شيءٌ من الذكرى.. كثيرٌ من الحنين
منذ زمن بعيد، أوائل ستينات القرن الماضي، أطل رجل من عتمة السجن صائحاً في الملأ: من قتل حكمت الشامي؟ (.....، أجيء كالحلم وأمر على بيوتكم وليس لي إلا الحب أوزّعه عليكم، فلقد أماتني أن أراكم متفرقين، أماتني أن أراكم كالشياه ولقد ملأتم قلبي ألماً فقتلت نفسي من أجلكم، وها أنتم كما كنتم، تبحثون عن الحب تحت المناضد وبين أغلفة الكتب، إنكم عميٌ لا تبصرون). ومضى يسعى مكسور القلب بلا كرامة في قومه.
لم يكن المُنادي غير جمعة اللامي، الروائي والقاص العراقي ابن ميسان، المسكون بطفولته وبأحزان جنوبه وعربه، والساكن هذي البلاد والمسكون بها، بنخلها ومائها وهمومها. حمل معه من العراق ما أمكن، لكن بالتأكيد حمل ألمه وآماله وإرادته الصلبة وبعض نصوص قديمة فيها حيوات أبطاله وأصدقائه وصورهم، أحد تلك النصوص كتبه داخل سجن الحلّة كما ذكر العديد ذلك ممن عرضوا لتجربته الأدبية العريضة.
الإعلامي والأديب جمعة اللامي، أبو عمار، أحد طيور العراق الأحرار الذي حط في شارقة دولة الإمارات العربية المتحدة، عام 1980م. بعد عامين من وصوله تعرّفت إليه في جريدة (الخليج) في العام 1982م، وهو تاريخ التحاقي بها. كانت جريدة الخليج يومذاك تحتل ثلاثة أدوار في عمارة تقع في آخر شارع الوحدة لجهة دبي، وتطل عليه من جهة الشرق. ولم يكن يومها قد مرَّ على وجودي في الشارقة سوى عام ونيّف، قدمتُ إليها من أبو ظبي، وتحديداً بعد إغلاق مجلة الأزمنة العربية عام 1980م حيث كنت وآخرون نتعاون معها عبر مكتبها في أبو ظبي.
في جريدة الخليج كان أبو عمار يومها نائباً لمدير التحرير للشؤون العربية والدولية، وكاتباً لعمود سياسي يومي يوقعه باسم (مراقب)، يتناول فيه حدثاً سياسياً طازجاً عربياً كان أم أجنبياً. وكنت أنا، المُنتسب حديثاً إلى الجريدة، محرراً في قسم الشؤون المحلية الذي كان يرأسه وقتذاك الصديق والأخ الأستاذ غسان طهبوب. ما لفتني في أبي عمار بداية معرفتي به، حديثهُ الذي كان ينبي عن ثقافة واسعة في الأدب والسياسية والحياة، واستقباله بحفاوة لزوّار كُثر، من خارج الجريدة وزملاء داخلها. كان يفعل ذلك كل يوم تقريباً، وتحديداً بين الرابعة والخامسة عصراً، على الرغم من ضيق المكان، وضيق وقته كما كنتُ أفترض، فقد كانت وكالات الأنباء الأجنبية تبدأ بث أخبارها في هذه الفترة، ما يجعل الحركة تزداد في صالة التحرير المفتوحة. لكني كنت مخطئاً في افتراضي، إذ كان متمكناً من إدارة وقته وتوقيته. وتلك هي الخبرة.
ذات يوم والوقت كان عصراً، جلست إليه، فطلب لي فنجان قهوة، وبدأنا نتحدث في الثقافة والأدب والحياة بعيداً عن الصحافة. لاحظت فيه أنه يجيد الإصغاء على نحو لافت، ويشجّع الآخر للتحدث عن نفسه، وتلك ميزة لها علاقة بالحكمة. وفي هذه الفترة تحديداً كانت قد صدرت لي أول مجموعة قصصية عن دار الكلمة ببيروت عام 1981م بعنوان (الخروج على وشم القبيلة) فأهديتها له، ليهديني بالمقابل مجموعته الأشهر (اليشن) القصصية -واليشن اسم لميسان العراقية باللغة السومرية القديمة- وما زلت أحتفظ بتلك المجموعة التي أنهيت قراءتها كما أذكر في ليلة واحدة، لشدة ما كانت تتوافر عليه من لغة شائقة وأسلوب ماتع وسلس تتدفق فيه عوالم مختلفة امتزج فيها الواقعي بالفنتازي والسياسي بالصوفي. وانطوت على ألم تكاد تشعر به وصراخ لا يخطئه القلب. بعد ذلك توثقت العلاقة بيننا وتطورت وأصبح لنا أصدقاء مشتركون لعل أبرزهم الراحل المفكر غانم غباش، الأب الروحي لمجلة الأزمنة، الذي كنّا نلتقيه يومياً تقريباً في منزله بمنطقة الحمرية في دبي، ضحى كل نهار أحياناً، وأحياناً نسمر معه ليلاً، ويشاركنا أصدقاء آخرون كتّاباً وشعراءً ومثقفين من الجنسين.
جمعة اللامي، بعد أن تعمقت معرفتي به على مدى 35 عاماً، وقرأت له العديد من أعماله الأدبية إلى جانب متابعتي وقتها لكتاباته اليومية في الجريدة، وشهدت الكثير من تعاملاته المختلفة مع محيطه الإعلامي والاجتماعي والسياسي إلى حد ما.. بعد كل هذه الأعوام الطويلة، اليوم أقول ومن دون أي نوع من المداهنة، إن أبا عمّار قامة عربية كبيرة، فهو ليس فقط مثقفاً، أديباً كاتباً وشاعراً مُفلقاً - كما قالت العرب - وإنساناً من صنف خاص، مرهفاً وشفافاً، وفيه من الشجاعة والكرم الكثير، وفياً لمن يعرف من الناس ومن لا يعرف. بل هو الصفات والشمائل هذه كلها. ولا أريد تفصيلاً في جزئية مهمة لمن لا يعرف وتتعلق بصديقي الحميم جمعة، فهو سليل قبيلة بني لام العربية العريقة التي لها صولات وجولات في التصدي للاحتلال البريطاني منذ العام 1919 وصولاً إلى ثورة العشرين في العراق.
ثمة الكثير من القصص والمواقف التي حدثت إما معه أو كان شاهداً عليها، أحتفظ بها لنفسي لأضمّنها كتابي المُقبل حيث سيكون اسم جمعة اللامي وآخرين معه، متواتراً فيه.
العنف: جلافة الجبل وارتياب الأعراب
(.. عندما أنظر إلى العراق الآن وأقارنه بما رأيته في سنة 79، وقبل ذلك في 59، وقبل ذلك في أوائل خمسينات القرن الماضي، سأجد هذه المتوالية من العنف. تاريخ العراق هو تاريخ العنف. وعندما أعيد قراءة هذا الواقع الذي عشته أو عاصرته بما قرأته عن العراق منذ ما قبل جلجامش، بل منذ السومريين الأوائل. سأجد أن العنف ملازمٌ للعراق، فهذا المكان هو ملتقى أقوام شتى، فستجد من الشرق الهضبة الإيرانية والمرتفعات التركية، ومن الغرب ستجد انسياب جزيرة العرب، وبين الحالتين، جلافة الجبل وارتيابات الأعراب، شُيدت هذه الحضارة، بُني هذا الموقف الأخلاقي المتأمل للكون. أُعيد صنع الجمال. صنعنا المسرح. أوجدنا العالم السفلي، فكان لا بد من أن يتعرّض هذا المكان إلى ما يتعرض له الآن وسابقاً).
التمرد: ولدت كبيراً وسقطت على قدميّ
(سيبقى الطفل معي طويلاً. إنني في الواقع ولدت كبيراً. أنا سقطتُ على قدميّ، وذهبت وحيداً إلى الخِتان، بينما كان أقراني يبكون حينما يُساقون إلى الختّان. وإلى المدرسة ذهبت وحيداً، ووحيداً هاجرتُ من العِمارة إلى بغداد، ومن بغداد كنتُ وحيداً في الطريق إلى بيروت، وهكذا كنت، وحيداً، عندما وصلت هذي البلاد الطيّبة).
الصوت: رمزية النار والبحر والضد
(الرمادُ ماضي النار
وأنا ذاكرةُ الرافدين،
البحرُ مستقبل النهر،
وأشواقي هي الجدول سيدتي.
هذا صوتي، عراقياً مرافقاً للضد،
مضاداً للقبول
وآخر الشهداء).
من رسائل الميساني لأهل النُهى:
(ليس المنفى هو المهم إنما الطريق إلى المنفى هو الأهم. ليست الكتابة هي الرواية إنما الأسلوب)
(أنا أكتب وأنا حر، فعلى الورق لا أفكر بالبشر)
(في السجنِ كنتُ أدافعُ عن نفسي. خارج السجن كنتُ أدافعُ عن غيري)
(إن أعظم أصدقائي هم الذين اختلفتُ معهم)
خاتمة
بعض أسرار (لعبة الأدب المشروعة) لدى الأديب جمعة اللامي جاءت فيما كتبه المسرحي والناقد الكبير عصام محفوظ في عرضه لتجارب اللامي في أعماله الأدبية (حكمت الشامي، وغريب المتروك، وإبراهيم العربي). كتب محفوظ (.. أما اللعبة الشكليّة المتطورة جداً فصاحبها العراقي جمعة اللامي فهو الأول الذي حاول استثمار الإمكانات التصويرية للتأكيد على معنى، يُدرك أن الكلمات قد لا تؤكدهُ بالقوة نفسها التي يُريد، كما أنه الكاتب العربي الأول الذي جعل المتن والهامش نصاً واحداً).
وبعد: كنتُ قد توصلت عبر نظرة في بعض أعمال صديقي الأديب اللامي إلى الموافقة على قول من رأى من النقاد العرب، أن الأديب الروائي اللامي يلجأ إلى التراث القديم في أعماله لمحاكمة الواقع غير العادل.. الواقع الظالم.