنسبة للباس فهو موحد، يتكون من (الحَايَكْ) الذي يعبر عن الأصالة والهوية الأمازيغية لبني وراين، ومن قميص أبيض اللون، ومن الحزام التقليدي، والشًكًارَة الجلدية المزركشة وعمامة تسمى (الرزَة) كرمز للشهامة، وخف جلدي أصفر اللون (البَلْغَة)، فتتناسق الألوان في الملابس ويضفي جمالية خاصة على رقصة (أحِيدوسْ).. هذا بالنسبة إلى الرجال.
أما النساء فيلبسن القّفْطّانْ ويكون عادة أبيض اللون، وحزاماً مصنوعاً من الحرير، ويتجملن بالحلي القديمة المصنوعة من الفضة الخالصة.
ويبقى فن (أحِيدُوسْ) من أعرق الفنون الشعبية بالمغرب، بثقافته الأمازيغية وتراثه الأصيل، له خصوصياته ومقوماته ودلالاته التي تميزه عن باقي الفنون الأخرى، حيث رسخ قيم التضامن والوحدة بين الأسرة والقبيلة، وتمكن من الصمود والرقي حتى وصل إلى العالمية، وأضحى فنا من الفنون التراثية الخالدة التي يفخر بها مغاربة الجبال داخل الوطن وفي كل محفل من محافل البلاد العربية والعالمية.