فن الأفيش (ملصقات الأفلام) هو النافذة السحرية الأولى، التي يطل منها المشاهد على عالم السينما، ليسبح من خلاله بخياله، فيما يتمنى أن يراه في الفيلم الذي يتهيأ لمشاهدته، وعلى إثره يحدد المتفرج إن كان سيشاهد الفيلم أم يعرض عن مشاهدته. والأفيش أو ملصق الفيلم، عبارة عن لوحة، تستخدم للدعاية للفيلم، وتحتوي على موجز بكل ما في الفيلم، من: فكرته وأبطاله ومخرجه ومؤلفه. وتتعدد أماكن وجود الأفيشات، فهي تنتشر في الشوارع وفي دور السينما وفي الصحف والمجلات والتلفاز ووسائل النقل. وتنقسم هذه الأفيشات إلى ثلاثة أنواع: رسوم توضيحية، ورسوم كاريكاتيرية، وصور. وأفيش السينما مثل أي إعلان تجاري؛ يعتمد على الصورة والكلمة معاً، كل منهما يحاول أن يفسر الآخر، ويدل عليه، لكن أفيش السينما يتميز عن الإعلان التجاري في أنه يتعامل مع منتجات حية، تتمثل في نجوم الفيلم وأيضاً القصة التي سوف يذهب المشاهد لرؤيتها بناءً على فكرة هذا الأفيش وما يتحقق فيه من عوامل جذب وإثارة.
ظهور فن الأفيش
لقد عرف فن الأفيش في المسرح، قبل ظهوره في السينما بسنوات طويلة، على يد المخرج المسرحي برودواني، إذ كان المسرح خلال تلك الفترة يعيش أوج مجده، حيث كانت المسارح تموج بالجماهير في نهايات القرن التاسع عشر، مما دفع أصحاب هذه المسارح إلى التجديد في كل شكل يتعلق بهذا الفن الاستعراضي المسرحي، ومن بين أفكار التجديد هذه، فكرة طرأت على ذهن المدعو جاك كولبي، صاحب مسرح new fun الذي قام بلصق صورة بالحجم الكبير، على مدخل المسرح، وسرعان ما قلد أصحاب المسارح الأخرى فكرته، إذ لاقت رواجاً كبيراً. وكان من أشهر رسامي هذه الملصقات: الفنان أدوين سورسبي، والفنان مايكل جلاسنر، والأخير صرح أن الفكرة أتت من إعلانات البوب كورق، ثم تفنن الرسامون في إبداع لوحات فنية في صورة ملصقات دعائية، حتى صارت كأنها فن جديد ولد ليحيا.
فن الأفيش في السينما
لا أحد يجزم بتحديد الأفيش الأول في عالم السينما، ولكن المؤكد أن الأفيش صاحبَ رحلة الفيلم السينمائي عبر الزمان، ويرجح البعض أن الأفيش السينمائي، ظهر مع فيلم رحلة إلى القمر عام 1902م، عن قصة الأديب العالمي جولز فيرون، حيث دعت الحاجة إلى ملصق دعائي يصاحب عرض الفيلم، وتم بالفعل عمل الملصق على الورق، واستخدمت في تصميمه الألوان البيضاء، ولكن للأسف ضاع هذا الملصق في حريق دمر المخازن قبل استخدامه، مما دفع بمنتج الفيلم إلى تصميم عدة أفيشات لهذا الفيلم في عدة ولايات أمريكية. وفي عام 1903م ظهر فيلم من نوعية أفلام الغرب الأمريكي، مدته 12 دقيقة، حمل عنوان Great train robbery من إخراج أدوين بورتر، واهتم المنتج بأفيش هذا الفيلم، اهتماماً كبيراً، حتى حقق نسبة مشاهدة عالية للفيلم، وكان لنجاح هذا الفيلم، أن تعددت الأفلام وتعدد معها إنتاج الأفيشات، وبدأ الفنانون يتنافسون على إتقان الرسم الذي كانت تعتمد عليه هذه الملصقات. وقد ظهر ذلك جلياً في إنتاج فيلم The Birth of a nation، والذي كانت مدته 187 دقيقة، ويعتبر أول فيلم ملحمي أمريكي، وقد صنع من أفيش هذا الفيلم 125 ألف نسخة، ويعتبر هذا رقماً قياسياً بمقاس هذا الزمان.
فن الأفيش في هوليود
ومع العصر الذهبي لهوليود بداية من عام 1930م مع إنتاج فيلمAll quiet on the western front والذي أخرجه لويس مايلتون، ومدته 105 دقائق. حيث أصبحت أفيشات الأفلام تلقى الاهتمام الشديد، مع اهتمام الفنانين برسم أجمل ما لديهم، حتى جعلت هذه الأفيشات الشوارع بمثابة معارض فنية متنقلة، كما في أفيش فيلم عربة اسمها اللذة عام 1951م، وأفيش فيلم غناء تحت المطر عام 1952م، بن هور عام 1959م، وفي عام 1959 بدأ فن الأفيش السينمائي، يأخذ شكلاً جديداً، حيث تم التجديد وعمل التداخل بين الفني المرسوم والصورة الحقيقية، وفي عام 1960 بدأ عصر الأستديوهات الضخمة يتهاوى، وتأرجح بصددها فن الأفيش بين الواقعية وبين الفن الذي اشتاق إليه الناس، وكان ظهور أفيش فيلم My fair lady عام 1964 بداية العودة إلى استخدام ريشة الفنان في فن الأفيش، وكم كان هذا مرهقاً ومكلفاً، فسرعان ما عاد المنتجون، إلى تكليف المصممين بدلاً من الفنانين، بعمل الملصقات الدعائية، معتمدين في ذلك على الصور الحقيقية بداية من عام 1966، وشهد عام 1968 أوج الملصقات الابتكارية الجديدة، ثم جاء عام 1970 ليحمل معه الموجة الجديدة في السينما العالمية، والتي كان من أشهر أفلامها Love story .
فن الأفيش في السينما العربية
لقد عرفت السينما العربية، فن الأفيش السينمائي مبكراً، وكان بداية فن الأفيش في الإسكندرية، على يد مجموعة من الرسامين اليونانيين، الذين كانوا يعيشون بها، ويتسمون بمهارة كبيرة في فن الرسم، الأمر الذي مكنهم من إجادة وإتقان هذا الفن الوليد، وامتلاك كل مقوماته. وكان من أشهر هؤلاء اليونانيين، الذين برعوا في رسم الأفيشات السينمائية في مرحلة البداية: الخواجه نيكولا الذي أسس أول ورشة إعلان في مصر كلها، وعلى يديه تخرجت أجيال من الرسامين والخطاطين، وتأسس فن الأفيش اليدوي. ثم الخواجة ديمتري. وكانت مساحة الأفيش اليدوي في البداية صغيرة (60 × 90) أي فرخ ورق واحد فوليو، بلغة اليونانيين الذين برزوا في هذا الوقت، وكان من مميزات هذا الأفيش، أنه سهل اللصق، على أي مساحة جدارية في العاصمة والأقاليم. ومع تطور السينما ازدهر فن الأفيش، وتكونت إمبراطورية، عرفت بإمبراطورية صناعة الأفيش، حيث كان لها في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، فنيون وفنانون ذاع صيتهم، مع رواج الحركة السينمائية ونهضتها، ومن هذه الأسماء اللامعة في هذا المجال الفنان حسن جاسور الذي انفرد لسنوات طويلة بالنجومية في هذا الفن، وتخرج في مدرسته تلاميذ امتهنوا نفس مهنته، وصار رسم الأفيشات غايتهم وهوايتهم، ومصدر رزقهم الوحيد.
أفيشات النجم الواحد
هناك نجوم انفردوا بالأفيش، وقد حدث هذا مراراً، ولكن فقط لأعداد محدودة من النجوم، خصوصاً في مجال الغناء والكوميديا، ولعل أسماء محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وإسماعيل يس وفريد شوقي، ثم عادل إمام ومحمد هنيدي؛ كانت بمثابة بطاقة الأمان المضمونة، حيث توضع صورة النجم وحدها على الأفيش، وقد بدأ هذا واضحاً في أفيشات أفلام: يوم سعيد، شاطئ الحب، فتى أحلامي، ليالي الحب، الإنسان يعيش مرة واحدة، صعيدي في الجامعة الأمريكية. وقد ساعد على تفرد النجم وحده بالأفيش قوة اسمه، وملامح الممثل نفسه وشعبيته، كما نرى في أفيشات أفلام عبدالحليم حافظ، حيث كان وجهه الأسهل في التعبير لكونه يحتوي على تفاصيل، وتساهم عيناه الغائرتان في تأكد معاني الشجن والرومانسية، وأفيشات أفلامه حملت دائماً هذا الطابع، ولم يكن صعباً استخدامها في الترويج لأعماله، وكذلك شعبية فريد شوقي جعلت منه بطلاً مطلقاً على أفيشات أفلام: رصيف نمرة 5، باب الحديد، أبو ربيع؛ لكونه فناناً شعبياً تربع على عرش السينما المصرية قرابة 40 عاماً، برصيد كبير من الجماهيرية، حتى لقب ملك الترسو، ومما هو ثابت أن صورته بملابس البحرية في فيلم رصيف نمرة 5 كانت الأكبر حجماً، في تاريخ أفيشات السينما المصرية، والأكثر تكلفة.
الأفيش الرومانسي
يتضمن اثنين من النجوم، يظهرهما بالقوة نفسها في مشهد عاطفي، دون تكبير لأحدهما عن الآخر، مثلما نرى في أفيشات أفلام: الوسادة الخالية، معبودة الجماهير، رسالة من امرأة مجهولة، امرأة للحب، وتمضي الأحزان، آه يا ليل يا زمن، سونيا والمجنون، عذراء ولكن، الاعتراف الأخير، سنوات للحب.. وغيرها من أفيشات الأفلام الرومانسية على امتداد تاريخ السينما المصرية.
أفيشات الجمع بين شخصين وأكثر
وهي أفيشات تجمع بين نجمين، سواءً اثنين من النجوم الرجال أو اثنتين من النجمات، لكل طرف منهما أهميته، في أن يتصدر الأفيش في مواجهة زميله، مثل وجهي شادية وفاتن حمامة المتواجهتين في فيلم المعجزة، ووجهي محمود عبدالعزيز وحسين فهمي على ملصق وجهاً لوجه، والذي اختفى عنه تماماً وجه بطلة الفيلم الرئيسة سهير رمزي، وأيضاً أفيش فيلم رجل بمعنى الكلمة الذي يقف فيه كل من محمود يس وعادل أدهم متواجهين، وقد قيدا بقيد حديدي. وتتدرج هذه الأفيشات فنرى بعضها وقد ضم ثلاثة من أبطال العمل الرئيسيين، مما يوحي أن جاذبية الفيلم تنحصر في هذا الثالوث، وقد تتعدد هذه الأفيشات بتعدد الأفلام التي يقوم ثلاثة شباب أو فتيات ببطولتها، وما أكثرها في عالم السينما.
أفيشات اللوحة الفنية
وهي على شكل لوحات مرسومة، قام بتصميمها فنان تشكيلي، تخصص غالباً في عمل هذا النوع من الرسوم، وهو ماهر في رسم الوجوه (فن البورتريه) الخاص بالفنانين. وهناك ثلاثة أنواع من هذه الملصقات: رسوم توضيحية، رسوم كاريكاتيرية، وصور. وقد برز في هذا اللون من الأفيشات فنانون بعينهم، في مقدمتهم حسن جسور الذي برع في تصميم أفيشات أفلام بين القصرين والسكرية وقصر الشوق، المأخوذة عن ثلاثية نجيب محفوظ. وقد دخل أيضاً هذا المجال رسامو كاريكاتير بارزون، على رأسهم مصطفى حسين الذي صمم أفيشات عديدة، من أهمها أفيش فيلم إلى المأذون يا حبيبي، وسوبرماركت، حيث بدا فيهما الجو الساخر لرسام الكاريكاتير، وخصوصاً في فيلم سوبرماركت، حيث وضع بطل الفيلم ممدوح عبدالعليم، في عربة صغيرة تحمل المشتروات في السوبرماركت. وهناك أفيشات عديدة، اعتمدت على الكاريكاتير، من أبرزها: أفيش فيلم (4 2 4) إخراج أحمد فؤاد، شيلني وأشيلك لعلي بدرخان، وإسكندرية ليه ليوسف شاهين. وهناك أفيشات أخرى عملت على المزج بين الرسم والصورة. وفي أحيان أخرى تتم الاستعانة بالصور بشكل مباشر، كما في أفيشات أفلام: مفيش تفاهم، مذاكرات تلميذة، غصن الزيتون، صراع الجبابرة، خلخال حبيبي، عنبر الموت، عودي يا أمي. وفي السنوات الأخيرة عن طريق استخدام تقنية الفوتوشوب، وبرامج الكمبيوتر، تمت الاستفادة من الصور الفوتوغرافية، لعمل مزيج جديد بالغ التعقيد، وإن كانت لم توقع هذه الأفيشات باسم مصمميها، مثلما رأينا على ملصقات أفلام: عايز حقي، ميدو مشاكل، زكى شان، اللي بالي بالك، عوكل.. وغيرها.
أخيراً
وبعد هذه المراحل الذهبية لفن الأفيش في السينما العربية، أخذت الدعاية كصناعة وفن منحنى جديداً ومختلفاً، إذ تراجع الرسم اليدوي بشكل ملفت، وبقي الاعتماد على العناصر الإلكترونية هو الأساس، فاختفت الفوارق الفنية بين فنان وآخر، إلا في حدود ضئيلة جداً، تتوقف على مدى تمكن المصمم من أدواته، وارتباطه المهني بالتقنيات الحديثة، مما خلق حالة من التشابه والتكرار في الأفيشات، تحول على إثرها الفن الريادي إلى نمط ثابت يخلو من الجماليات الرائعة النابعة من قلب الفنان وأنامله الساحرة حين يخرج بها رسومات تكاد تنطق من فرط دقتها وعذوبتها، حيث كان الفنان يجسد فكرته التي يريد لها أن ترى النور على العمل الفني الجميل وأبطاله، في وقت كانت الموهبة هي كل شيء، قبل أن تطغى المادة وتلتهم الوسائل الحديثة الريشة، وتستبدل بمصمم أفيشات بدلاً من فنان الأفيش.