مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

بعيداً عن النقد.. قراءة في لوحات التشكيلي العراقي سعد علي

منذ فترة وأنا مشغول بمسألة علاقة الفنون ببعضها، وخصوصاً الموسيقى والشعر والرسم، وكان السؤال المشع في ذهني هو: إلى أي مدى يمكن أن تذهب بنا طاقة التخييل التي يصنعها عمل فني من هؤلاء الثلاثة فينا، وما هي القوة أو الأداة التي تقف وراء هذه الطاقة وتحركها؟
أستيقظ من النوم بعد حلم غريب -ولا أدري هل استيقظت من وقتها أم لا- وهذه المرة على غير المألوف لم أكن أتحدث في نومي أو أصرخ أو أهذي أو حتى أنادي على أمي وأبي.، خرجت من غرفة النوم إلى المكتبة وجلست على الكرسي الجانبي وفتحت الهاتف كعادتي لأبحث عن موسيقى موتسارت وأستأنف القراءة، لكنني ولسبب لا أذكره ذهبت مباشرة إلى الفيسبوك وفتحته وإذا بي أمام لوحة بديعة للفنان سعد علي.
وصاحبنا فنان عراقي وطفل كبير ذو روح حلوة وحُرَّةٍ وقوية وذو بنية جسدية وافرة النضج والاكتمال ينحدر من ملحمة جلجامش والحضارة البابلية القديمة والربيع الدائم لبلاد الرافدين، والحدائق المعلقة كما تروي أسطورة ما بين النهرين، يأتي من الحكايات العربية لألف ليلة وليلة وما تركته الخلافة ببغداد والبصرة والكوفة من معالم وآثار وفلسفة وعلوم وفنون الشعر والغناء والعمارة، أضف إلى ذلك ما حصله في رحلة التطواف والعمل والبحث في روح الأمم الشعوب وثقافاتها عبر البلاد والعواصم.
ومنذ عام 2004 وهو يقيم ويعمل بإسبانيا وقد أتاح له ذلك أن يرى عن قرب ومعايشة أثار الشرق القديم -أثر الأجداد الفاتحين- في الغرب الحديث، ويلمس أثر الحضارة العربية والإسلامية أيامَ الأندلسِ في كل شيء وركن وشارع وكأنَّ حياته في الوطن الجديد ما هي إلا بوابة الحنين لوطنه الأول.
وكل هذه الروافد والمنابع المتعددة والمتنوعة والمتجذرة في التاريخ تُغذي روحَ صاحبِنا وعقلَه ووجدانه وتجعل من أعماله نموذجاً للبساطة والدهشة والغرابة والتشظي وصولاً إلى الأسلوب السهل الممتنع كما نعبر بلغة الأدب.
فإنك وحالما تقع عيناك على لوحة من أعمالِه حتى تهتف قائلاً: (أستطيع رسمها) وما إن تستغرق حتى تجد نفسَك غارقاً في بحر من الخطوط البسيطة والمعقدة معاً، والألوان الخالصة السكرانة الذائبة في بعضها بلطف وعناية.
تتمشى في اللوحة في حلم يقظتك وتنصت لحديث الصمت العميق والتأمل اللانهائي وكأن العالم قد تحول فجأة إلى قداس وصلاة دائمة الشوق والتطلع والتجدد والاندفاع، وفي لحظة ما وفي ثورة انفعالك وتأملك تصل طاقة التخييل التي يصنعها العمل فيك إلى ذروتها وتذهب بك إلى آفاق جديدة كامنة في ذاتك لم تكن تعلمها ولم تطأها بخيالك من قبل فإذا بالسماوي يمتزج بالأرضي والحقيقة بالأسطورة والواقع بالخيال والحركة بالسكون والصمت بالضجيج وتبدأ الفوضى في شق مسارها على أرض اللوحة. وبلمسة بسيطة وأنيقة تتجاور هذه الفوضى محدثة تناغماً آسراً يكلل معظم أعمال سعد علي.
ومن متابعتي لأعمال الفنان يمكنني تمييز ثلاث نقلات أو ربما مراحل فيها وهي كالتالي:
مرحلة الغربة الروحية والمكانية داخل الوطن وضياع الصوت، وهي مرحلة تتمثل في الكثير من لوحات مشروع باب الفرج، وهي رسم على الخشب وكأنها طَرْقٌ متواصل على أبواب العراق المغلقة الصامتة المنغلقة على نفسها، ومحاولة لإخراج الفرد والعائلة والشعب إلى الشارع والحياة والانفتاح والثورة.
الثانية مرحلة البحث عن الذات والهوية ومحاولة إيجاد طريق للخلاص وإقامة الفردوس المفقود وإحياء الذرات المتبقية من الروح الحلوة في الإنسان والأشياء. وهي ذروة فنية في المعالجة والتشكيل واستنطاق لحياة الإنسان الباطنية والظاهرية، والحب والانتظار والحلم والأمل هي موضوعات هذه المرحلة الغنية فنياً.
والثالثة وهي الأعمال التي تتناول الأحداث الأخيرة في العالم والعراق خصوصاً ونجد أن هذه المرحلة تحتفي بالإنسان الغاضب الثائر فهي تصور جماهير الشعب الغاضبة وهي تهتف ضد الحرب والفساد والموت، وفيها يستعيد أبطال (سعد علي) صوتهم الغائب ويخرجون من حالة الانتظار والتأمل إلى الحركة والعمل والتحقق. وها هي أبواب العراق تُفتح وكأنها استجابت أخيراً للطرق المتواصل وأنصتت للهاتف البعيد الذي يأتيها من أبنائها المشتتين في حضنها والموزعين بين الأطلال والمهاجر والمنافي.
وتمثل المراحل الثلاث منتجاً فنياً يستفز في الإنسان كل ما هو طموح وحب وقوة وصدق وجمال.
فما هي هذه القوة أو الأداة التي تمنح عملاً فنياً كل هذه الطاقة من التخييل لدى المتلقي والجمهور، إنها عند صاحبنا قوة الضغط والتكثيف وإننا لنشعر بتعبير تشارلس مورجان ونحن نتأمل بهذا التكثيف، فأنت تشعر أن كل فضاءات الواقع والحلم تزدحم في عقل الفنان وتضغط على ذهنه وخياله وبالتالي على ريشته وألوانه وأنت تبصر وتتخيل فتنفتح أمامك سماواتك أنت واقعك وأحلامك أنت. لأن هذا الضغط وهذا التكثيف اللذين يصنعان عظمة الأسلوب يطهران روح الإنسان.
ولوحة (خيمة العشاق) وهي تنتمي لمرحلة البحث عن الذات والهوية من خلال الحب، وتصور رجلاً وامرأةً يجلسان متقابلين وخلف كل منهما سلة مليئة بالورود والفاكهة، نرى المرأة تقدم لرجلها الثمرة الحمراء بمحبة وحنو بالغين بينما الرجل يمد يده في خشوع وثقة وطمأنينة ليأخذها منها. رجل وامرأة خاليي البال والنظر كأنهما فرغا لتوهما من ممارسة الحب أو أنهما أنهيا رحلة طويلة من الكفاح والغوص في الذات البشرية بحثاً عن هوية الإنسان وخلاصه. هذه الرحلة بادية على ملامحهما وعلى وضعية كل منهما والانحناءات المتماثلة والحكيمة المتفاهمة لجسديهما لدرجة أنه لولا هذه الخطوط الحادة لما استطعنا أن نضع الحدود والفوارق بين الجسدين وإن شئت بين كل هذه المفردات والعناصر التي تشكل العمل.
إن مفردات النعيم التي تتوزع أعمال الفنان على امتداد مراحلها تأخذ هنا أهمية أكبر ودلالات أوسع. إننا حين نرى ثمرة الفاكهة فاكهة الحب الحمراء التي على شكل قلب يتبادر إلى ذهننا تفاحة آدم وحواء، رمز الإغواء والخطيئة، لكن المفارقة هنا أن هذه المفردات الفردوسية ما هي إلا مكافأة وجائزة ينالها العاشقان عن رحلتهما التي تعني رحلة البشرية في بحثها عن الحب والحرية والسعادة، ولا يمكننا رؤية هذا المشهد الحالم المتناغم والمتسامي على كل ما حوله دون أن نشعر بوقعه وصداه كاشفاً لنا أبسط وأعمق ما فينا.
فأي بسط هذا الذي يحمل العاشقين، وأية ستائر مائلة تحفظ خصوصية المشهد وصفاء الحال، أم أنها خيمة العراقي التي يحملها في وجدانه من منفى إلى منفى ليقيم فيها عرسه الأبدي، ولم يعد يهم وقد أصبح العالم وطنه أين ينصب خيمته: على قمة جبل أم على منحدر في واد خصيب أم فلاة جرداء، على موجة ذاهلة في البحر أم على جناح سحابة في الريح.
إن الأرواح المتلهفة والأجساد الضخمة والأعضاء المكتملة النضج والبنية وهذه الأيادي الممتلئة كيد الأب والأم الأولى والأصابع الطويلة الرشيقة والمتراخية عن قصد في رقة وانسياب على امتداد لوحاته ما هي إلا صور حية من روح وجسد الفنان نفسه وهو يحاول بريشته وألوانه أن يحفظ أحلام اليقظة والنوم ويخلد لحظة الحب ويحيي الأمل والوعد المؤكد بالسلام.
ذو صلة