مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

مرايا.. عاصم حمدان

التحقت بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، عام 1405هـ. ومما أذكره أنني درست مادة (الأدب في العصر المملوكي)، في العام الجامعي 1407هـ، وأن الدكتور عاصم حمدان كان هو الأستاذ الذي تولى تدريس تلك المادة، فكانت دفعتنا أول دفعة يدرسها، وهو، بعد، شاب حديث عهد بالجامعة والمحاضرات والطلاب.
كان موعد الدرس عصراً، وكنت أحمل نفسي حملاً على غِشْيان ذلك الدرس، فما إن ألقي عني ثقل دروس الصباح، حتى أعود، مرة أخرى إلى الجامعة، لأستمع إلى درس أشهد أنه ثقيل بغيض، لا لعيب في الدرس ولا الأستاذ، وإنما في الموعد المضروب له، وكنت أجر رجلي جراً إلى حجرة المحاضرات، وأدفع عن عيني سِنةً من نوم، فكان (العصر المملوكي)، ذلك الذي ندرسه، ثقيلاً بغيضاً، مهما أراده الأستاذ المحاضر عذباً سائغاً.
ومما غار في ذاكرتي، فلست أنساه، هيئة الدكتور عاصم حمدان وجلسته، ونحن قبالته. كان الوقت عصراً، وكنا نكابد الإجابة عن أسئلة الاختبار، وكان الصمت يخيم على حجرة الدرس، فلا نكاد نسمع إلا خشخشة ورقات الإجابة، وما إن نتم صفحة حتى نشرع في أخرى، وكنا، كعادة طلاب يجيبون عن أسئلة اختبارات: نراوح النظر في الورقة التي أمامنا، حيناً، وفي الأستاذ الذي يجلس، قبالتنا، حيناً آخر، وكان الأستاذ ساكناً وادعاً مطمئناً في جلسته، يقرأ كتاب (في معرفة النص)، للناقدة والأستاذة الجامعية اللبنانية يمنى العيد، وكأنما الكتاب ملك عليه عقله وكل جوارحه، فاستغرق فيه كل الاستغراق. وكنت أعرف الكتاب جيداً، في ذلك العهد، فقد قرأته، وأطلت النظر فيه، وكان من الكتب الرصينة التي تناولت مسائل في الأدب العربي الحديث، والنقد الحداثي، بخاصة، ولاءمت فيه ما بين الأدب والماركسية.
ربما كان غريباً أن يتخير أستاذ (الأدب في العصر المملوكي) كتاباً معدوداً في النقد البنيوي، فيقرأه، ويقطع به وقتاً ثقيلاً، هو وقت اختبار، دون كتب أخرى هي أدنى إلى تخصصه الذي استفرغ منه الجهد والوسع والطاقة؛ فما كانت كتب النقد البنيوي بالتي تروح عن النفس، لو أراد قارئٌ الترويح عن نفسه! ولم أكن قد عرفت الدكتور عاصماً معرفةً تجعل إقباله على ذلك الكتاب (الحداثي) مفهوماً مستساغاً.
واليوم، حين أستعيد طرفاً من ذلك التاريخ، لا أجد وجهاً للدهش ولا الغرابة: أن يقرأ أستاذ مادة (الأدب في العصر المملوكي) كتاباً في النقد الحداثي، أما، في ذلك الزمن، فكان المنظر طريفاً غريباً، وكأنما كان لزاماً علينا أن نقسم الكتاب والمثقفين -والطلاب كذلك- إلى (فسطاطين): أحدهما لـ(الحداثيين) والآخر لـ(المحافظين)، أو من كنا ندعوهم (التقليديين). هكذا فكرنا، وهكذا قدرنا، أن ندع ما لله لله وما لقيصر لقيصر! وأنّى لأستاذ مختص في أدب العصور المتأخرة أن يقرأ كتاباً في البنيوية التكوينية؟ وصفة ذلك الكتاب أنه، على إحسان مؤلفته وبصرها بالنقد، عصي ثقيل!
على أن أحوال الثقافة والأدب، في ذلك العهد، كانت تستهويها تلك القسمة، فلا موقع وسطاً يلتقي فيه أولئك الذين أرادوا لأنفسهم أن يكونوا (خصوماً) لا (متحاورين)، لا أستثني منهم أحداً؛ (الحداثيين) و(المحافظين)، وعساهم، كلما أطفئت نار الخصومة، أشعلوها وبالغوا في إشعالها، وأنالتهم تلك الخصومة ما يبغون: شهرةً لمن أراد الشهرة وبعد الصيت، وزعامةً لمن توهم أنه رَأْس (تيار)، أو (مذهب)، يوشك أن يكون (معتقداً) و(نحلةً)!
كانت هيئة أستاذنا الدكتور عاصم حمدان في ذهني واضحة بينة، كان أدنى صلة بأحد ذينك (الفسطاطين) اللذين قسمنا عليهما (الخصوم)، كان (تقليدياً) (محافظاً)، يترصد للفسطاط الآخر، ويقعد له كل مرصد، وكنا -أنا وثلة من الزملاء- قد ملنا إلى (فسطاط الحداثيين)، كل الميل، وكان أستاذنا الدكتور عبدالله الغذّامي أعلى أولئك (الحداثيين) صوتاً، وكان، آنئذ، أبرز أساتذة قسم اللغة العربية وآدابها في جدة، أناله كتابه الخطيئة والتكفير (1405هـ=1985م) شهرةً وصيتاً، فغدا اسمه على كل لسان، قبل أن ينبو به المكان، ويضيق بجدة وجامعتها وأساتذتها، فيشد رحاله، بعيداً، إلى جامعة الملك سعود بالرياض. على أن (الخصومة) المستعرة، أعوزها الحكمة والعقل؛ يسفه الغذامي زملاءه (الخصوم)، فيطلقون فيه أقلامهم وألسنتهم، في حقبة خصبة ثرية، مهما كانت قاسيةً عنيفةً مؤذيةً؛ قست على فئة، وعنفت بالجميع، وأوذي فيها أساتذة ومثقفون وطلاب، أو من كانوا، في الأمس، طلاباً.
مر بنا، قبل أسطر، أنه ما كانت فهومنا لتقبل أن يقرأ أستاذ (الأدب في العصر المملوكي) كتاباً معدوداً في النقد الحداثي، ما دمنا قسمنا الأساتذة والطلاب والمثقفين إلى ذينك (الفسطاطين)! وكأن عقولنا -ولِمَ لا أقول: كأن عقلي- أراد أن يحبس أستاذنا عاصماً في تلك العصور التي أريد لها، ظلماً وعدواناً، أن تكون (عصور انحطاط)، وهي (تسمية) يقول عمر فروخ: «فيها قليل من الصواب والحق، وكثير من الخطأ والباطل»، أو كأنما نَفَسْنا -أوْ نَفَسْتُ- على أستاذ تلك العصور أن يجرؤ، فيقول قولاً في (الحداثة)، و(ينازع) أهلها الرأي فيما جعلوا يعالجونه، وأنّى له -وهو، عندي، (محافظ تقليدي)- أن ينظر فيديم النظر في كتاب يمنى العيد، وقصاراه أن يتحين يوم الأحد، من كل أسبوع، فيطالع صحيفة الندوة، في مكة المكرمة، و(ملحقها الأدبي)؛ ذلك الذي ألقى بين (المحافظين) و(الحداثيين) العداوة والبغضاء! أو أن يقرأ كتاب الحداثة في ميزان الإسلام، وكان صدوره عام 1408هـ، حديث الناس في أنديتهم ومجالسهم.
أظهر لي الدكتور عاصم حمدان (الوحشة)، إبان الجامعة، وتغير علي، لأمر لست أدريه، ثم ارتقت (الوحشة) فصارت (خصومة)، ليس هنا محل بيانها، وأنا أعيد، اليوم، شيئاً من هذه وتلك إلى ما جبل عليه أستاذنا من (عاطفة) غلابة، كثيراً ما عنا لها وسار على هواها، وأنا لا أعفي نفسي من احتمال شيء من تبعة تلك (الخصومة) -أما (الوحشة) فلا يد لي فيها!- حتى إذا تراخت الأيام، تجاوزت (الوحشة) و(الخصومة)، وأقبلت على أستاذي، وأخذت نفسي إلى طريق عساه، لَمَّا تَأَمَّلَه، استحسنه، على أنني ما كنت لأطلب فيما اخترته رضا هذا ولا سخط ذلك، ثم إنني جعلت أعيد النظر فيما غبر علينا من أحوال الثقافة وخطوبها، بعين باحث أراد أن يكون سمته (التوسط) و(الاعتدال) و(الاستقلال)، وشاء لقلمه أن لا يرتع في خصومة الأمس، فكان (مستقلاً)، أو هذا ما حسبه!
كأنني، اليوم، فهمت الدكتور عاصم حمدان، أو هذا ما أظنه!
لن نستطيع أن نفهم عاصم حمدان حق الفهم، ولا أن ننزله من ثقافتنا المنزلة التي يستحقها، ما لم نعرف أن أستاذ (الأدب في العصر المملوكي)، لم يشأ أن يحبس نفسه خلف أسوار ذلك العصر، فإذا مر بنا اسمه رسمنا له صورة هي أقرب إلى مآذن العصر المملوكي وقبابه، وأدنى إلى تقاليده وحدوده ورسومه، فإذا أنشأ يكتب وإذا جعل يتكلم فعن الموشح والزجل، وإذا ذكر أعلاماً فأبو الحسين الجزار، والشاب الظريف، وابن دقيق العيد، وابن دانيال، ونصير الدين الحمامي، والظاهر بيبرس!
أرأيتم كيف نقيم السدود والقيود؟
ربما كان ذلك أثراً من آثار (الاحتراب) بين التيارات، أو عساه بعض مثالب (التخصص الأكاديمي)، لا يريد لأستاذ (الأدب في العصر المملوكي) أن يكون له رأي في شأن من شؤون الحياة، دع عنك أن يظهر رأياً في مسألة أدبية أو ثقافية. ونسينا أمراً آخر، أو لعل (الخصومة) اقتضتنا تعمد النسيان، وكان مما نسيناه أن عاصماً عرفه القراء (كاتباً) و(مثقفاً)، قبل أن يعرفه زملاؤه وطلابه أستاذاً في الجامعة، ولقد مر على الرجل حين من الدهر كان فيه كاتباً معدوداً في كتاب الرأي في الصحافة، حتى إذا ارتقى في العلم، واحتاز درجة علمية عالية، واحتل كرسيا في الجامعة؛ لم يطرح الكتابة في الصحافة، وكان واجباً عليه أن يظهر رأيه في هذه المسألة وتلك، مما تقلبت به الحياة الثقافية، وكان سائغاً أن يعالج مسائل في الأدب والنقد الحداثيين، وحمله شرط (الاحتراب) على أن يختار أحد (الفسطاطين)، فآثر (المحافظين) وصغا إليهم، دون (الحداثيين)!
أعرف أن هذا (تخريج) سهل يسير للمسألة: أن تحشر هذا المثقف أو ذاك في سلة من السلال، ثم تستريح!
ونحن قوم لا يريدون أن يثقلوا على أنفسهم بالبحث والتفتيش والتأمل. أردنا عاصم حمدان (محافظاً تقليدياً)، وسرعان ما صببناه في قالب جامد، وعسانا حكمنا عليه هذا الحكم، بمقالة هي بنت مناسبتها التي كتبت فيها، ولم نتصور له -أو لغيره- موضعاً وسطاً بين (الفسطاطين)، حتى إذا تحول الزمان وغادرنا (معارك) الحداثيين والمحافظين، واضطرب العالم والبلاد والعباد، من حولنا، في شؤون أخر مختلفات؛ استمسكنا بتلك القوالب المصبوبة الجامدة، ولم نشأ، بعد تلك العقود، أن نعمل عقولنا وفهومنا فيما مر بنا، وكان سهلاً يسيراً لا يكلفنا شيئاً أن نقول: الغذامي والسريحي (حداثيان)، أما (التقليدي) فعاصم حمدان!
والذي يرجو البحث تحقيقه أنه ليس من بأس على (الحداثي) ولا على (المحافظ) أن يختار أحدهما منهجاً مبايناً للآخر، شريطة أن نفهم ونعقل ما نقرؤه، وألا تحملنا العصبية على التصنيف، لغرض لا صلة له بالعلم والمنهج.
ربما لم يستهوِ عاصماً ما عالجه (الحداثيون) في بلادنا، ولعله لم يجد في نفسه ميلاً إلى أدب الحداثة مطلقاً، وليس لأحد أن ينازعه فيما أراده واختاره، وفي اختلاف مذاهب الأدب وتياراته سعة لمن أراد أن ينتقي ويختار، ودوننا آراء أخذ بهن رواد الأدب والثقافة، لم تُسِغِ (الجديد)، ووقفت منه موقف الحذر، لكن ذلك لم ينزل (الرواد) عن مقام لهم رفيع في الثقافة العربية الحديثة، إلا عند من آثروا خلط الأدب بالسياسة والأدلوجة، ثم ادعوا (التوسط) و(القصد) و(الاعتدال).
ولست أنفي عن عاصم حمدان موقفه (المتحفظ) من حركة (الحداثة) في العالم العربي، وفي بلادنا، على أنه ليس بدعاً في ذلك، والموقف المتحفظ ليس يكفي وحده لنرد ما اصطنعه الرجل وأخذ به، فإذا صد عن (ركاكة) اعتورت ما ينشئه بعض (الحداثيين)، وإذا لم يسغ نقدهم؛ فإنه لم يخالف عن أمر مسلم به. وما كان عاصم وحيداً فيه، ولطالما قرأنا رأياً عنف فيه أصحابه بالنقد الحداثي، هو أشد مما أظهره أستاذ (الأدب في العصر المملوكي)، وأثقل وقعاً. قرأنا شيئاً من ذلك عند إحسان عباس، وعلي جواد الطاهر، ولويس عوض، وأحمد كمال زكي، وإبراهيم السامرائي، وعبدالوهاب المسيري، وعبدالعزيز حمودة. ولهم جميعهم مقام جليل في ثقافتنا الحديثة، ولهم جميعهم بصر حديد بنقد الأدب.
والحق أن الفصول التي أذاعها عاصم حمدان في الصحافة نفعته وأضرته. نفعته إذ رغب قراء كثيرون فيما ينشئه من فصول، وأقبلوا عليها، وأخص منها ما كان موصولاً برأي أشاعه في شأن من شؤون (الحداثة). وويل للكاتب من قرائه! يؤثرونه ويقبلون عليه ما عبر عما يرجونه ويعتقدونه، لكنه يحبس قلمه فيما يريده أولئك القراء، وكأنه أسيرهم، فلا يملك أن يتحدث إلا بألسنتهم، ولا يصدر إلا عن رأيهم؛ وأضرته فلم يستذكر القراء ولا الباحثون منه إلا ذلك الأديب الكاتب الذي أبى (الحداثة) و(الحداثيين)، وقاومها وقاومهم، في زمن اختلطت فيه أصوات (الحداثيين) و(الصحويين)، وملأت حياتنا ضجيجاً، ولم نكد نصغي إلى سواهم!
ويغلب على الظن أن عاصم حمدان لم يجد مندوحةً عن أن يتحفظ، كثيراً، على (حركة الحداثة)، لما صار لها صولة وسلطان في حياتنا الثقافية، على أنه ليس منكراً أن يقف مثقف موقفاً يتقي به (تياراً) ما ويصد عنه، إنما المنكر هو العصبية والهوى، وما زاد عليهما، فبلغ أن يكون إضراراً بالمخالفين أو ائتماراً بهم، على أن (حركة الحداثة) لدينا لم تكن مبرأة من الهوى، ولم تسلم من الضعف والخور والركاكة والفسولة، عند بعض أعلامها الكبار، قبل الحواريين والمريدين الصغار.
لم يكن عاصم حمدان خصماً لداً، كما كان آخرون، ولكنه لم يبرأ من الخصام كل البراءة. أراد أن يظهر للناس في زي (الحَكَمِ الْتُرْضَى حُكُومَتُهُ)، فأفلح، قليلاً، وجرفه التيار، فمال عن ذلك بعض الميل، ولم يكن له صوت يقارع به (الحداثيين)، يضارع أصوات محمد المليباري في صحيفة الندوة، وعمر الساسي ومحمد خضر عريف زميليه في الجامعة.
أراد صاحبنا أن يكون (معتدلاً) (حكيماً)، ولا ننس أن عاصماً لا تتم صورته ما لم نعرف فيه (المتصوف)، (السمح)، لكن (المرحلة) -هذه الكلمة التي آثرها المختصمون- أنزلته على حكمها وشرطها، فأجابها، طائعاً، وما يدرينا فلعله أراد النصفة والاعتدال والتوسط، فما استطاع، فـ(المرحلة) تأرثت فيها (الخصومة)، ورأى (التيار الديني) -ولا سيما (تيار الصحوة)- في الحداثة والحداثيين ساحة جيدة للنزال، ولا سبيل للتوسط ولا الاعتدال، وليس لك إلا أن تكون في أحد (الفسطاطين)، ولا طريق ثالثاً بينهما.
لم يكن عاصم حمدان عالم دين، وتقدم أنه تشرب (التصوف). وعلى أن هذا (الطريق) الذي سلكه يؤدي إلى الدين؛ فإنه لم يتح له، في ذلك العهد، أن يجهر بصوته، ولا أن يمد بصره، أبعد من مدًى محدود، فكان قريباً من (المتدينين)، وما كان  ليقبل على (الحداثيين)، وليس بيده، مهما أراد الظهور بزي المتوسط المعتدل، أن يخالف عن شرط (المرحلة)، يقوي ذلك أن أستاذ (الأدب في العصر المملوكي) نزل على حكم (المرحلة): أشار عليه عبدالله عمر نصيف وأحمد محمد جمال بأن يصنف كتاباً يساجل به (الصهاينة) و(الصليبيين) و(أعداء الإسلام)؛ فأجابهما، فكان (التآمر الصهيوني الصليبي على الإسلام) أول كتبه صدوراً (1409هـ/1989م)، فإذا تأملت الكتاب رأيته يأخذه بعيداً عن (العصر المملوكي)، وعن (الأدب)، و(النقد)، وإذا أدرت على لسانك اسمي الرجلين اللذين أشارا عليه بتأليفه؛ أدركت مقامهما من (الدعوة الإسلامية)، فأولهما كان، زمن صدور الكتاب، (أميناً عاماً لرابطة العالم الإسلامي)، وآخرهما -أحمد محمد جمال- له في (الدعوة) أثر لا ينكر، منذ أخرج كتابه (مكانك تحمدي)، عام 1384هـ، وربما قبل ذلك. وكأنما وضع عاصم حمدان كتابه تعبيراً عن عصر كان من قادة الرأي فيه نصيف وجمال، فلم يحِدْ عن (روح) ساد تلك (المرحلة)، وأحكم عليه، واستعار كلماته وعباراته وصوره. فإذا أنشأ يكتب بقلم الناقد والباحث، وإذا دل بما كتب على (فهم) صحيح لمسائل في الأدب والنقد؛ إذا به يعود، كرةً أخرى، فيستذكر شرط (المرحلة)، وما رجاه له (أشياخه)، وتساوت لديه الأقدار، ما وَفَى لـ(فسطاطه)، وإلا كيف يسوغ، في الأفهام، أن يجمع جورج واطسون صاحب كتاب الفكر الأدبي المعاصر، ومحمد مصطفى بدوي الأستاذ بجامعة أكسفورد، ولويس عوض الناقد والمترجم المذكور؛ كيف يسوغ أن يجمع عاصم هؤلاء بجمعان عائض الزهراني، مؤلف كتاب (حرب جديدة على الإسلام)، الذي احتفل له احتفالاً؟! ولكن مهلاً؛ فحسبنا أن نعرف أنه لا فرق كبيراً بين كتاب جمعان وكتاب عاصم (التآمر الصهيوني الصليبي على الإسلام)، فكلاهما يستقي من المنبع نفسه، وكلاهما بعض حصاد (المرحلة)، وكلاهما نشرته (رابطة العالم الإسلامي)، وسلسلة كتابها (دعوة الحق)، في عهد أمينها العام عبدالله نصيف.  
لقد أضرت (المرحلة) عاصماً مهما ظن أنها أفادته؛ ذلك أن القراء، على اختلافهم، عرفوا فيه الكاتب الذي ما برح ينشئ ويعالج فصولاً، لا تختلف عما عرفوه في فصول أنشأها شيوخ (المرحلة)، وإنه ليوافق ما نزعوا إليه؛ في العبارة، والمفردة، والتصور. والحق أنني لست أدري إلامَ أعيد ذلك؛ أإلى (عاطفته) تلك التي ألممت بها، أول هذا الفصل؟ أم إلى أنه نزل على حكم (المرحلة)، وشرط التلمذة -الحقيقية والرمزية- لعبدالله عمر نصيف وأحمد محمد جمال وآخرين؟ أم إلى ما اعتقده واختاره وصدر عنه؟ أم إلى أمر آخر لا أدريه ولم أهتدِ إليه؟
لقد أضرت (المرحلة) بعاصم حمدان وبالغت في الضرر.
لم يكن الرجل ليستطيع أن يتقي -في فصول أدبية أنشأها- حدوداً ورسوماً ظهر عليها القراء، أنشأها، من قبل، محمد محمد حسين ومحمد البهي وأنور الجندي وأحمد فرح عقيلان؛ لم نفهم منها، متى قرأناها، سجالاً ولا تدافعاً، وإنما هي ما اعتقدوه (حرباً) سافرة على من أراد بالإسلام والعربية (شراً)، ولا جرم أن هذا الضرب من الكتابة عنا له في الثقافة العربية الحديثة (إسلاميون) و(قوميون)، وكأنما اصطلح (التياران) في أحكامهما، مهما اختلفا في المنزع والغاية، فإذا قرأنا شيئاً مما أذاعه عاصم في الدرس الأدبي، وبخاصة (الأدب المقارن)، و(النقد الأدبي)، لا نلبث إلا حيناً قليلاً، فنراح تلك الرائحة، وعساه لم يستطع أن يخلي بحثاً خلص للأدب ونقده من أثر (الخصومة)؛ لم يرَ في سيرة لويس عوض أوراق العمر إلا ما يرضي القراء و(المرحلة)، ولم يحِدْ عن رأي أخذ به العلامة محمود محمد شاكر، من قبل، ودرج عليه، من بعده، تلاميذه ومريدوه؛ كان لويس عوض، عنده وعندهم، (صليبياً)، (حاقداً)، كأن بيده (معولاً) يريد به (القضاء) على (العروبة) و(الإسلام)! وقس على ذلك أدباءً ونقاداً آخرين، ممن تناثرت أسماؤهم في فصول أذاعها عاصم في الصحافة، أو أخرى أراد بها البحث والدرس والنقد.
لِمَ أقول ذلك؟
الحق أن لي رأياً يباين ما أخذ به جماعة من المثقفين!
ذلك أنني أجل كثيراً مما كتبه الدكتور عاصم حمدان، وأجد في بعض كتبه بصراً جيداً بما انتصب له، وبخاصة إذا كتب في (الأدب المقارن)، و(الدراسات الاستشراقية)، و(النقد الأدبي)، و(التاريخ الثقافي)، دع عنك ما امتاز به من الكتابة في شأن نفسه، وله فيها كتب كثيرة وافرة.
ربما صدنا عن فصوله تلك أننا ظهرنا عليها، أولاً، منشورة في الصحافة، وأنه أنشأ فصولاً أضمر فيهن النيل من الخصوم والمناوئين، ولعلنا لم نتكبد عناء قراءتها، مرة أخرى، حين جمع الأشباه منها والنظائر في غير كتاب، ولست أبرئ الدارسين من التثاقل والكسل، فلم يقرأوا لعاصم حمدان ولا لغيره، وما عرفوا شيئاً مما أنشأ وكتب، ولبثوا على ما استقر في أذهانهم، ليس يبرحه إلا شيئاً قليلاً.
على أنه ليس في وسع هذا الفصل، مهما أراد، أن يستوفي ما تصدر له عاصم حمدان، وحسبه أن يضع الصُّوَى والعلامات.
والذي خلصت إليه، وعهدي بكتبه قديم، أن لعاصم صلة متينة بغير لون من ألوان الدرس الأدبي، يكفينا منها الشاهد والمثل، وأظهر ما اختص به -مما لا صلة له بـ(المرحلة) وشروطها- (الأدب المقارن)، و(النقد الأدبي). ومن الحق أنه ذو معرفة متينة بما انتصب له، ولا سيما (الاتصال الأدبي) بين الأدبين العربي والغربي، ومسائل أخرى في (الترجمة)؛ يدلنا على ما أقول إحاطته بما يكتب، واطلاعه الحسن على مصادر الموضوع الذي يعالجه، العربي منها والغربي. وكان لاختلافه إلى جامعات إنجلترا أثر فيه؛ فمال إلى مدرسة النقد الإنجليزي دون سواها، وأظهر تعلقاً بأعلامها ورموزها، وأكثر من الاستشهاد بهم، حتى اعتاد القارئ أن تمر به أسماء: ت. س. إليوت، ورتشاردز، وستانلي هايمن، وجورج واطسون، ولويس عوض، ومحمد مصطفى بدوي. وكان -متى أُنْسِيَ كَلِمًا قديماً في التآمر الصهيوني الصليبي وما يشبهه- حسن البصر بما يعالجه، ناقداً عارفاً بما ينشئه، جيد التهدي إليه.
ويلقانا الأمر نفسه في درس استهواه قديماً، قبل أن يظفر بالدكتوراه، أعني (سهمة المستشرقين والمستعربين في الدراسات العربية والإسلامية)، وله في هذا الاختصاص غير كتاب، وأظن أنه ليس من السرف القول: إن ما أنشأه عاصم حمدان، في هذا الضرب من البحث، يبوئه مرتبةً عاليةً فيه. تهدى إلى ما أضافه المستشرقون والمستعربون إلى أدبنا وثقافتنا، في قديمهم الذي كتبوه وحديثهم، ولم يكن ما أداه إلى الدرس والبحث يسيراً، ويكفي القارئ، متى نظر فيما كتب، أن يخرج، وهو أكثر درايةً، بأعلام المستشرقين والمستعربين، وأمتن صلةً بما أنشؤوه، وقس على ذلك فصوله التي عالج فيها مسائل مختلفات في (الدراسات الأدبية)، و(التاريخ الثقافي)، ولا سيما ما اتصل بالأدب والثقافة في المدينة النبوية المنورة.
ويستجلب النظر في جمهرة من البحوث التي تصدى لها الدكتور عاصم حمدان؛ أنها تذكرنا بنمط من البحث، ألفناه فيما يعالجه نفر من المستشرقين والمستعربين، ومن سار على دربهم من الباحثين العرب. فإذا قرأنا طرفاً مما أنشأه: ف. فستنفلد وغولدتسيهر ومرغليوث وكارلو نلينو وكارل بروكلمان وأربري ونكلسون وهاملتون غب وأندريه ميكيل، وإذا ظهرنا على ما أداه إلينا: صلاح الدين المنجد، وجواد علي، ويوسف إيبش، وصالح أحمد العلي، ومحمد عدنان البخيت، وسلمى الخضراء الجيوسي.. إلخ؛ تبيّن لنا أنهم إنما أقاموا ما انتصبوا له من بحث، على إحاطة واسعة في المصادر والمراجع، فإذا جعلوا يكتبون، فقلما يند عنهم مصدر أو مرجع، مهما كان صغيراً. على ذلك كان عاصم حمدان، في فصوله التي أدارها في الأدب والثقافة في القرون المتأخرة. وقلت، من قبل: إن هذا الأسلوب الذي أخذ به، مما امتاز به المستشرقون والمستعربون؛ توسل به في زمن يسبق ظفره بالدكتوراه، وشاهد ذلك بحثه النفيس عن (أمين الحلواني المدني) (1406هـ=1986م)، وفيه استبان تأثره منهج الغربيين في الإحاطة والشمول والاستقصاء والتتبع.
وليس ببعيد أن ذلك المنهج الذي تميز به عاصم حمدان واختص به، إنما هو خصيصة علمية جبل عليها ووفق إليها، على أنني أعيد امتيازه به إلى أنه تلمذ، في بريطانيا، لأستاذين جليلين علماه أصول البحث والتفتيش والتنقيب؛ أحدهما العلامة الفلسطيني وليد عرفات، الذي اتصل به في جامعة لانكستر، أول عهده بإنجلترا، والآخر المستعرب الإنـجليزي العلامة كليفورد إدموند بوزورث، أستاذه في جامعة مانشستر والمشرف على أطروحته العالية. وكلا الأستاذين ذو فضل على الدراسات العربية والإسلامية. أما بوزورث فبحسبه أن كان كتابه الجليل السلالات الإسلامية الحاكمة جوهرة مؤلفاته، وأما وليد عرفات فدلنا على مقامه في البحث والتدريس: تخرجه في شبابه في الكلية العربية بالقدس، ذلك المعهد الذي أهدى إلى الثقافة العربية الحديثة: إحسان عباس ومحمود الغول ومحمد يوسف نجم وجبرا إبراهيم جبرا وناصر الدين الأسد ووليد الخالدي وشقيقه طريف، ومحمود السمرة وتحقيقه النفيس لديوان حسان بن ثابت، ذلك التحقيق الذي جاء آيةً في الضبط والتحري، وعلامةً على مقام هذا الأستاذ الجليل في نشر التراث وتحقيقه.
ذو صلة