مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

أول معهد عالمي للموسيقى

لم يكن أبو الحسن علي بن نافع (161 – 238هـ) مولى الخليفة المهدي، مجرد موسيقي فذ، بل كان مبدعاً موسوعياً، فهو: شاعر أديب فلكي حافظ لتواريخ البلدان وسير الملوك والمأثورات والحكم والأمثال الشعبية، عالم اجتماعي ونفسي وفولكلوري في عادات المجتمعات والشعوب وتقاليدها وآدابها وطبائعها، وكان فصيحاً، حسن الصوت، حلو الحديث والشمائل. أحدث بتجديداته وابتكاراته ثورة في فنون الغناء والموسيقى العربية والأندلسية.
ولسمرته وجمال صوته، وتشبيهه بطائر (الزرياب) الأسود المغرد، أطلقوا عليه لقب (زرياب)، والكلمة فارسية تعني: (ماء الذهب). ولد في بغداد، وتتلمذ على إبراهيم الموصلي، وسرعان ما كانت له بصمته في فنون الحداثة، اهتم هارون الرشيد به، لكن أدت ضغوط إسحق ضد مدرسة الحداثة، وبخاصة الشعر والموسيقى إلى هجرته للأندلس التي كانت تتعطش للتراث الغنائي العربي. وأدى فشل إبراهيم بن المهدي في ثورته الموسيقية، وفشله كذلك في ثورته السياسية؛ إلى أجواء غير مواتية ألهمت زرياب أن مدرسة الحداثة الفنية لن تستمر في بغداد، فاستخدم معرفته الجغرافية في تفتيش الأقاليم بلاداً وسكاناً، حيث تهيأت الظروف في الأندلس، فحمل معه آخر المنتجات والإبداعات. تنفي رواية (العقد الفريد) أية علاقة لإسحاق برحيل زرياب من بغداد، وتثبت أنه تركها بمحض إرادته بحثاً عن النجاح بعد كساده في بغداد، وعند بني الأغلب في القيروان، فقد صاغ المقري ذلك في كتابه (نفح الطيب)، لتكشف عن رؤيته لرائد موسيقى الأندلس، ومكانته التي اعترف بها الأصفهاني في كتاب (الأغاني) على لسان علوية مغني المأمون، و(الرقيق) في كتابيه: (معاقرة الشراب)، و(قطب السرور)، مؤكداً أن زرياب كان مولى الخليفة المهدي، وتوجد نسخة ثالثة للخبر رواها ابن خلدون في (المقدمة). فإذا أخذنا بما أورده علي العسيلي في كتاب (الغناء في الإسلام) من ناحية، وما أكده د.محمود الحفني في كتابه (موسيقار الأندلس) من ناحية أخرى؛ نعلم أن زرياب قضى بالقيروان عدة سنوات، ذاع صيته خلالها في الولايات الأفريقية، ولم تنقضِ السنوات الأولى حتى تحول قسم من المدينة إلى منطقة تخصصت في الغناء والعزف والملاهي، وانقسمت إلى حيين أحدهما (الحي الزريابي)، والآخر (حي الزهاد). لم يكن زرياب يحمل معه الموسيقى فحسب لكن الشعر أيضاً، لاسيما شعر أبي نواس وأبي العتاهية وأستاذهما بشار بن برد، تماماً مثلما حمل إبداعات الموصليين الأب، والابن، وإبراهيم بن المهدي، كامتداد لمدرسة الحداثة التي أبدعها إبراهيم بن المهدي، حيث ولدت النهضة العربية الموسيقية في الأندلس. فتوجه عام 822م إلى قرطبة، ويؤكد هنري جورج فارمر في (تاريخ الموسيقى العربية) أن زرياب أرسل إلى الأمير الحكم بن هشام يخبره بمكانته الغنائية ويستأذنه في القدوم، فأرسل (الحكم) كتاباً يرحب به لكنه توفي، فوصل كتاب آخر من الأمير عبدالرحمن، حرصاً على ضمه، ليكون فنان بني أمية. إضافة لخلو قرطبة من موسيقيين كبار. ولعل أول من نقل موسيقى المشرق إلى الأندلس، كانوا: (علون)، و(عجفاء) و(زرقون) و(عباس بن نصاري) و(منصور) اليهودي.
المنهجية العلمية
أنشأ زرياب أول معهد منهجي للموسيقى في العالم بقرطبة عام 825م باسم (دار المدنيات) على نفقة الأمير عبدالرحمن لتعليم فنون الموسيقى، والأداء الحركي، والغناء، والعزف، وعروض الشعر، فوضع قواعد للقبول، ومناهج وتقنيات مبتكرة للتدريس، ظلت تحتذى شرقاً وغرباً. قسم الطلبة، وفقاً لمستوياتهم الصوتية الصافية والقوية، إلى صفوف، واستبدل الألحان الحجازية الشائعة بألحان بغدادية. يوضح د.زين نصار في مرجعه القيم (دراسات موسيقية) طريقة زرياب المبتكرة، حيث كان المتبع قبله، تلقين وتكرار اللحن، فاستحدث طريقة ذات ثلاث مراحل:
1 - تعليم الإيقاع في قراءة الشعر، وأن ينقر الدارس الدف ليظهر له زمن الإيقاع، ويضبطه.
2 - دراسة اللحن في شكله الأولي.
3 - ترجيع الصوت مع حلية الغناء وإظهار العواطف والأحاسيس.
كما ابتكر اختباراً للأصوات، فكان يُجلس الدارس، طالباً منه أن يصيح بقوة: (يا حجام)، أو يجعله يغني (آه) ممدودة على جميع درجات السلم الموسيقى: دو– ري– مي– فا– صو– لا– سي، ابتكاراً من (در مفصل)، فإذا سمع صوتاً ندياً لا تعتريه غنة، ولا حبسة، ولا ضيق نفس، أجازه للدراسة، مقدراً درجة جودته، فإذا اختار دارسيه، بدأ تلقينهم فنون الغناء بأساليب وطرق مختلفة باختلاف نوعية الفن المتعلم. وكان يأمر الطالب بشد صوته إذا كان قوياً، فإن كان لينا أمره أن يشد على بطنه شال عمامته لتقوية صوته بعدم إيجاد متسع في الجوف عند الخروج من الفم، فإن كان متقارب الأضراس لا يقدر على فتح فمه أو زم أسنانه، راضه بإدخال قطعة خشبية عرضها ثلاث أصابع يقوم بتبييتها ليالي حتى ينفرج. العجيب أن ذلك هو الأسلوب الحالي في تعليم الغناء الأوبرالي، وقد أخذناه ثانياً من الأوروبيين اعتقاداً أننا نتعلم منهم! فقد استقبل المعهد دارسين من معظم الدول الأوروبية، وازدادت أعدادهم تدريجياً، ثم عادوا لبلادهم بعدما نهلوا من الفنون العربية، فكانوا الأساس الرصين الذي قامت عليه النهضة الموسيقية الأوروبية. في البدء اتخذ زرياب هيئة التدريس من أبنائه وبناته وقيانه، لتعليم العزف الآلي، والغناء، والتلحين، والشعر، والعروض، ووفدت إلى الأندلس بعثات كثيرة اهتم بتنظيمها ملوك وأمراء أوروبا، ولم يقتصروا فيها على النابهين بل ضمنوها صميم أسرهم الملكية، لحرصهم على نشر نور العلم والفن في ربوع بلادهم. بلغت إحدى بعثات عام 213هـ سبعمئة دارس، فكان المعهد بمثابة همزة وصل حضارية بين الشرق والغرب. واتسع مجال الدراسة لاستيعاب مزيد من الفنون. المعروف أن آلات عديدة اتخذت من أصل عربي كالبيانو (الشفير)، ويقال إنه من اختراع زرياب، وكان للعود آنذاك أربعة أوتار (العود القديم) أضاف له، عملياً، الوتر الخامس (العود الكامل). أحضر زرياب الآلات من المشرق العربي فتكونت ثروة آلية غير مسبوقة، كالطنبور والشهرود والقيثارة والمزهر والكنارة والقانون والصنج والربابة بأنواعها والمزمار والناي والسرناي والشبابة واليراع والبوق والنفير والدفوف.. وغيرها. من جهة أخرى أدى التعدد الآلي إلى العزف والغناء الجماعيين في الاحتفالات والمناسبات، وتقلص الغناء الفردي، فاقتصر على فنون الموال، حتى بلغت الفرقة أحياناً أكثر من مئة موسيقي، ارتدوا زياً موحداً. وتعلم الأوروبيون اللغة العربية خصيصاً لدراسة وإتقان الموسيقى العربية. وكان زرياب أول من أنشأ المسرح الصغير لتجلس الفرقة عليه وأسماه الستارة. كما ابتكر طريقة لكتابة النوتة الموسيقية. ظل المعهد قائماً حتى سقوط الخلافة العربية.
التأثيرات الحضارية
يؤكد د.حسين مؤنس أنه بالإضافة لإبداعات زرياب الموسيقية والغنائية قام بتنمية وتطوير المجتمعات الأندلسية ونقلها من الفوضى إلى التحضر، فقدم روافد ثقافية مهمة، تنوعت مفرداتها عبر علوم عديدة كالفلك والنجوم والنبات والحيوان والتاريخ وعلم الاجتماع. تولى المناصب، وكان فيصل الأناقة، ومصمماً للأزياء، علم أهل الأندلس ارتداء الملابس الصوفية شتاء، والقطنية صيفاً، والزاهية ربيعاً، فازدهرت صناعة الغزل والنسيج والملابس. وأضاف إلى المطبخ الأندلسي كثيراً من الأصناف والخضراوات، وابتكر قائمة طويلة من الحلويات الشرقية كالهندباء والكمأة، وإليه نسبت (الزلابيا) تحريفاً لاسمه، كما علمهم الأكل على الموائد، وفن إعدادها وتزيينها وآدابها واستخدام الملاعق والسكاكين والكؤوس الزجاجية بدلاً من المعدنية، فازدهرت صناعات المعادن والزجاج. علمهم أيضاً فن التزين والتجميل وتصفيف الشعر، واستخدام مادة المرتك كمزيل للعرق بدلاً من زهر الريحان، واستخدام الملح لتنظيف الثياب من الدسم. وافتتح مركزاً ربما كان الأول عالمياً أيضاً في فنون التجميل الأنثوي بالقرب من (الكازار) قصر الأمير، وأدخل العطور والحمامات الشعبية التي حملت اسمه، وكتب الأشعار على ملابس المغنيات، وآلات الطرب، ووضع نظاماً غذائياً للقصر تكون من الحساء أولاً، فالسمك أو الدجاج أو اللحم، فالفواكه والحلويات والمكسرات، وانتشرت الوصفة في أوروبا، وربما تعود العبارة الإنجليزية from saup to nuto من الحساء إلى المكسرات إلى مائدة زرياب. يعتقد أيضاً أنه مبتكر أول معجون أسنان. كما أضاف زرياب العديد من الأنماط المشرقية للحياة الموسيقية، تحديداً في تطبيق الإيقاع الغنائي على الإيقاع الشعري، والغناء على نهج النوبة الأندلسية، فأوجد 24 نوبة، كل واحدة تناسب ساعة من اليوم كالهنود القدماء. ساعدت الأجواء الفنية التي أوجدها في بناء الأسس الفنية للموشحات، واستهلال الغناء بمقدمة خالية من الإيقاع، والانتقال للألحان الموزونة البسيطة والثقيلة كاللحن الأساسي، والاختتام بمقطوعة رشيقة الإيقاع. عرف زرياب الموسيقى الرومية والفارسية في بغداد وأنظمتهما الشعرية طبقاً لأشعار الجاحظ، وشهد محاولات إبراهيم بن المهدي لتطويع الشعر العربي للموسيقى على الطريقة الرومية ليسهل غناؤه جماعياً. يقول التيفاشي: كان غناء أهل الأندلس إما بطريقة النصارى، أو حداء العرب؛ إلى أن تأسست الدولة الأموية، فوفد في زمن الحكم الربضي من المشرق ومن أفريقيا من يحسن الغناء، إلى أن وفد الإمام المقدم زرياب، فجاء بما لم تعهده الأسماع. حاكى معظم شعراء القرن الثالث في الأندلس مدرسة الحداثة البغدادية، واقتدوا بزرياب. فكان عصر عبدالرحمن الأوسط بداية للتطور الحضاري في الأندلس. مدح ابن خلدون ذلك في (المقدمة)، خصوصاً الأمير عبدالرحمن وزرياب، فانتسب العصر إلى الغناء من خلال مكانة زرياب موسيقار الأجيال، وإبداعاته في فنون الموشحات مطوعاً الأغنية الشعبية للسلم الموسيقي العربي ثم تطويره بتطعيمه بموسيقى الأغاني الشعبية، فجاءت إبداعاته بتسلسل لحني معين وعاونته أوركسترا بلغت أكثر من 100عازف، حيث بدأ الغناء بإنشاد بيتين هما المطلع دون موسيقى، يليهما الغناء بمصاحبة الموسيقى على مرحلتين، هما: ترديد البيت، ثم ترديد القفلة الأولى، ليتضح أن إنشاد الموشح، كان ضرورة موسيقية لإيجاد نص يتوافق مع تطويرات زرياب التي زاوجت الأغنية الشعبية بالتأليف الموسيقي. وإلى اليوم ظلت نوبة زرياب تبدأ بالإنشاد كتقليد ساري في النوبة الأندلسية بالمغرب المرتبطة بالموشحات وغيرها كالمواويل. أورد الكندي بعض أفكار الموشحات باعتبارها جنساً موسيقياً متميزاً، الأمر الذي ينادي معه د.سليمان العطار في مرجعه القيم (دراسة في نشأة الموشحات الأندلسية) ببحث وصف الكندي للموشحات، فلعل أفكاره قد خرجت عملياً في قرطبة على يد زرياب لتبدع فناً شارك في تدعيم الانسجام الأندلسي ووحد المجتمع، تماماً مثلما حدث مع فكرة إضافة الوتر الخامس للعود التي افترضها الباحثون النظريون، ومنهم الكندي معاصر زرياب، لكنه من وجهة نظرهم لم يكن ليحتمل الشد المطلوب إلى أن صنعه زرياب عملياً من خامة جديدة، هي أمعاء شبل الأسد، مبتكراً ريشة العزف من قوادم النسر، إضافة لحرصه على استيعاب طبقات صوتية أكثر حدة، تنفيذاً لمقتضيات فنية جديدة. مما أدخل ألواناً تعبيرية جديدة وإمكانات صوتية أثرت تقنيات العزف الأوركسترالي اللاحق خلال تطوير الموسيقى الغربية إبان العصور الوسطى. فإذا كانت الموشحات، قد كتب لها الخلود، دون كل أنواع الغناء القديم، على مستوى الغناء الشعبي والرسمي حتى اليوم؛ فهو نفس السبب الذي يرجع إليه مؤدي (لاكويكا) في تشيلي استمرار الموشحات دون شوائب من الغزو الأجنبي الذي حاول أن يشوب عالم لاكويكا الشعبي. ومعظم الرقصات وألوان الموسيقى والغناء المرتبطة بها في أمريكا الجنوبية ذات أصل أندلسي تواشيحي، مثل التانجو الأرجنتيني الشهير عالمياً طبقاً لدراسة د.صمويل فالديس، التي كشفت آفاقاً عريضة كانت محجوبة لعلاقة الموسيقى بالشعر. وفي أوروبا ما كاد يبدأ ق11م حتى عرفت لأول مرة، ظاهرة الموسيقيين الجوالين وأطلق عليهم (التروبادور) TROUBADOUR بجنوب فرنسا بعد أن أخذوا تراث التواشيح العربي، ومنه إبداعات زرياب، وابتكروا شعراً غنائياً خاصاً بهم رددوا فيه الملاحم والبطولات، بالإضافة لما نقلوه من قصص ألف ليلة وليلة، وسندباد، ويوسف وزليخة، وغيرها. وسرعان ما انتقل التأثير إلى شمال فرنسا وعرفوا هناك باسم (التروفير) TROUVERE  فحذا حذوهم شعراء آخرون في ألمانيا باسم (المينيسنجر) MINNEESINGERS  ومن الشعراء الأوائل المغنين المتأثرين بذلك التراث أيضاً: وليم التاسع، وكونت بواتيه، ودوق أقطانيه، بل هناك مقطوعات فرنسية اشتهرت في ق17م تذكر ببحور الأزجال والموشحات الأندلسية، وفي إنجلترا توجد أغانٍ شعبية بنيت على إبداعات زرياب وصبت في قالب الموشحات. وإلى الآن هناك أغانٍ شعبية أسكتلندية، وأيرلندية أبدعت على أنماط أزجال وموشحات الأجيال التي تعلمت على زرياب. وجد كذلك العالم الإسباني خواسيه فايكروسا، أن عروض قالب (الكونتراستو) الشعري ومعناه الخصام، أصوله فارسية صيغ في قالب الموشح، وظلت طريقته تستخدم في الأغاني الكرنفالية والشعبية. ولم تزل أصداء المدرسة الموسيقية التي أوجدها زرياب متجسدة إلى اليوم في ظاهرة الفلامنكو، حيث أثبتت أبحاث فيرنانا وكينيوس وآخرين أن الجذور الفنية للفلامنكو عربية أندلسية. ولا تزال إسبانيا تحظى بأكبر فلكلور موسيقي في العالم، حيث مثل زرياب جسراً روحياً ربط بين الشرق الساحر بثقافته وفنونه وموسيقاه، وبين الأندلس وأوروبا، عبر معهده العالمي والذين تتلمذوا عليه، فنقلوا إبداعاته إلى مدارس وأجيال أمست من أهم المدارس والرواد الذين أضافوا إلى فنه المشبع بمفردات هندية وفارسية وإغريقية وعربية تشربتها روحه في بغداد، فاختزنتها ونقلتها للعالم قبل عشرة قرون، حيث كانت تنام بغداد وتصحو على ألحان الموصلي الأب والابن، وإبراهيم بن المهدي وزرياب وآخرين، واليوم لا تعرف (مدينة السلام) النوم الهادئ.
ذو صلة