سلفادور دالي، من أهم أعمدة الفن الحديث، من حيث قدرته على الابتكار بجرأة ينفرد بها. كان أكثر الفنانين غرابة عبر التاريخ، ولغزاً محيّراً، مريضاً بداء البارانويا- أو جنون العظمة، منافقاً للديكتاتورية، متقلّباً؛ ورغم هذا أنتج أروع الأعمال الفنية في القرن العشرين مع مواطنه بيكاسو، حتى أصبح من أعظم السرياليين على الإطلاق بأسلوبه الكلاسيكي الرزين الذي لجأ لتركيبه في شكل حلمي غريب.
إن عالم دالي مثير وشيق، الدخول إليه صعب والخروج منه أصعب، عالم الفنان الفذّ الذي رحل بجسده وبقيت أسطورته الخالدة.
كان ميلاد دالي في الحادي عشر من مايو من عام 1904 م في جويراس الإسبانية لأب كان يعمل كاتب عدل، ومن صفاته التي ارتبطت به منذ الطفولة أنه كان مثال المنحرف المتعدد الأشكال، المتأخر عقلياً، يتمسك بقوة وأنانية مطلقة بكل ما يريد أن يعمله وبكل ما يجلب إلى قلبه المتعة، وكان يثور لأتفه الأسباب.
تلقى دروسه في المدرسة المحلية الابتدائية، ثم أكمل تعليمه في معهد الآباء المريميين. لم يكن يوماً من المتفوّقين، فقد كان يأتي بكل ما يخالف التقاليد المتعارف عليها ليدهش أقرانه في المدرسة، وكانت معظم أعماله شيطانية تتّسم بالعنف. في يوم أعطاه صديق وطواطاً جريحاً فأخذه وخبّأه في مكان مظلم في منزله، وفي الصباح وجد الوطواط يحتضر وقد أحاطته أسراب النمل، تأثر دالي من هذا المنظر الكئيب فأخذ الوطواط بين يديه وعضّه عضة أودت بحياته ثم رماه جانباً.
وكان يحب أن يقفز بنفسه من فوق السلالم دون أن يأبه للألم، بل كان يتلذذ بإيذاء نفسه، ولمّا أستأجر له أبوه مرسماً أعجبته حياة الوحدة، فكان يعاني دوماً من هذيان الأنانية وحُبّ الذات، ولمّا اكتشف أبوه موهبته الإبداعية أرسله إلى صديق له من الأثرياء اسمه رامون، يحب الرسم الانطباعي ويمارسه، فعاش دالي في كنف هذه الأسرة الجديدة، واستلهم من نمط هذه الحياة موضوعات لكثير من لوحات الإثارة الخيالية التي رسمها في حياته.
الشقي الشاذ
خصّص له رامون غرفة واسعة مطلية بالجبس الأبيض ليرسم فيها، وذُهل الرجل لروعة رسومه على باب قديم نخره السوس فحوّله إلى تحفة فنية رائعة. ومارس تصرفات شاذة مع الخادمة، فقد كان يسكب الحليب الحار على صدرها في متعة غريبة ثم يصعد إلى غرفته ليرسم. وفي قبو القصر عثر على تاج قديم من المعدن، ووجد بين عمال الحقل وعاملاته امرأة مثيرة جميلة تصحبها ابنتها البالغة من العمر اثنتي عشر عاماً، وقع دالي في غرامها فلما أمسك بيدها نهرته وراحت أمها تعنّفه وتهينه أبشع الإهانات، وأراد أن ينتقم منها فوضع التاج على رأسه وراح يتلصّص عليها وهي تستحم، واحتفظ بعصا ليستند عليها وهو يسير متشبّهاً بالنبلاء، واستمر استخدام هذه العصا موضوعاً مسيطراً في لوحاته، بعدها صمم عصا لها عدة وجوه محفورة في أعلاها لكي تحملها النساء الجميلات كي يشعرن بجاذبية الشبق المحفور في لحم وجوههن.
كان دالي مريضاً بالجنس وبكل ما يثير الشبق الجنسي، وصوّر أحاسيسه هذه في لوحاته الماجنة.
بعدها انتقل سلفادور إلى يد أستاذ الرسم نونيز، فاهتم بالمطالعة، وبالأخصّ مؤلفات نيتشه وفولتير الفلسفية وكانط وسبينوزا وديكارت، وشيئاً فشيئاً بدأت لوحاته تجذب انتباه النقاد والهواة والفنانين، وبدأ يتلقى دعوات لعرض لوحاته في المدن المجاورة.
أكمل دراسته آنذاك في مدرسة الآباء المريميين، إلا أنه كان يهرب باستمرار منها وينتظر الإجازات السنوية بفارغ الصبر للذهاب إلى الشواطئ ذات الصخور الملونة.
وقرر أبوه إلحاقه بأكاديمية الفنون الجميلة ليصبح أستاذاً للرسم، فقدّم رسماً اعتبرته لجنة القبول صغيراً جداً، فرسم لوحة أخرى اعتُبرت كبيرة جداً، وفي يوم الامتحان قدّم رسماً كاملاً فنياً من كافة المقاييس، ووافقت اللجنة على قبوله بالأكاديمية.
وفي عام 1927م عندما كان دالي لا يزال مؤمناً بالتكعيبية سافر إلى باريس لزيارة بيكاسو قبل أن يزور متحف اللوفر، وعرض عليه لوحة صغيرة درسها دون أن يعطيه أي تعليق عليها! بعد عودته عرض عليه المخرج السينمائي والمؤلف الفرنسي بونويل المساهمة في إخراج فيلم، وجد دالي السيناريو ساذجاً، وعرض سيناريو كان قد أتمه لتوه موضوعه (الطفولة والموت)، وعمل الاثنان معاً، فظهر الفيلم بعنوان (كلب أندلسي). وخلال زيارة بيكاسو لبرشلونة زار معرضاً للوحات دالي فعاد إلى باريس وتحدّث عنه بحماس، وقرّر السفر إلى باريس للاشتراك في المعركة الفنية الدائرة هناك بين مختلف المدارس الفنية.
تأثيره على السورياليين
وصل دالي إلى باريس عام 1928م، وتم عرض فيلمه (كلب أندلسي) خلال فصل الشتاء من عام 1929م، فامتدحه السرياليون، وثار عليه العامة فمُنع عرض الفيلم، ولمّا انصرف عنه الأصدقاء وبات على وشك الجنون قرّر الهرب من باريس والعودة إلى إسبانيا. وبعدها رسم لوحته Je jeu luguhre وكانت بالفعل أول لوحة سريالية رسمها في حياته، دفعته إلى رسمها حاجة حقيقية وبيولوجية دون أن يتدخل ضميره في الأمر، وعاش دالي في خضم تصوّراته الخيالية خلال فترة بقائه في كاداكويز، ورسم لوحة بالألوان الزيتية في عام 1929م لجأ في إنجازها إلى أسلوب التلصيق باستعمال عناصر مطبوعة أو مصوّرة، وهي محفوظة بمتحف الفن الحديث في نيويورك.
وفي عام 1983 أحسّ بتدهور صحته، وأُصيب بحروق بالغة في كل جسده خلال حريق شب في غرفة نومه، وعاش مريضاً حتى وافته المنية في عام 1989م عن عمر يناهز الرابعة والثمانين، إثر إصابته بهبوط حاد في القلب، أعقبه التهاب رئوي توقفت بسببه الرئة اليسرى عن العمل ثم كانت الغيبوبة الكاملة، ليلفظ أنفاسه الأخيرة.
* من آخر مقالات الراحل.