المشهور عن كتاب (الأمير) لـ(نيكولو مكيافيلي)، أنه كتب مسودةً غير معنونة -تم نشره وتسميته بالأمير بعد وفاة مكيافيلي- ليتم تقديمها إلى الأمير (لورينزو دي ميديشي) حاكم فلورنسا، حتى يستعيد مكيافيلي منصبه العام الذي خسره بعد اتهامات وجهت له بالتآمر ضد السلطة، ولم يجد سوى تقديم هذا الكتاب برهاناً على إخلاصه وصدق نواياه. والمشهور أيضاً عدم وصول الكتاب إلى لورينزو، فضلاً عن قراءته، وبالطبع عدم عودة مكيافيلي إلى منصبه ووفاته في منفاه الأخير. ولكن الأمر الأقل شهرة هو أن مكيافيلي قد استوحى من شخصية (تشيزري بورجيا) -الملقب بالدوق فالنتينو- الكثير من الإستراتيجيات السياسية التي بنى عليها كتابه، وقد أشار إلى ذلك في عدد من فصول الكتاب. فقد كان تشيزري نموذجاً للأمير كما يجب أن يكون في مخيلة مكيافيلي، وهو المعروف في عدد من الترجمات العربية باسم (قيصر بورجيا) أو (سيزار بورجيا)، وهو ابن (الإسكندر السادس) أحد أشهر باباوات روما في عصر النهضة، وهي الفترة ذاتها التي التقى فيها مكيافيلي بتشيزري وجهاً لوجه، والتي يتناولها مسلسل The Borgias بالتفصيل.
تبدأ أحداث المسلسل عام 1492 في روما، مركز العالم المسيحي ومقر البابوية، حيث كان للبابا السلطة في تتويج وعزل الملوك والحكام. العرش الباباوي كان الجائزة التي يتمناها الكل. الكنيسة كانت غارقة في الفساد والبابا (أننوسينت) يحتضر، ومع وفاته يدخل في صراع على عرشه الكاردينال (رودريغو بورجيا) - سيُعرف بعد فوزه بالبابوية بالبابا (الإسكندر السادس)- وبقية الكرادلة، وتبدأ أيام طويلة من الانتخابات لاختيار البابا الجديد. ورغم أن رودريغو لم يحظَ بأية أصوات تُذكر في البداية، خصوصاً أنه من أصول إسبانية، ويُنظر إليه نظرة دونية من الجميع؛ إلا أنه وضع خطة مُحكمة مع ابنه تشيزري -الذي كان يعمل بالسلك الكنسي لمعاونة والده- تقتضي الخطة شراء أصوات الكرادلة الآخرين مقابل الذهب والمجوهرات وكل ما استطاع توفيره لهم، وقد تم التحايل على قوانين الشفافية بالكنيسة باستعمال الحمام الزاجل ودس لفائف المفاوضات داخل طعام الكرادلة، ثم يُجري رودريغو تفاهماً أخيراً مع الكاردينال (أسكانيو سفورزا) الذي يدعمه للحصول على البابوية لقاء منصب وكيل الكنيسة، وبالفعل تتم الصفقة ويتم التتويج، كل ذلك بما يتضمنه من أحداث ودهاء تكتيكي يحدث خلال الدقائق الأولى فقط من زمن المسلسل، وهو الأمر الذي يشي بالثراء الدرامي والفكري الذي يتضمنه على مدار حلقاته.
السيناريو المذهل الذي كتبه وأخرج بعض حلقاته السيناريست والمخرج الأيرلندي (نيل جوردان) يستحق الإعجاب من عدة جوانب: فهو استطاع تكثيف أحداث ضخمة من حيث الحجم وطويلة من حيث الزمن، وترتيب المتداخل منها بسلاسة منقطعة النظير، كما يتتبع السيناريو الشخصيات الثلاث الأساسية التي تستحق كل منها عملاً فنياً منفصلاً. وبالرغم من أن لكل شخصية منها طموحات وتحديات وشخصيات فرعية مختلفة عن بعضها البعض؛ إلا أن السيناريو برع في تقديم كل ذلك دون أن يتشتت المتابع ولو للحظة واحدة.
الشخصية الأولى التي يتتبعها السيناريو هي بالطبع (أمير مكيافيلي) تشيزري بورجيا، والشخصية الثانية أبوه البابا إسكندر السادس الذي يعتبره مكيافيلي أول بابا استطاع أن يعيد إلى الكنيسة قوتها وهيبتها بين أمراء إيطاليا كبيرهم وصغيرهم، بل طرد ملك فرنسا من إيطاليا، وكان على وشك إقامة إمبراطورية تضم جميع دويلات إيطاليا لولا أن سبقه الموت إلى ذلك، وعلى الصعيد الاقتصادي يرى أنه قد أوجد طرقاً كثيرة لتنمية ثروة لم تكن معروفة قبله. بل يقول عنه مكيافيلي نصاً في كتابه الأمير في الفصل الثامن تحت عنوان (كيف يكون وفاء الأمراء): «سأكتفي بذكر مثال واحد من التاريخ الحديث، فإن الإسكندر السادس لم يفعل في حياته شيئاً سوى خداع الرجال، ولم يكن يفكر في غير ذلك، وقد وفق إلى الحذق فيه، فلم يكن رجل مثله قادراً على تأكيد الأقوال وتثبيتها والوعد بالإنجاز؛ ومع ذلك فإنه فاز على الدوام في خداعهم، لأنه عرف طبيعة البشر». والبابا إسكندر كان رجلاً مثيراً للجدل بحق، فمنصبه الديني لم يمنعه من خوض عدة مغامرات عاطفية نتج عنها تسعة أبناء -كلهم غير شرعيين، وعندما بلغ الستين وقع في غرام فتاة في الخامسة عشرة من عمرها تدعى (جوليا فيرنيسي)، كان جميع من في روما يعلم أنها عشيقته.
أما الشخصية الثالثة هي (لوكريسيا بورجيا) الابنة المدللة لبابا روما، وهي واحدة من أشهر الوجوه المألوفة في لوحات عصر النهضة، نظراً لكثرة ما تم رسمها من قبل فناني ذلك الزمان، وقد كانت مشهورة بالذكاء المتقد والثقافة الكبيرة والدهاء المخيف، وقبل كل ذلك كانت سمعتها تسبقها كواحدة من أجمل بنات عصرها، ولكنها كانت عاثرة الحظ ولم تحظَ بحياة مستقرة هانئة، فلقد استخدمها والدها في مطامعه التوسعية وذلك بتزويجها ثلاث مرات إلى حلفائه، وتعتبر قصص زيجاتها المختلفة مأساة حقيقية نظراً لما لاقته من معاناة قبل أن تتوفى بعمر التاسعة والثلاثين، وأفضل ما في السيناريو هو أنه يتفهم هذا الأمر تماماً ويقدمها في صورة هي الأقرب إلى الواقع الحقيقي، فلعقود اشتهرت لوكريسيا بكونها امرأة لعوباً وفاسدة أخلاقياً، لكن عاد المؤرخون لاحقاً بعد التحقق من وقائع العصر لبناء صورة عن حياتها تفيد كونها ضحية صراعات سياسية محتدمة.
السيناريو كذلك يجيب عن سؤال عصر النهضة بطريقته الخاصة، فالجدال الدائر بين المؤرخين لسنوات طويلة هو: هل حدث عصر النهضة بالفعل؟ المؤيدون لحدوثه يتحدثون عن الطفرة الفنية المذهلة في أعمال عصر النهضة من معمار ولوحات وتماثيل لـدافنشي ورفاييل ومايكل أنجلو.. وغيرهم؛ والمعارضون يؤكدون أن كل ذلك لم يحدث سوى داخل قصور الباباوات والملوك والأمراء، وكان الشعب في الخارج يعيش حياته تماماً كما هي. وجوردان ينحاز إلى الفريق الثاني من خلال أحداث السيناريو، المسلسل غارق في أبشع سمات وملامح العصور الوسطى، حيث الفساد يضرب أعماق الكنيسة، وتقام الحروب لأتفه الأسباب، والشعب الإيطالي غارق في الفقر والجهل، والطاعون الأسود يحصد الأرواح بلا هوادة.
من المغالطات الشائعة والمبنية على أحكام متسرعة، هو ارتباط اسم مكيافيلي بالشر الخالص والخبث والمكر، وأصبحت كلمة مكيافيلية مرتبطة بالأعمال السياسية اللاأخلاقية؛ ولكن النظرة المتمهلة ستكشف أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، فقد تعجّل رجال الدين المسيحي في ذلك الوقت الحكم على الكتاب نظراً لأنهم لم يفهموه على وجهه الصحيح، وما لبثوا إلا أن شبهوا كاتبه بالشيطان، وقد عزز تلك الرؤية أعمال شكسبير التي قدمته بذات الصورة التي أصبحت راسخة في أذهان العامة، إلا أن مكيافيلي يحظى في إيطاليا اليوم بصورة مغايرة تماماً، فهو مفكر سياسي وفيلسوف له احترامه، ولديه الكثير من الكتب الأخرى المهمة، فضلاً عن عدد المسرحيات التي قام بتأليفها، وحققت رواجاً كبيراً في عصر النهضة. يقول الفيلسوف (آلان دو بوتون) بتصرف: «عندما نظر مكيافيلي إلى تاريخ فلورنسا وإيطاليا بشكل عام رأى بأن الأمراء ورجال الدولة والتجار الطيبون دائماً ما يخفقون، وأن الإنجاز والتحقق عادة ما يكون حليف الأشرار، ولهذا ألف كتابه الأمير، وهو كتيب مهم لمن حسنت نواياهم حتى لا ينتهون إلى الخسارة، وأنه يمكن للطيبين تعلم الكثير من أساليب الأشرار للإنجاز في الحياة بفاعلية، لا أن يتحولوا إلى أشرار». وهو بالضبط ما يقوم مكيافيلي بشرحه في الكتاب بالنص: «على الحاكم ألا يكون طيباً على الدوام في علاقاته مع رعاياه»، فهو يفصل بين أن يكون المرء طيباً في حياته الخاصة، وبين آلية إدارة الدولة التي تتطلب مقاييس خاصة، ومن هنا نشأ الالتباس، وأصبح يعتقد العامة أن مكيافيلي يدعو إلى نبذ كل ما هو أخلاقي وطيب في مقابل الحصول على السلطة. ولو نظرنا إلى السياق التاريخي الذي وُجد فيه مكيافيلي لأدركنا أن هدفه في النهاية هو توحيد إيطاليا من جديدة بعدما تحولت إلى عدة دويلات صغيرة متناحرة، لا يهم من سيوحدها سواء أكان أمير روما أم فلورنسا أو البندقية أو جنوة، وهو عين ما كان الإسكندر السادس وتشيزري بورجيا يحاولان أن يفعلاه.
ومن هذا المدخل بالتحديد نستطيع أن نقرأ شخصية تشيزري بورجيا لنشاهد كيف أنه كان رجلاً ذا فاعلية، ويستطيع تحقيق أهدافه على الدوام. لا نقر أو نؤيد أفعاله الإجرامية، ولكن كما قال مكيافيلي لاستخلاص ما يمكن الاستفادة منه. والحقيقة أن السيناريو لا يتوانى عن تقديم ذلك في كافة حلقاته بكل المتعة والإثارة الممكنة، وجد تشيزري نفسه منذ صباه ملتحقاً بالسلك الكنسي نزولاً عند رغبة والده، ورغماً عن رغبته الشخصية، فهو لا يجد في نفسه سوى مقاتل محنك وسياسي بارع يستطيع أن ينشئ دولة قوية وأن يقود جيشه إلى النصر، وتبدأ توسلاته إلى البابا منذ الحلقة الأولى كي يعفيه من منصبه، ولكن الأخير ما يلبث أن يكرر على مسامعه: «لدي ولدان، أحدهما للجيش الباباوي والآخر أحتاجه داخل الكنيسة»، وبالرغم من ذلك نتابع تشيزري يمضي قدماً وهو يحمى عائلته بفضل يقظته، ويستطيع كشف عدة مؤامرات كانت تهدف للقضاء على عائلة بورجيا بكاملها، نتابع كيف أنه يحافظ على لياقته ومستواه القتالي الذي يتفوق على مقاتلي الجيش الباباوي نفسه، كيف يستطيع أن يسبق أعداءه دائماً بخطوات، بزرع رجاله سراً وسطهم، كيف يتمكن أن ينفذ الاغتيالات السياسية دون أن يتمكن أحد من كشفه أو إلقائه بالتهم، وكيف يتمكن من الدفاع عن روما ضد جيوش فرنسا وحلفائها دون أن يشهر أمامهم بندقية، فقط بخدعة بسيطة لا تنطلي على طفل ولكنها تنجح معه، وعندما يسيء زوج أخته لوكريسيا إليها ويحول حياتها جحيماً فإنه يقدم درساً في فن الانتقام يستحق أن يتم تدريسه؛ كل هذه الأمور ليست من قبيل المبالغة أو التهويل، وإلا لما كان مكيافيلي قد استوحى كثيراً من أفكار وأساليب وفنون السياسة من تشيزري، ومن ثم عندما نشاهد النصف الآخر من حياته بعدما وافق البابا على أن يترك الكنيسة ويتفرغ للعمل العسكري، كيف استطاع بكل الدهاء والمكر والعبقرية أن ينتصر على أعدائه ويحتل أراضيهم بسرعة وفاعلية لا مثيل لها في التاريخ.