مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

الشكل والمضمون في ميزان الكتابة المسرحية

نتيجة للمتغيرات الحضارية والتطور السريع للتكنولوجيا الذي لم يؤد فقط إلى زيادة سرعة تغير الأمزجة، بل أدى أيضاً إلى تغير مجال الاهتمام فيما يتعلق بمعايير الذوق الجمالي، وأدى إلى شغف جنوني بالتجديد، وسعي مستمر إليه، جعل الكاتب ينسجم مع الحالة التي وصل إليها الأدب المسرحي، لذا جاءت كتاباته بأطر وفلسفات ومضامين عبرت عن روح العصر، فظهر اختلاف الشكل لديه في النص المسرحي وأصبح يتنقل في كتاباته بين مدارس مسرحية مختلفة، مبتعداً عن الالتزام بالشروط الأساسية في تكوين المسرحية التي باتت سمة النص المسرحي العربي المعاصر.
من هنا، وقع على كاهل الكاتب المسرحي اليوم أن يخلق شيئاً جديداً وأصيلاً، فمرحلة تقليد النص الأجنبي انتهت، وآن له أن يبتكر كامل أسلوبه. وإذا كان الشاعر العربي الحديث قد حطم القوالب الشعرية القديمة وبنى من حطامها شعراً جديداً، فقد صار من واجب الكاتب المسرحي الجديد أن يفعل مثلما فعل الشاعر بأن يتجاهل كل ما يعرفه من القوالب المسرحية السابقة وأن يبني منها شكلاً حداثياً فوق مضامين صلبة وراسخة.
إن الكاتب العربي لم يعرف المذاهب الأدبية منذ نشأتها الأولى، وتعاقبها، وتطورها التدريجي، وظهور كتّاب ونقّاد ومفكرين لكل مذهب، لكنه اطلع عليها كلها في فترة زمنية واحدة، وذلك عن طريق ترجمة الكثير من الكتب النقدية، والنصوص المسرحية، التي تنتمي إلى عصور، ومراحل، ومدارس مختلفة، فتأثر بها جميعاً، إذ أن الكاتب العربي قد تأثر بالمسرح اليوناني، وبمسرح شكسبير، وبالكلاسيكية، والرومانسية، والواقعية، وبمسرح إبسن، وتشيخوف، وبرانديللو، دون أن يعيش في زمن هذه المدارس، أو ينتمي إلى أية أمة من أُمم هؤلاء الكتاب، كذلك تأثر بتيارات القرن العشرين من مسرح ملحمي، ومسرح تسجيلي، ومسرح عبث ولامعقول. من هنا ندرك مدى الاختلاطات التي كانت تتم عند كل واحد من كتّاب المسرح العربي، وتلك هي الورطة التي وجد الكاتب العربي نفسه فيها، وهي تعدد المذاهب في أغلب النصوص التي يكتبها، وأصبح الكاتب العربي الذي تأثر بمختلف المذاهب والتيارات المسرحية الأجنبية مضطراً أن يصوغ من مجمل ما تأثر به من هذه المذاهب المختلفة التي اطلع عليها والمسرحيات المختلفة التي قرأها، أسلوباً فنياً خاصاً به، مقنعاً لعصره، ومتناسباً مع الواقع الذي يعيشه، في الشكل والمضمون.
فالشكل.. كما يراه الناقد الإنجليزي (هربرت ريد)، (هو الهيئة التي يتخذها العمل، ولا يعنينا إذا كان ذلك العمل الفني بناء أو تمثالاً أو صورة أو قصيدة شعرية أو سوناتا موسيقية فإن كل شيء من هذه قد اتخذ هيئة خاصة أو متخصصة، وتلك الهيئة هي شكل العمل الفني، وهذه الهيئة تكون من صنع إنسان ما، هو الفنان الذي يضفي الهيئة على شيء ما. فالشكل ليس مجرد إعطاء المادة صيغتها النهائية الكاملة بل هو في جوهره تعبير عن نظرة إلى العالم يحددها المجتمع، فالطرق الجديدة لرؤية الأشياء -ومنها الكتابة المسرحية- نتيجة للحقائق الاجتماعية الجديدة).
إن الإيقاع والضجة والسرعة المميزة للمدن الكبيرة تؤدي إلى أشكال جديدة من الرؤية أو السماع، فالفلاح يرى المناظر الطبيعية بعين مختلفة عن عين ساكن المدينة، إذ أن الحياة بتغيراتها تمنح الفن وأشكاله سمات جديدة على الدوام، فنجد التغيرات في الإيقاع انتقالات، من الحركات البطيئة الهادئة إلى الإيقاعات السريعة. انتقالاً من الملاحم إلى القصائد، ومن القصائد الطويلة إلى المقاطع الأقصر. ومع تطور المدينة صناعياً، يتغير فيها إيقاع حياة الناس، وتختلف نظرتهم فتظهر تفصيلات جديدة في الصورة (الآلات-المركبات-العمارات الشاهقة) وتختفي المناظر الطبيعية، بل إن نظرة الإنسان تتغير للمنظر نفسه، فالنظر إلى الجمال الطبيعي يختلف، وما كان مألوفاً لدى إنسان القرية يصبح غير مألوف لإنسان المدينة والعكس صحيح. فالشكل الفني يتغير بتغير مجموعة من العوامل التي تقدم في التحليل الأخير تعبيراً عن ظروف اجتماعية محددة ومستوى التطور العام في ذلك العصر.
والفن في مجمله يستمد مادته من الحياة اليومية ومن العمل ولكنه يهب العلاقات الإنسانية شكلاً نوعياً محدداً هو الشكل الفني. وهكذا فهو بناء فوقي ولكنه يمد جذوره في العمل، وفي الحياة التطبيقية وفي قدرة الإنسان على قهر الطبيعة. فالشكل الجمالي هو الذي يستطيع أن يقدم واقعاً آخر أي يحتج على الواقع المعيش بحكم مغايرته.
أما المضمون فهو ما يقدمه العمل الفني من معنى، أو يريد أن يوصله من أفكار، وهو بالضرورة تاريخي اجتماعي، يعكس الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها في ظرف تاريخي محدد، وهذا الانعكاس ليس انعكاساً ميكانيكياً، بل هو بمثابة علاقة جدلية بين الواقع المعيش والعمل الفني، فالمضمون خطاب فكري وفق معالجة بعينها ينقلها النص المسرحي إلى المتلقي، إذ يتشكل المضمون طبقاً لأسلوب المعالجة الدرامية بغية الوصول إلى هارموني مقبول بينه وبين الشكل، فالمضامين تختلف وفقاً لأوراق النص، فهناك الكاتب الذي يخضع مضمونه الفكري لحتميات التناسق الدرامي والشكل الفني في حين آخر يلح عليه المضمون إلحاحاً قد يجعل مسرحيته مجرد أداة عابرة لتوصيل مضمونه، وبالتالي فليس هناك مضمون أو فكر أو موضوع مطلق أو مجرد أو مستقل بذاته ذلك لأنه يستحيل الفصل بين المضمون الفكري والشكل الفني في العمل المسرحي، فالتوازن والتفاعل الدرامي بين الفكر والفن ضرورة منطقية وجمالية لا غنى عنها. ولكي يتمكن النص من الوصول إلى ذلك عليه أن يحمل بصمة كاتب ذو ثقافة عالية وقدرة على رصد القضايا والمشكلات بل وتحليلها واختيار الزاوية التي يتناولها منها لكى تعبر عن رؤيته للقضية من خلال أعماله الفنية. فهناك معيار متغير قائم على كيفية توظيف الثوابت السابقة في التعبير عن المضمون الذي يتصدى له لأن الكاتب لا يوجد في المطلق ولكن هناك مؤثرات ثقافية وبيئية وأيديولوجية إلى جانب روح العصر الذى يعيش فيه تؤثر في كيفية تمثيل عناصر التكثيف والبلورة وتدفق السياق في عفوية وحيوية.
وهنا يبرز السؤال القديم الجديد، أيهما أهم، الشكل أم المضمون؟ أو أيهما يختاره الكاتب في البداية أولاً؟
يقول الكاتب السوري القدير فرحان بلبل في كتابه الكلمة والفعل: (إن المسرحية أولاً وآخراً، حكاية تقوم على نوع من المشاجرة بين طرفين، ولا يتشاجر الناس في الحياة من غير سبب، فلولا الوباء الذي حلَّ في المدينة لما اختصم ترزياس وأهلُ المدينة مع أوديب، ولولا شكوك هملت في أن عمه قتل أباه وتزوج أمه لما بُنيت تلك المسرحية ولما سقط عدة قتلى في نهايتها. وليس سببُ المشاجرة أو الصراع إلا مضمون المسرحية وفكرتَها وهدفَها الأعلى وغايتَها الفكرية والإنسانية والعاطفية التي من أجلها أمسك الكاتب بقلمه ليبني كل العناصر التي تؤلف أصول الكتابة المسرحية. وهذا الموضوع أو الفكرة أو الهدف الأعلى الذي خلق المشاجرة هو مدار هموم العصر في مجتمع الكاتب. وهو المعركة الفكرية التي خاضها الكتاب عبر العصور في مجتمعاتهم. وهو الذي يعطي مسرحياتهم قيمتها الأدبية. ولا يعني هذا الكلام أن يختار الكاتب فكرته أو موضوعه ثم يبدأ الكتابة. ولو فعل ذلك لتحول إلى آلة حاسبة أو إلى جهاز أوتوماتيكي مبرمَج، فالحالة التي يتشابك فيها الموضوع بالحكاية هي التي يسميها النقاد علاقة الشكل بالمضمون).
ويرى الناقد النمساوي أرنست فيشر: منذ أيام أرسطو عندما طرح القضية للمرة الأولى وأجاب عليها إجابة باهرة، منذ ذلك الحين عبر كثير من الفلاسفة والفنانين عن رأيهم القائل بأن الشكل هو الجانب الجوهري في الفن، هو الجانب الأعلى، الجانب الروحي، ويرى هؤلاء المنكرون أن الشكل الخالص هو جوهر الواقع، وأن هناك حافزاً يدفع كافة أشكال المادة للذوبان في الشكل إلى أقصى مدى، وأن كل ما في هذا العالم هو مزيج من الشكل والمضمون، وكلما تغلب الشكل وقل الانغماس في المضمون زادت درجة الكمال التي يبلغها. وقد عبر أحد صناع الآنية الخزفية عن تجربته بقوله (إنني أصنع الشكل في البداية، ثم أصب فيه كتلة الخزف الخالية من التشكيل).
جمهور اليوم سئم الأشكال والمضامين القديمة والمتكلسة التي تقوم عليها مسرحيات الأيام الخوالي، فالبناية الضخمة تنهار حتماً إذا كان هيكلها الحديدي ضعيفاً أو لا وجود له وكثير من الناس يعدون البناية من ناطحات السحاب عملاً من الأعمال الخرافية في الجمال، لإشرافها على مدينة من المدن، ومثل هذه البناية، بواجهتها الجذابة المزخرفة لا توحي للعين المجردة إلا قليلاً بما تتكون منه عناصرها البنائية، إلا أن هذه العناصر موجودة بحذافيرها في تتابع سليم معقول متماسك من الناحية الهندسية المعمارية، وقوة البناء الحقيقية، تنبئ عن نفسها حينما تناطح الرياح العاتية المسلطة على ما لا يحصى من الأقدام دون أن تزعزع منها حجراً واحداً، وكذلك فإن النص المسرحي حينما يشتغل على مضمون قوي وبهي ومتماسك يحتاج أيضاً إلى نوع خاص من الأذهان لكي تتولى صياغة شكله.
المسرح يغذي الإنسان بالقناعة في حب البقاء والوجود والتطور، كما يمنح الإنسان القدرة على تعويض ما يفتقده في واقعه المعاصر، حيث يقدم ظواهر مفتقدة شكلت للإنسان تواصلاً لتاريخ وجوده، فنحن لا نستقطب الناس إلا إذا مثلنا أمامهم دراما أفعالهم في خطاب ذي مضمون قريب من بيئتهم المعاصرة وملتصق بوجدانهم. يقول بريخت في أرجانونه الصغير: (مهمتنا هي الترفيه عن أبناء العصر العلمي، وأن نفعل ذلك بحس ومرح، وهذا شيء لا نستطيع أن نقوله لأنفسنا في مناسبات عديدة، لأنه دائماً معنا يتحول كل شيء بسهولة إلى المجرد وغير المحسوس، إننا نبدأ في الكلام عن نظرة العالم حين يكون العالم المشار إليه قد تحلل تماماً واختفى، إن نشاطنا لا يشمل متع الاستكشاف وإذا أردنا أن نترك أثرنا المميز على الأمور، فإننا لا نقول كم كانت المتعة التي حصلنا عليها من شيء معين، بل، كم من الجهد كلفنا ذلك الشيء).
ذو صلة